'العرب' تصدر الجزء الثاني من اعمال الهوني الكاملة

لندن – في الذكرى الثانية لرحيل مؤسس صحيفة "العرب العالمية" الحاج أحمد الصالحين الهوني التي توافق سنويا يوم 18 من أبريل/نيسان، أصدرت مؤسسة "العرب" الجزء الثاني من أعماله الكاملة، وتحمل السلسلة عنوان "اللهم قد بلّغت.. اللهم فاشهد"، وهي العبارة الشهيرة التي كان، رحمه الله، يختم بها افتتاحياته.
وقد تم إصدار الجزء الأول من هذه السلسة في الذكرى الأولى.
المجلد الجديد يضم بين دفّتيه أكثر من ألف صفحة جمعت طائفة كبيرة من الافتتاحيات ذات الأغراض المتعددة، عبّرت عن اللحظة الزمنية التي عاشها الراحل الحاج الهوني بحرارة وصدق وجرأة نادرة ودون حسابات.
وقد قدمت لهذا الإصدار أسرة تحرير "العرب" بافتتاحية جاء فيها "على مدى الأعوام أثبت هذا الرجل، أنه رجل ضمير ووفاء واخلاص لتلك التطلعات الوحدوية والنهضوية التي غرسها رواد حركة التنوير منذ أواخر القرن الماضي، وحملة مشاعل الوحدة العربية الذين أعادوا صياغة رسالة التنوير في إطار حركة قومية واسلامية جامعة.
"كلماته أثبتت على الدوام أنه امتداد لأولئك الرواد وتتمة لجهدهم النضالي نفسه، وكان، بصدق كلماته وميله الفذ إلى الصراحة والمباشرة واللغة السلسة، يجسد صوتا متميزا وفي غاية الألفة، ليس بالنسبة للقطاع الشعبي الأوسع فحسب، بل وبالنسبة لمعظم القيادات العربية أيضا. سواء تلك التي تصغى إليه، أو تلك التي تصم آذانها محاولة أن لا تسمع نداءاته المدوية".
زمنيا يمتد هذا المجلد الثاني من "اللّهمّ قد بلّغت..اللهم فاشهد" على سنوات 1986-1989 ميلاديا وهي مرحلة حبلى بأحداثها ومستجداتها حملت إرهاص تحوّلات خطيرة سيعيشها العالم لاحقا وبدت مقدماتها منذرة بعواصف عاتية ستهبّ بعنف وتخلّف أبلغ الآثار على المنطقة العربية: اتّحاد سوفياتي في حالة احتضار وولايات متحدة تتجّه نحو التفرّد بالقطبية وحرب بين إيران والعراق تجاوزت سنتها السادسة مع تهديدات ايرانية لأجزاء من الوطن العربي ونجاح جزئي في شق الموقف العربي وكسب قسم منه لصالح إيران، وتحوّل سياسي في السودان وتحرّش عسكري إسرائيلي بسوريا واعتداء أمريكي على ليبيا ومناكفات بين أطراف عربية ومنظمة التحرير الفلسطينية وشلل بمؤسسة الجامعة العربية ينضاف إلى عجزها المالي جرّاء تراخي أهلها حتى عن تمويلها، وأزمة خانقة في عائدات النفط العربي واتّجاه عربي إلى التطبيع مع اسرائيل.. إلى غير هذه الأحداث والقضايا التي يجد قارئ هذا الجزء أصداء أمينة لها في افتتاحيات أحمد الصالحين الهوني بصحيفة "العرب"..
كان الحاج الهوني متابعا دقيقا وراصدا نافذ البصر والبصيرة للأحداث وخلفياتها، ومستشرفا بارعا لما سينجرّ عنها. وبإمكان القارئ أن يقف على صدقية توقّعاته بإجراء مقارنة بسيطة بين ما كتبه الرجل في تلك المرحلة وبين ما حدث فعلا في سنوات لاحقة.
