سعيدة الجزائرية ترصد الايديولوجيا في الرواية

سعيدة (الجزائر)
ملتقى سعيدة يلقي الضوء على تجربة الطاهر وطار

عادت مدينة سعيدة في غرب الجزائر أخيرا إلى عرسها النقدي برؤية جديدة للملتقى الخامس للنقد الأدبي في محور الأدبي والإيديولوجي في رواية التسعينيات بالجزائر بمشاركة 17 ناقدا ينتمون إلى جامعات ومراكز جامعية جزائرية ومغربية.
واشرف على الإعداد والتنسيق لأشغال الملتقى كل من عبد القادر رابحي ومحمد عباس ومحمد حفيان ومحمد بلقومان، بالإضافة إلى عدد من الأساتذة الباحثين بالمركز الجامعي في سعيدة الذين ساهموا في التئام المؤتمر، وهم مخلوف عامر وميمون مجاهد وهواري بلقندوز وبومدين جلالي والطاهر الجيلالي.
وساهم الدكتور عمر عيلان بموضوع افتتاحي حول "الإيديولوجيا والنص الأدبي" قسمه إلى محورين متكاملين، الأول عالج علم الأفكار متطرقا إلى مصطلح الايديولوجيا في الفكر باختلاف منطلقاتها المنهجية وغاياتها متوقفا عند المفهوم التهكمي والماركسي ثم السوسيولوجي والثاني عن علاقة الأدبي بالإيديولوجي أعاد قراءة هذه العلاقة ليخلص إلى كون الخطاب الأدبي هو منتج ايديولوجيا يركز على الشكل والرؤية والأسلوب واللغة.
الرؤية والتاريخ والايديولوجيا

