حجازي ينتظر طلوع الفجر

بقلم: منير مزيد
حب الوطن يخلد كل حب

اختلفت أغراض الشعر وتعددت مدراسه ومذاهبه إلا أن الشعراء باختلاف مشاربهم وأفكارهم وطروحاتهم وتطلعاتهم أجمعوا على شيء واحد هو الوطن وحب الوطن، فكان الحنين إلى الأوطان وذكر الديار قاسماً مشتركاً بين الشعراء والأدباء. والشعر العربي حافل بقصائد عديدة تغزلت عبر أبياتها الشعرية بحب الوطن والحنين إلى الديار والأرض، فيندر أن نجد قصيدة عربية إلاّ وبها حنين إلى الوطن حتى احتل الوطن الجزء الأكبر من قصائد الشعراء مقارنة بقصائد الحب والغزل.
قال الجاحظ في رسالة الحنين إلى الأوطان "كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملا وعفرا تستنشقه."
والوطن في اللغة العربية كما جاء في لسان العرب: هو المنزل الذي يمثل موطن الإنسان ومحله. ووطن المكان وأوطن: أقام متخذا إياه محلا وسكنا يقيم فيه، فالوطن هو المكان الذي ارتبط به الإنسان، فهو مسقط الرأس، ومستقر الحياة، وسكنه روحاً وجسداً، وهام به حباً وحنيناً، فحب الوطن والالتصاق به وحب البقاء فيه من الأمور الفطرية لدى الإنسان.
من يقرأ شعر حسن حجازي قراءة عابرة يظنه بسيطا، وسبب ذلك سلاسة التعابير، ورقة المفرادت الشعرية التي يستخدمها الشاعر، بالإضافة إلى دقة التصوير والبعد عن التعقيد، ومألوفية كثير من العناصر التي تشكل قصائده وأبيات شعره، فهي تخاطب عاطفة ومشاعر وأحاسيس القارئ والمستمع ، معتمدا على الإيقاع الحركي للمفردات المشحونة بالغضب والشجب حيانا، وبالسخرية حينا آخر والتي تخلقها الفكرة في محاولتها للتأثير على المسارات الاجتماعية، فاللغة بفنونها المختلفة طريق التأثر، علم المعقول أو علم المثل في الحس، وأداة لذلك التأثير، وينحصر نجاح الفنان في نتاج محاكاة الأشياء على حقيقتها. وفي هذا يتجلى مجهود الفنان ويؤتي ثماره على أن المحاكاة الحقيقية لا غناء فيها عن الحقيقة، فليست سوى خطوة للإقتراب من الحقيقة إذا كانت تلك المحاكاة صحيحة.
أما الموضوعات التي يتناولها شاعرنا، فكثيرة جدا بحيث يصعب حصرها، فهناك قصائد عن أشخاص يرتبط بهم الشاعر بعلاقات إنسانية واجتماعية، وقصائد رومانسية ومناجاة، وقصائد حب، إلا أن شاعرنا في مجموعته الشعرية "في انتظار الفجر" قد اختار أن يكون صوت الشعب حاملا هموم الوطن والمواطن دون إغفال أهم القضايا التي تواجه الإنسان العربي والتي شكلت هما من الهموم القومية فأثارت قريحته الشعرية، فكانت قضية فلسطين وقضية العراق وهموم الوحدة العربية حاضرة في مجموعته.
يصوغ حسن حجازي شعره من الواقع العربي الراهن المليء بالقهر والجراح عندما يتوحد عنده الألم بين الأقصى والمواطن الفلسطيني والطفل الفلسطيني ويبكي ما وصلنا إليه: اليومَ نهاري حزينْ
شجرُ الزيتونِ حزينْ
ولدي يفترشُ الأرضَ
يسألُ عنْ شجرِ الياسمينْ
اغتالتهُ إيدي الغاصبينْ
إلى أن يقول: لم يعد بالبيتِ طحين
والحليب لأطفالي الجوعى
جفَّ من ضرع السنين
وأمتي في سباتِ
تشجب وتسب وتدين !