مثال بسيط على ذلك ما كتبه الهوني بشأن عدم جدوى نهج التطبيع مع إسرائيل ولا حاجة هنا للتذكير بمسلسل الخسارات التي أصابت الأمة العربية جرّاء الانسياق في هذا النهج. ومثال ثانٍ على ذلك ما كتبه عن المؤامرة الدولية على النفط العربي وإصراره على أن هذه السلعة الاستراتيجية لن تفقد في الزمن المنظور قيمتها وأن تدني الأسعار ما هو سوى تدنّ ظرفي سيعود بعده البترول إلى سالف قيمته.. ولا حاجة هنا للتذكير بأن هذا ماتحقّق لاحقا بحذافيره.. كما لا حاجة إلى التذكير – ويا للعجب – كيف أن الحاج توقّع أن يُسقط الشعب العربي بعض رموز الفساد وأشار إليهم بالبنان وسمّاهم بأسمائهم فكان أن سقط بعض هؤلاء في فترة زمنية لا تتجاوز الأشهر من كتابة الحاج الهوني عنهم!..
القضية الفلسطينية كانت إحدى المحاور الرئيسية في كتابات أحمد الصالحين الهوني التي يتضمنها هذا الجزء فهي إما حاضرة مباشرة في افتتاحياته أو محل إشارات عرضية وإما ثاوية بين السطور. ورغم أن مسألة التطبيع مع اسرائيل كانت حتى أوائل سنة 1986 خطوة معزولة تثير الخجل ويُهمَس بها همسا، فإن القارئ يلاحظ من خلال افتتاحيات صحيفة "العرب" كيف بدأت تتحوّل إلى تيار يشقّ الموقف العربي أفقيا بانضمام أطراف عربية أخرى لِما كانت مصر قد مضت فيه على عهد السادات. ولم يرد الهوني أن يتسرّع في إصدار حكمه على الظاهرة، بل ظل متريثا يرجو تصحيح المسار بلطف وحكمة مبيّنا مواضع الخطإ ومفصّلا إمكانيات التقويم ومواضع السلامة والصلاح، حتى إذا تأكّد من أن التطبيع اختيار لا رجعة عنه وليس مجرّد خطإ عابر تحوّل الحاج إلى مدافع صلب ضد هذا الخيار عبر نقد بنّاء مؤسس على وضوح الحجة وقوة المنطق وسلامته.
في العراق كان الهوني جنديا عربيا عراقيا على الجبهة الخلفية، جبهة الإعلام والدعاية فقد كانت الحرب الإيرانية على العراق لا تكاد تغيب أسبوعا أو بعضه عن افتتاحيات جريدة "العرب" حتى تعود إليها من بوابة التحليل العميق والفهم الدقيق لأبعادها وخفاياها، فقد كان "الحاج" يسهب باسترسال نادر في شرح ما سيصطلح في ما بعد على تسميته في أدبيات السياسة الدولية بـ"الاحتواء المزدوج" وهو ما كان الهوني شرحه بدقة وعمق دون أن يذكر ضرورةً هذا المصطلح، مبيّنا كيف أن ايران التقت في مصالحها وأهواء قياداتها مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية في إخماد أي نبض للقوّة في شرايين الأمة العربية وإجهاض أي محاولة من أحد أقطارها سلك طريق السيادة والاستقلال المؤسّس على امتلاك ناصية العلوم والتكنولوجيا.
فهم الحاج الهوني كل ذلك ودافع عن رأيه وحاول التنبيه إلى مخاطره مبكرا جدا وقبل أن تتداعى الأحداث مؤكدة صدقية تحليله ونفاذ بصيرته وأول تلك الأحداث وأوضحها فضيحة "إيران جيت".. فضلا عن الأحداث اللاحقة بُعيد سنة 86 ومطلع التسعينات والتي تكفلت بأن تُري الجميع مرأى العيان ما كان نبّه إليه الرجل وتوصّل إليه عبر الدراية المعمقة والخبرة المتراكمة والفهم الصحيح لمفاعيل السياسة الدولية.