طوفان التصويب في الاردن وأحزاب سفينة نوح!

بقلم: جواد البشيتي

بعد رفع الدعم (الحكومي) الاردني عن السلع جاء رفع الدعم (الحكومي أيضاً) عن الأحزاب السياسية، فالسوقان الاقتصادية والسياسية تشهدان الآن عواقب "التضخم الركودي"!

زمن الأحزاب "الرخيصة" انقضى وولَّى، فسعر الحزب ارتفع مع ارتفاع أسعار سائر السلع.. كان 50 عضواً مؤسِّساً، فأصبح الآن، بعد، وبفضل، رفع الدعم الحكومي، 500 عضواً مؤسِّساً (10% للمحافظة من خمس محافظات على الأقل).

ومع هذا الغلاء، أو التضخم، في سعر الحزب، سنرى، أيضاً، أو من الآن وصاعداً، ظواهر الركود الحزبي والسياسي، فالأحزاب "غير الرخيصة"، والمرخَّصة بموجب قانون الأحزاب الجديد الرقم 19 لسنة 2007، لن تعرف طلباً شعبياً عليها، وعلى بضائعها الفكرية والسياسية؛ لأنَّها لا تلبِّي حاجة أوَّلية وأساسية لجمهور المستهلكين السياسيين، وأقرب إلى الكماليات منها إلى الضروريات.

الآن، انتهى الزحام، وأصبح عدد الأحزاب غير معيق للحركة، فكل حزب من أحزاب سفينة نوح (16 حزباً ناجياً من طوفان التصويب) سيرينا من الحركة، في هذا الفضاء المستوي المنبسط الإقليدي، ما يوافق قصوره الذاتي، أي أنه سيظل يسير إلى الأبد في خط مستقيم، وبسرعة ثابتة منتظمة.

نعرف أنَّ خير الكلام ما قلَّ ودل؛ ونؤمن بأنَّ خير الأحزاب ما قل ودل، فاختصار الأحزاب إنَّما هو من البلاغة في الحياة الحزبية السياسية؛ ولكننا كنا نفضِّل أن تختصر بحسب شريعة داروين، وليس بموجب ذاك القانون، فإطلاق المنافسة الحزبية السياسية بين عشرات ومئات الأحزاب السياسية، في سوق سياسية وفكرية يحكمها قانون العرض والطلب فحسب، كان سيؤدِّي، حتماً، إلى الاختصار الطبيعي، فالسمك الكبير سيلتهم السمك الصغير، وعلى أنقاض دكاكين عدة سينهض سوبر ماركت، أو مول، وسينتهي التطور الحزبي الدارويني إلى تأكيد ناموسه الأعظم، وهو "البقاء للأصلح". أمَّا هذا الذي انتهى إليه طوفان التصويب فإنما ينعى وفاة الحياة الحزبية، ويؤكِّد أنَّ البقاء لله فحسب، علماً أنَّ القانون الجديد، وإنصافا للحقيقة، لم يمت الحياة الحزبية وإنما دفنها بعد موتها بزمن طويل، عملاً بالمبدأ الأخلاقي الأول للموت، وهو "إكرام الميت بدفنه"!

وإذا كان من "حزب" لم يصوب أحواله بعد، ولن يصوبها أبداً، فهو "الحكومة"، التي لا تختلف عن الأحزاب المنحلة، قانونا، لجهة وزنها الشعبي ـ السياسي في خمس محافظات على الأقل.

الشعب، والحق يقال، في فراغ حزبي وسياسي لا مثيل له، فهو سياسياً لا يجد شبهاً له لا في الأحزاب، التي قضت نحبها، أو التي تنتظر، ولا في الحكومة، ولا في البرلمان، فتلك الأطراف في "سياحة سياسية" بين الشعب، الذي لا يكترث لسياسة حكومية أو حزبية لا تكون على هيئة الرغيف. وإذا دعي إلى المشاركة في الحياة السياسية العامة عند حلول موسمها، وهو الانتخابات النيابية، فهو يفضِّل أن تأتي مشاركته في حياة سياسية على شكل بقالة سياسية، فصوته الانتخابي يجب أن يجري في مجراه الطبيعي والمفيد، بحسب موازين ومعايير القانون الانتخابي، الذي يوسِّع الهوة بين المصالح الشخصية والفئوية الضيقة للناخب والمصالح العامة للشعب، فيمارس الناخبون حقهم الدستوري في انتخاب من يمثِّل غيرهم!

16 حزبا فازوا، أي نجوا؛ ولكن ليتريثوا قليلا في إقامة الأفراح، فالعجلة تورث الندامة، ولينتظروا موسم الحصاد، أي الانتخابات النيابية المقبلة، حتى يروا، من خلال نتائجها، أوزانهم الشعبية ـ السياسية الأرضية، أي الحقيقية، فمن لم يمت بطوفان التصويب سيموت بطوفان التصويت؛ وعندئذٍ، سنرى الأحياء من الأحزاب يحسدون الموتى منها، وسنرى "التصويب" على حقيقته.. تصويباً للسهم القاتل إلى ما بقي في حياتنا الحزبية من قلب ينبض.

وما دمنا نحب الاختصار، ونرى خير الكلام في ما قل ودل، أقول: خذوا منا "الخوف"، وأعطونا "الجدوى"، حتى نريكم من الحياة الحزبية والسياسية ما يسر الصديق ويغيظ العدى، فالأزمة التي لم تعالجها وزارة التنمية السياسية إنما هي أزمة من كلمتين "الخوف"، و"الجدوى"، فالمواطن ما زال يخشى عواقب الانتماء الحزبي الحر، وما زال غير مؤمن بجدوى الحزبية، فِلِمَ الحزب إذا ما انتهى حلم التداول السلمي والديمقراطي للسلطة إلى تحول الحزبية إلى حليف صغير وذليل للعشائرية من اجل أن يجلس زعيم الحزب على كرسي تحت قبة البرلمان؟!

إنَّ حزبية تتذيَّل للعشائرية طمعاً في كرسي نيابي يشبه سرير النوم لا تستحق أن تُقرأ الفاتحة لا على أمواتها من الأحياء، ولا على أحيائها من الموتى! جواد البشيتي