أما الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا الوضع المأساوي وحالة العجز والتردي فمحاربة الإبداع وقتل المواهب وتفشي ظاهرة النفاق: في بلادٍ
تأكلُ فيها الكلابُ المواهب
تجيدُ الرقصَ على الموائد
ومغازلةَ السلطان
في بلادٍ
تجيدُ نسجَ الأكفان
تجيدُ تسفيهَ الأحلام
لو بقيت لنا أحلام
وتغليب المصالح الفردية على حساب المصلحة الوطنية العليا والإستهتار بحياة وتاريخ ونضال وتضحية الشعب، مستخدما نضال الشعب الفلسطيني كرمز لنضال الشعوب: ماذا تقول يا أبا عباس؟
وأنتَ أيضاً يا أبا هنية؟
ماذا تقولان
لدماءِ الشهداء
لأصحابِ القضية
لأطفالِ الحجارة
لأصلِ الحضارة؟
ماذا تقولان
للطين؟
للمساكين؟
لأهلِ المخيمات؟
لأصدقاءِ الشتات؟
لدير ياسين؟
لأبطالِ حطين؟
لشهداءِ فلسطين؟
للأسرى
للأرامل
للركع
للرضع؟
ماذا تقولان؟
ويرثي حالنا بحزن سوداوي بلغة "أنا الذاتية" والتي تمثل حالة اللاشعور الفردي والذي هو جماع مكتسبات الإنسان خلال حياته كفرد. فاللاشعور الفردي يحفز عمليات استبصار الذات الغريزية عند مستوى الهو لكي يتم تصوير العملية الأولية باعتبارها عملية لاشعوريه تجهل أو ربما تتجاهل حدود الزمن والمكان مستشعرة بمبدأ اللذة والألم فتندفع من خلالها "أنا الذاتية" الموجودة ضمنا تجاه اللذة وتتباعد عن الألم بالتفريغ عن طريق تكوين صورة شعرية: فانتحرَ طيري الأخضر
واسودت في عيني الشمس
بينَ سكونِ الرمز
تحتَ نيرانِ العجز
من خيولِ الفُجَاءة
لمَا عادت بغير بشارة
تجعلني أنتظرُ الغد !
والإفلات والهروب من الواقع والتمرد عليه واللجؤ إلى البحث عن أمل أو فجر جديد حتى لا تنتهي الرغبة غير المشبعة إلى الإحباط: ويسكنُ في القلبِ الهَم
إلى أن يأتي اليوم
المتممَ لذكرى النصر
لينهي أياماً للذل
إلى أن يأتي هذا اليوم
سأكتبُ في عينيكِ
أحلى أبياتِ الشعر
لكن هل يشرقُ علينا الفجر؟!
حتماً سيشرقُ علينا
ألفُ فجرٍ
وفجر!!
فالوطن يستمد قوته بابنائه الأوفياء الذين يبذلون لأجله الغالي والنفيس وهانت عليهم ارواحهم فداءا لوطنهم وذودا عنه في لذة وإقدام وبالتالي هذا هو التعبير الصادق عن حب الوطن ليس بالكلام والخطابات الجوفاء: هم زرعوا
في الدربِ
الورد,
هم غرسوا
في الظلمة الغد
هم ضحوا
بأماني
العمر,
هم ذهبوا
لنبقى نحن
ويبقى الهم الوطني، بلده مصر، نراه يناجيها يداعبها يلاطفها وأحيانا يسخط عليها ويتمرد عليها، فمصر تمثل لحسن حجازي الأم والزوجة والابنة والحبيبة والرفيقة حين يقول لها في قصيدة تحذير: عودي بالإلهامِ
يا حسناء الزمانِ
عودي بالحلمِ الأخضر
بالقمحِ الأصفر
بحلمِ الأشقياء !
