مناقشة في بديهية الكفاح المسلح الفلسطيني

بقلم: ماجد كيالي

ثمة بديهية رائجة مفادها أن الشعب الفلسطيني سلك طريق الكفاح المسلح، أو حرب التحرير الشعبية (طويلة الأمد)، لاستعادة حقوقه وتحرير أرضه، في حين أن الواقع لا يتطابق تماما مع ذلك، على رغم المكانة المركزية التي احتلها الكفاح المسلح في صوغ وطنية وهوية وكيانية الفلسطينيين، في شتى أماكن تواجدهم.
وفي الحقيقة فإن الكفاح المسلح، كفكرة وبنية وممارسة، نشأ خارج الأراضي الفلسطينية، أي في مناطق اللجوء، وخصوصا في الأردن ثم لبنان. بمعنى أنه لم ينشأ بين ظهراني فلسطينيي 1948، ولا في الأراضي المحتلة عام 1967.
ولما كان مفهوم الشعب الفلسطيني يضم الفلسطينيين بكافة أماكن تواجدهم، من مناطق اللجوء والشتات، إلى الضفة والقطاع المحتلين عام 1967، وصولا لفلسطيني 48 (داخل إسرائيل)، فإن الاعتقاد بأن الكفاح المسلح شكل القاسم النضالي المشترك بين الفلسطينيين يفتقد للصدقية؛ دون أن يعني ذلك التشكيك بشرعية، أو بجدوى، المقاومة، وضمنها المقاومة المسلحة، ضد الاحتلال.
مثلا، لم يظهر بين فلسطينيي 48 أي مجموعة سياسية، وازنة، تطالب بانتهاج الكفاح المسلح ضد إسرائيل، في حين تبنّى غالبيتهم النضال المدني/السلمي لمواجهة سياسات إسرائيل التمييزية، على مختلف الصعد، وضمنها العمل داخل المؤسسات التشريعية (الكنيست مثلا)، واستثمار هامش الديمقراطية المتاح، لتطوير أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإقامة الأحزاب السياسية والتجمعات التمثيلية، بما يحفظ هويتهم الوطنية والعربية، ويطوّر وجودهم.
وفي خضم هذه التجربة الطويلة راكم فلسطينيو 48 خبرات على غاية الأهمية، وبرز بينهم مثقفون وفنانون ومفكرون وقادة أحزاب، وباتوا بمثابة جماعة قومية، لها كيانها الاعتباري، رغم كل المضايقات والتمييزات ضدهم. وتاليا، ومع الزمن، تطور كفاحهم، من النضال ضد الأحكام العرفية وضد التمييز، إلى النضال من اجل المساواة في الحقوق المدنية. وبعد حرب 1967 اقترن نضالهم من اجل المساواة بالنضال من اجل السلام، والمطالبة باعتراف إسرائيل بحقوق الشعب الفلسطيني، وضمنها حقه بتقرير المصير وإقامة دولته في الضفة والقطاع. وقد وصل الأمر حد مطالبتهم بالاعتراف بحقوقهم كجماعة قومية، وصولا لحقهم في الاستقلال الذاتي، أو إقامة دولة مواطنين أو دولة ثنائية القومية.
لكن التجربة الغنية لهذا الجزء المهم من الشعب الفلسطيني لم تدرس جيدا في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية، لاعتبارات عدّة، ضمنها، أولا، أن هذه الحركة لم تستطع إيجاد المعادلات السياسية التي تسهّل استيعاب هذا الجزء، في إطار الشعب الفلسطيني، وحركته الوطنية. ثانيا، إن تبني تلك الحركة للكفاح المسلح حصريا، وغياب ثقافة تتعلق بالنضال المدني، حدّ من اندماج فلسطينيي 48 فيها وصعّبه كثيرا. ثالثا، فيما بعد، أيضا، وعندما تحولت منظمة التحرير نحو التسوية، عجزت هذه عن خلق رؤية سياسية تربط بين التسوية وبين العمل لإيجاد مستقبل مشترك يوحد الفلسطينيين، إذ حصرت هدفها بإقامة دولة في الضفة والقطاع، متراجعة عن هدف الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية الذي كانت طرحته سابقا. رابعا، إن التجربة فلسطينيي 48، وثقافتهم السياسية مختلفة عن تجربة الخارج، التي كانت تنتمي لثقافة الكفاح المسلح والعسكرتاريا والصراع على الوجود، في حين أن فلسطينيي 48 كانوا يصارعون إسرائيل على أساس التعايش، أي على شكل الوجود.
