مؤامرة على 'شاعر المليون'!

بقلم: د. هيثم الزبيدي
الفراعنة، على موعد المنافسة في السنة القادمة؟

أسر الشاعر السعودي ناصر الفراعنة الجمهور العربي بقصائده النبطية التي ألقاها في مسابقة "شاعر المليون". ولم يكن خافيا تحمس لجنة التحكيم له في الحلقات الاخيرة من برنامج المسابقات الشعرية الأشهر في العالم العربي. وراجت، وحتى اللحظات الأخيرة قبل إعلان النتائج، فكرة أن الفراعنة سيحمل بيرق الشعر النبطي لهذا العام.
الشاعر القطري خليل الشبرمي التميمي، الذي فاز باللقب في النهاية، لا يقل عن الفراعنة طول قامة شعرية. فهو قادر، على حد وصف أحد أعضاء اللجنة، على أن يأتي بقصيدة "كل بيت بها له معنى مستقل بذاته ويتجاور مع الذي يليه بدون اختلاط."
لو ترك الأمر للجنة التحكيم وحسب، لكان من الوارد أن يفوز الفراعنة وأن ينتظر الشبرمي التميمي سنة أخرى ليدخل حلبة المنافسة من جديد. لكن مسابقة "شاعر المليون" لها قاعدة إضافية ساعدت على ترجيح كفة الشبرمي على حساب الفراعنة: إنها التصويت الشعبي.
ما الذي حدث؟ نجح القطريون في أن يقلبوا المعادلة في اللحظة الأخيرة عبر التصويت الشعبي. وانهالت رسائل المحمول لتدفع بالشبرمي إلى المقدمة. وإذ لم يقصّر السعوديون في دعمهم للفراعنة، إلا أنه من الواضح أن وجود المتنافس السعودي الآخر في السباق، الشاعر عيضة السفياني، شتت من قدرة السعوديين على حسم السباق لصالح ابن بلدهم.
مسابقة جميلة تذكرك بمباراة بين فريقي كرة قدم متعادلين حتى اللحظة الأخيرة، ثم يتدخل حماس الجمهور ليدفع بأحد الفريقين المتراجحين إلى تسجيل الهدف الذهبي.
لا شك أن الجمهور السعودي أحبط. ولكن، هذه هي المسابقة وهذه هي قواعدها، وعليهم أن يتهيئوا مبكرا لمسابقة العام القادم لكي يكونوا أكثر تركيزا على مرشح واحد وأكثر حسما وتصويتا في تأييدهم مرشحهم.
ولكن عليهم أيضا أن لا يفسدوا متعتهم بتلك المسابقة الجميلة عبر التشكيك بمصداقية التصويت والوقوع في شرك فكرة التآمر على "المرشح السعودي". فمرشحهم كان الأقرب إلى قلوب أعضاء لجنة التحكيم، لكن منافسه كان الأقدر على استقطاب أعداد أكبر من المصوتين لصالحه من قطر وغيرها من البلدان الخليجية والعربية. وقواعد المسابقة، التي وضعت قبل انطلاق "شاعر المليون"، كانت واضحة، بل وفريدة، إذ تكسر قاعدة السيطرة المطلقة للجان التحكيم على الاختيارات في كل المسابقات المماثلة وتمنح الجمهور، ربما للمرة الأولى، كل هذا القدر والحق في ترجيح اختيار شاعر على حساب آخر.
***
المقاربات تفيد كثيرا في هذا السياق. في الولايات المتحدة مثلا، يمكن لمرشح رئاسي أن يخسر أمام منافسه رغم حصوله على أغلبية عددية في التصويت. كيف؟ ثمة ولايات ذات كثافة سكانية عالية، لكن القانون الانتخابي يأخذ تصويتها على المرشح ويعطيه وزنا في عدّاد مختلف يسمى الكلية الانتخابية. أي أن من يفوز شعبيا في الولايات الكبرى سكانيا ليس شرطا أن يفوز في انتخابات الرئاسة.
هذه قواعد "المسابقة" الرئاسية في أميركا، الدولة العظمى.
ولا أحد هنا يقول إن ثمة تآمرا على مرشح ضد مرشح طالما وافقوا على المشاركة في الانتخابات وفقا لتلك القواعد.
نفس الشيء يقال تقريبا عن الانتخابات في بريطانيا. فحزب العمال يحكم بـ "أغلبية" تقل عن 40%. إنه حزب الأغلبية لأن لديه مقاعد أكثر في البرلمان وليس لأنه القادر على الحصول على عدد أصوات أكثر في الانتخابات.
هذه، مرة أخرى، قواعد "المسابقة" البرلمانية في بريطانيا.
ولهذه الأسباب يسعى المرشحون في الولايات المتحدة وبريطانيا إلى حشد التأييد الشعبي دون أن ينسوا الفروقات التي تفرضها قواعد الانتخابات.
والقواعد وضعت لكي لا تنتهك، لأنها ببساطة "قواعد".