لحد علمي القصيدة مكتوبة من الثمانينات كأنه يتنبأ بما يحدث الآن بضمير الابن, بضمير الشاعر, بما تشهده الساحة المصرية والعربية الآن من مشاكل حياتية صعبة تمس المواطن البسيط, فنجده يقول في القصيدة نفسها: حتى الآن
لستُ منكِ
ولستِ مني
فنحنُ فى الحبِّ غريمان
نتلهى بالأيام
نتسممُ بالأوهام
في دوران الساعات
في انتحار الأمسيات
بغير لقاء
وحنينِ الذكريات
يسري في الأعماق
يقتلعُ منا الجذور
فنمضي بغيرِ جذور
تتقاذفنا الريح
لا ندري أين!
صحا بقلبي السندباد
أتهيأ للرحيل
فعوديني
وإلا صلبتكِ
بين دفاترِ نسياني!
وكذلك في قصيدته "بعد العودة" نراه مهموما بالمشاكل اليومية للمواطن المصري البسيط حين يقول: كنتُ عزمتُ أن أطوي السبع بحور
لآتيكِ بسر الوردِ المؤتلقِ الحسن
لآتيكِ باللؤلؤةِ الأم
لتزينَ أجمل نحر
تحرس أغلى الثمرات
إن عمَّ الليل
أو غدر الشط
كنتُ عزمتُ أن آتيكِ
بالأقمار السبعةْ
المزروعةِ ورد
أن آتيكِ ببقراتِ يوسفَ السمان
لترعى حقول الحنطة عند الشط
نعود هنا للحنطة للقمح للأيام العجاف التي ندعو الله أن يحفظ مصر منها على الدوام.
إين يذهب لا مفر من الهجرة وصلبها بين دفاتر الذكريات كنوع من الهروب من الواقع المرير.
لكن حسن حجازي رغم قنوطه ويأسه يقرر أنه ثمة أمل في غدٍ أفضل، كما يبدو ذلك في نهاية قصيدة من أجل عينيكِ حينما يقول: من أجلِ عينيكِ
أجوبُ وادي الصبر
وأحضرُ لكِ الفجر
فى ليلةِ حبٍّ وردية
تسامرنا فيها النجوم
ويزفنا البدر!
يتمتع حسن حجازي بحاسة رائعة في توظيف التاريخ سواء الإنسانى عامة والعربي بصفة خاصة. نجده يتقن المعارضة، ولكن بشكل جديد، يوظف ما يعرف بنظرية القناع، وذلك عند معارضته لنونية ابن زيدون الشهيرة في قصيدته "أكانت تدري"، وأهداها لولادة بنت المستكفي. ولم يكتف بالاسم ولكن قام بتوظيف رائع للدلالة على البكاء وفضح الحلم العربي الذي تعسر في ولادته وتأخر كثيراً: أكانت تدري؟
(مهداة لولادة بنت المستكفي)
أكانت تدري
أني والشعر
وزمني المائجُ
في بحورِ التسكعِ
أني سأكتبُ عنها
أكانت تدري؟!
أكانت تدري
والقَابلةُ
ووِلادَةُ مسخٍ أسود
يقتلُ في الرضيعِ حلماً
كانَ سَيولَد
يحملُ معهُ سيفاً للنصرِ
أو للتذكار!
ثم حرفية الإقتباس والتوظيف الواعي للتراث الشعري: أكانت تدري
وَلادَةُ بنتُ المستكفي
وقد "أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيْلاً مِنْ تَدانِيْنا"
أننا لأجلها عشقنا "لوركا"
و"دون كيشوت"
وغرناطة
وحلباتِ الثيرانِ الدامية
حبًّا فيها
وننتظرُ معها حلماً عربياً
يجمعُ شتات أمة صابرة
على شطِّ النيلِ
ما كانت أبداً صاغرة
وقد "جاوزَ الظالمونَ المدىِ"
ولكن "سيشرقُ الفجرُ على أمةٍ
لغيرِ وجهِ الله لم تسجدِ"!