افتتح الدكتور شعيب حليفي جلسة المداخلات الأولى بورقة "قراءة ثقافية في رواية عرس بغل" من خلال محورين، الأول عرض فيه الرواية والتخيل والايديولوجيا لينتقل إلى المحور الثاني محللا "رواية عرس بغل" عبر تفكيك فشل الاجتياز ومبرزا كيفيات نهوض وتشكل المتخيل في الرواية من المناخ الاجتماعي المثقل بترسبات أوهام وهزائم واحباطات، ومن رجات الصدام بين الطموح واليأس ناحتا لذلك مرايا مكسورة تنعكس عليها الأوعاء.
ويستعير الكاتب في بناء دلالاته جملا سردية وأوصافا من التعبيرات البسيطة والشفوية والخالية من البذخ، كما يعمد اقتصاد الصورة والتركيز على بناء الشخصية، بل بالأحرى بناء ما تهدم منها وصور للحطامات تضيء الصراع الأزلي بين الحياة وأوهامها وبين الزيف والحقيقة، كما يلجأ إلى السخرية التي تفضح وتنتقد.
وفي موضوع "ذاكرة ومزاد في أزمة الكساد: ورقة حول حارسة الظلال" تدخل الدكتور بشير بويجرة حين قدم تحليلا فنيا وافيا بلغة نقدية أبرزت حقيقة الكينونة العلائقية الكامنة بين النص وبين فضاء مدينة الجزائر الذاكرة في رواية "حارسة الظلال" لواسيني لعرج، وما تحفل به من قضايا تتصل بهدير الهزات الاجتماعية ضمن سمفونية نصية راقية.
المتدخل الثالث الدكتور نور الدين صدار تطرق إلى دلالة الرؤية الإيديولوجية عند رشيد بوجدرة، انطلاقا من مقاربة بنيوية تكوينية لرواية "فوضى الأشياء"، راصدا رؤية بوجدرة في المكونات النصية والتقنيات المعتمدة، عبر عدد من الأسئلة الحفرية والفرضيات.
وعن جدل التاريخي والفني في النص الروائي الجزائري الجديد، قدم الدكتور عبد القادر بن سالم ورقته حول رواية "الحب في المناطق المحرمة" لجيلالي خلاص، باحثا فيها عن التاريخي والأدبي والإيديولوجي، باعتبار النص بنية فنية تقدم رؤية ذات منظور واضح وفاضح.
أما الجلسة الثانية فتدخل فيها الدكتور حسين أبوالنجا بورقة نقدية تحمل عنوان "الايديولوجيا الاجتماعية في المشاهد العارية لجيلالي عمراني" اذ استطاع الناقد الكشف عن هشاشة النص فنيا، لينتقل إلى البحث عما أسماه الايديولوجية الاجتماعية وهي تتكئ في تشكلها على أحداث اجتماعية مخصوصة.
وحول الديني والإيديولوجي في الرواية الجزائرية المعاصرة قارب الدكتور محمد صالح خرفي روايات الطاهر وطار من خلال العتبات أولا، لينتقل إلى الديني ثم الإيديولوجي مفككا قيم الصراع والإجابات التي يقدمها وطار في صياغات فنية متنوعة.
أما الدكتور قادة عقاق فيختار رواية محمد ساري "الورم" للحديث عن النزعة الإيديولوجية وعلاقة الأدب بواقعه ومرجعية منتجه، ثم المضمون الاجتماعي وصور الشخصيات باعتبارها تقدم دلالات ايديولوجية.
واختتم جلسة اليوم الاول الدكتورمحمد ملياني بالعودة إلى رواية "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" من منظور اختيارات الكتابة، متوقفا عند ميثاق القراءة والأسلوب ليخلص إلى أن الرواية هي مشروع ارتبط بمهمة الفضح والاحتجاج.
الايديولوجيا واللغة والأفكار
افتتح الدكتور عبد اللطيف محفوظ مداخلات اليوم الثاني بدراسة تميزت بالنزوع نحو التنظير فكرا ولغة.
وكانت بعنوان "بناء الفكرة الإيديولوجية في رواية سيدة المقام لواسيني الأعرج" وقد قسم مداخلته إلى قسمين. خصص الأول لمناقشة مفهوم الإيديولوجيا في كتابات أهم الفلاسفة الذين اهتموا بها، مقدما خلاصات معاني المفهوم عندهم ومظاهر اختلافه ومنتهيا إلى اقتراح تحديد تركيبي مناسب للإيديولوجيا في الأدب انطلاقا من تركيب بين وجهتي نظر ريكور وإيغيلتون، ومضمونه أن النسق الإيديولوجي يتشكل من مراتب هي التشويه وإضفاء الشرعية والإدماج.
وخصص القسم الثاني لاظهار أثر هذه المراتب في رواية "سيدة المقام" معتبرا أنها تقف عن مستوى التشويه الذي يتفيأ تفكيك رمزية الإيديولوجيتين السائدتين في العالم الممكن المحاكي للعالم المرجعي للرواية وهما إيديولوجية السلطة والمعارضة.
أما الدكتور حبيب مونسي فقرأ الرواية الجزائرية انطلاقا من نص "ويصحو الحرير" لأمين الزاوي متحدثا عن أمل الانتظار وخيبة التلقي ومحللا الكتابة الروائية وما يعتريها من اختلالات في تلقيها على مستوى التعبير واللغة والدلالات.
وحول الثابت الإيديولوجي في الكتابة الروائية قارب الدكتور وذناني بوداود رواية "الشمعة والدهاليز" عبر الحديث عن الانزياح من اللغة إلى الإيديولوجية لينتقل إلى استراتيجية الكتابة عند وطار والتفعيل الإيديولوجي للنص الروائي عنده.
اما الدكتور محمد تحريشي فتحدث عن المستويات اللغوية في الخطاب السردي لدى واسيني الأعرج وكيف اشتغل عليها، خصوصا في روايته "حارسة الظلال" التي اعتبرها البحث نصا يتحدى القارئ عبر ممانعته لفعل القراءة.
في الفترة المسائية، قدم الدكتور لحسن كرومي أعمال واسيني الأعرج انطلاقا من التعدد اللغوي.
ومهد الباحث لتحليلاته الدقيقة بتوطئة نظرية موسعة حول التعددية والمنظور الذي اختار تشغيله لينتقل التحليل إلى الكشف عن علاقة الرواية بالتعدد والايدولوجيا.

وتحدث الدكتور شارف مزاري عن أدب المحنة في الرواية الجزائرية المعاصرة، متخذا من روايات "الشمعة والدهاليز" و"تيميمون و"عواصف جزيرة الطيور" نماذج لاختبار التصور الذي اقترحه الباحث.
أما الدكتور عبد الرحمن مزيان فقدم قراءة جديدة لرواية رشيد بوجدرة "الحياة من زاوية أفضل" باحثا في جدلية الأدبي والإيديولوجي ومعتبرا أن الأدب يقرأه النقد باعتباره أدبا وليس جرما أو بدعة كما يريد النقد الأخلاقي أن يرسخ ذلك ثم انطلق الباحث في مقاربته الفنية للرواية.
وكان الدكتور عجال لعرج آخر المتحدثين في موضوع "النص الأدبي الجزائري بين إيديولوجية النظام وذاتية الأديب.. من خلال نموذج الشمعة والدهاليز للطاهر وطار".

عيسى العتيوي
سعيدة- الجزائر