***
المقلق في حملة التشكيك بنتائج مسابقة "شاعر المليون" ليس منْ يفوز بها. فالخاسر مرشح للفوز في الدورة القادمة. ومثلها مثل كرة القدم وغيرها من الرياضات، فإن المسابقات خلقت ليفوز بها البعض ويحل الآخرون في المراتب الثانية والثالثة.
المقلق هو أن تتحول هذه المسابقة الجميلة، التي استطاعت استقطاب أعداد من المشاهدين يفوق عدد مشاهدي كرة القدم، إلى فرصة للتقليل من أهمية المشروع الثقافي الكبير الذي بدأت ملامحه تتضح في أبوظبي.
المشهد الثقافي الخليجي كان إلى وقت قريب استعراضيا: اجمعْ هؤلاء الشعراء أو الأدباء؛ ضعْهم في فندق 5 نجوم؛ اطلبْ من التلفزيون أن ينقل المناسبة على الهواء؛ وزعْ العطايا على يد هذا الشيخ أو ذاك الأمير؛ انتهى. لقاؤنا العام القادم مع نفس الوجوه ونفس الشيوخ ونفس الأمراء ونفس العطايا.
وبقي كبار المسؤولين الخليجيين (والعرب أيضا لأن المعادلة أعلاه تصح في أي بلد عربي) في حيرة: كل هذا الإنفاق على الثقافة، ولا أثر أو حماسة تذكر لدى الشعوب؟ كيف لا تستثير هذه المهرجانات الباذخة الناس؟ لماذا علينا أن ندفع موظفي وزارات الثقافة والإعلام إلى الحضور الإجباري لملء مدرجات القاعات حيث تقام هذه "المهرجانات"؟ كيف استطاع ضيوف ومتسابقو المهرجان المزمنون أن يحجزوا مقاعدهم نفسها في كل هذه المهرجانات الخليجية حتى وكأنها أصبحت نسخة مكررة، شكلا وموضوعا وحضورا؟
بالطبع لا أجابة مرضية.
هنا جاءت أبوظبي (هي نفسها ضحية سابقة لتكرار المعادلة أعلاه لوقت قريب) لتكسر القالب.
الإجابة بسيطة: خاطبْ الشباب والناس؛ كنْ موضوعيا؛ جدد؛ لا تخف من المحاذير؛ ثقْ بما تقوم به.
ماذا حدث؟ بعد أن كان المنظمون يتوسلون حضورا للمناسبات الثقافية بالعشرات، صارت، مثلا، قاعة كبيرة في المجمع الثقافي في أبوظبي غير قادرة على استيعاب أعداد المشاهدين الذين يتوافدون ما أن يسمعوا بوجود مناسبة شعري. اذهب إلى مسرح "شاطئ الراحة" في أمسية من أمسيات مسابقة "شاعر المليون" أو مسابقة "أمير الشعراء"، لتشهد بنفسك هذا النجاح الفريد.
البذرة الشعبية للثقافة نمت بسرعة في أرضنا الخصبة. وتحول مهرجان الشعر النبطي إلى حدث عربي تحسده على شعبيته الأحداث السياسية العربية. "شاعر المليون" يستطيع، مرتاحا، أن يستقطب 17 مليون مشاهد عربي على التلفزيون، وأن ينتظر موعد حلقاته حتى العربي المهاجر في أوروبا وأميركا.
الأهم من نجاح "شاعر المليون" هو الاهتمام بالثقافة.
فقائمة المناسبات والأحداث الثقافية تتكاثر في الإمارات، ونشهد حالة من التنافس الصحي الذي يعزز المشهد بأن يرفده بالأفضل. ومما يزيد من وتيرة النجاح هو أن الشباب الإماراتي والخليجي والعربي يتجاوب بشكل مذهل. وعلى عكس التجاوب الثقافي العربي في الستينات الذي تميز بحرصه على القلة المختارة والصفوة، فإن باب الإنجاز والاهتمام والمشاركة الثقافية اليوم مفتوح على مصراعيه.
ولا توجد محسوبية تذكر. فأحد الفائزين، مثلا، بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الأولى كان يعتقد أن "القصة" مكررة: جائزة جديدة تؤسس لتوزع بالطريقة الشللية المعروفة. ولكنه فاز وهو لم يتوقع الفوز. فاز لأن عمله يستحق الفوز.
***
الساحة الثقافية ظلت مفتوحة لسنوات بعد أن جفت تربة الثقافة في العواصم العربية التقليدية، ولكن كثيرين في الخليج اختاروا الاستعراضية ولم يحققوا منها شيئا يذكر.
الآن صار المشهد الثقافي مختلفا، ويدعوهم هم أنفسهم أن يعيدوا النظر بمواقفهم.
ميزة الثقافة أنها ساحة رحبة وتنتظر الجميع. فلا تضيقوها على أنفسكم بالانشغال في عبث الغيرة والبحث عن مؤامرة غير موجودة أصلا. د. هيثم الزبيدي