ثم اللعب على الرمزية في قصيدة "حورس بين الواقع والحلم" يندد فيها بالظلم الذي تعرض له الإنسان المصري منذ فجر التاريخ، من بناء الإهرام للملوك لتوريد ما تجود به أرضه لسكان القصر، ثم لحفر قناة السويس بدمه وعرقه. ثم بعد تحرير سيناء وبزوغ نجم الانفتاح الإقتصادي ومعاناة المواطن المصري البسيط وعبر القصيدة يرمز للحلم المصري حورس.
القصيدة كتبها حسن حجازى أوائل الثمانينات فكأنه مثل بقية الشباب المصري الذين كانوا يراهنون على الزعيم محمد حسنى مبارك حيث عادت وقتها الأرض وبدأت مصر تجني ثمار النصر وعودة سيناء، فربط بين مصر مبارك ومصر حورس في توظيف جيد للأسطورة المصرية فنجد "إيزيس" تجوب الوادي. ونجد "ست" إله الشر ونجد "أوزوريس" ليربط فجأة بين الواقع المر في بداية الثمانينات ورجال الأعمال الذين تفنن بعضهم في كسب الأموال وامتصاص دم الشعب المصري الذي لم يكد يفيق من آثار الحرب التي تحملها فى شجاعة وصبر وإخلاص: خمسةُ آلافِ عام
بنيتُ الأهرامَ على كتفي
حجراً حجرًا
نحتُّ الصخرَ
قتلتُ الصبرَ
تخطيتُ المحال
الهرمُ الأكبر
يا أكبرَ شاهدَ ظلمٍ للإنسان
الهرمُ الأكبر
كفاكَ عبثاً واخرجْ مرة
تابوتاً من أبناءِ الشعبِ
قد خُلِدْ
الهرمُ الأكبر
يا مأساة التاريخ
يأتيكَ العالمُ يسعى
ما يدري أنكَ تحوي
أطنانُ الدم
وجبالُ الهم
أيها العالمُ
عندما تأتيني فلتبكِ!
عندما نجده يقول في مرارة: عادت أرضُ الفيروز
ورحلَ عنا الهكسوس
لكن الوادي مُنهك بعدَ الحرب
يئنُّ تحتَ نخيرِ السوس
اليوم عدوي مني
من بيتي
تربى داخل بيتي
لا يمتصُّ إلا الدمْ
الدمُ القاني من أطفالي
وفي المساء يشاركني صلاتي!
وبعد هذا المرور العابر في شعر حسن حجازي الذي أحسب أن ما أقدمه هنا هو بداية للغوص في خضم هذا العالم الشعري والصوت العربي الأصيل الذي أعتبره نموذجا للشاعر العربي الملتزم الواعي لواقع أمته وشعبه ودينه.
والشاعرالحق ضمير الأمة وصوتها فهو الذي يعيش حياته وسط الناس والأحداث فيتفاعل مع الناس والأحداث، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، تطلعاتهم وطموحاتهم، ويبث الأمل في النفوس إزاء المصائب بالكلمة الشعرية التي تخاطب الروح والوجدان، وحسن حجازي في مجموعته الشعرية "فى انتظار الفجر" أراد أن يكون شاهدًا، وراصداً للأحداث، محبا لوطنيته ومعتزا بتاريخنا العربي المجيد: لا تسلني عن صلاحِ الدين
ولا تسلني عن حطين
قبل أن تصبحَ أنتَ
وأصبحُ أنا
صلاح الدين
بعدها فقط يمكننا أن
نصلي معاً
في فلسطين
ونعيدَ أمجادَ حطين
وختاما نقول: الشعر، حقا ديوان العرب. منير مزيد ـ بوخارست