وكانت تجربة فلسطيني الأراضي المحتلة عام 1967 مختلفة عن تجربة فلسطينيي 48، ومع ذلك فإن هؤلاء لم يتحوّلوا نحو الكفاح المسلح، وإن تأثروا نسبيا بنشاط المنظمات الفدائية، التي كانت تعمل في الخارج (قبل قيام السلطة)، ولكن هذا التأثير ظل محدودا، بسبب الإجراءات القمعية الإسرائيلية، وضعف الإمكانيات، وأيضا بسبب تدنّي مستوى العمل في هذا الاتجاه.
والثابت أن فلسطيني الأراضي المحتلة عام 67، في مقاومتهم لمختلف تجليات الاحتلال الإسرائيلي، لم يلجأوا للكفاح المسلح لتأكيد اعتبارهم، وفرض وجودهم، وإنما لجأوا إلى أشكال عديدة من العصيان المدني، والانتفاضات المتوالية، التي توجت بالانتفاضة الكبرى الأولى (1987ـ1993). بمعنى أن الفلسطينيين في هذه المناطق احتاجوا مدى زمني قدره عشرين عاما كي يعبّروا عن ذاتهم، وعن الشكل النضالي الذي يتناسب مع أوضاعهم وظروفهم وإمكانياتهم.
ويستنتج من ذلك أن التحول من الانتفاضة الشعبية/المدنية إلى المقاومة المسلحة، في الانتفاضة الثانية (التي اندلعت أواخر العام 2000) إنما حدث بحكم عوامل عديدة، منها أن الفصائل التي كانت تعمل في الخارج نقلت تجربتها للداخل، فهي الحامل الموضوعي لهذه التجربة. ثم إن التنافس بين الفصائل وتحديدا بين فتح وحماس عزز الطابع العسكري للانتفاضة. أيضا، فإن وجود السلطة الفلسطينية والبني الفصائلية في الضفة والقطاع خلقت واقعا ميليشياويا، تم التعبير عنه ببروز عديد من التشكيلات العسكرية (الكتائب والسرايا والجماعات المحلية)، التي لا تخضع تماما لمرجعية سياسية أو تنظيمية أو عسكرية. أخيرا فإن إسرائيل لعبت دورا كبيرا في تعزيز الطابع العنفي للانتفاضة، وتحولها لظاهرة عسكرية، بسبب شدة العنف الذي واجهت به الانتفاضة في بداياتها.
أما في الخارج (الأردن، وخصوصا لبنان)، فإن الكفاح المسلح لم ينبثق بالضبط من البيئة الشعبية، حينها. بدليل ضعف تمثيل المخيمات في البني القيادية للحركة الوطنية، وخصوصا في "فتح" (كبرى المنظمات). وبدليل أن هذه البيئة لم تولّد شبكات وآليات الإسناد والدعم للعمل المسلح. على العكس فإن الفصائل المسلحة هي التي خلقت البيئة المساندة لها والمتماهية معها، عبر خلقها شبكة واسعة من علاقات الاعتمادية عليها، ضمنها الاعتمادية على المعونات العينية والصحية والمالية، بما في ذلك خلق جيش من المتفرغين في مخيمات لبنان تحديدا. وبذا بات الكفاح المسلح الفلسطيني الوحيد بين تجارب الكفاح المسلح في العالم الذي لا يعتمد على شعبه، في توفير إمكانيات إطلاقه واستمراره وتطوره (على غرار التجربة الفيتنامية والجزائرية)؛ إذ على العكس، بات شعبه يعتمد عليه!
أما مخيمات اللاجئين في سوريا فكانت خارج هذه الحالة، بسبب قوة النظام، ما غلّب الشكل السياسي والإعلامي والخدماتي في نشاط الفصائل؛ مع أن هذه المخيمات شاركت بنشاط في التجربة العسكرية الفلسطينية في الأردن ثم لبنان.
وعلى الصعيد السياسي فإن حركة القوميين العرب، مثلا، وهي حركة فلسطينية وراديكالية، على الأغلب، لم تكن متشجعة في البداية لانطلاقة الكفاح المسلح، الذي بادرت إليه فتح، واتهمتها بتوريط نظام عبد الناصر وتفتيت الجهد العربي، والتعجل في العمل المسلح، قبل نضوج الظروف الذاتية والموضوعية المناسبة.
نتبيّن من ذلك أن فلسطينيي مخيمات اللجوء ما كان بامكانهم إطلاق الكفاح المسلح، فالبنية العسكرية جاءت إلى لبنان من الأردن، وظلت مهيمنة طوال وجودها، وحتى عودتها للداخل. أيضا فإن هؤلاء ما كانت لديهم الإمكانيات المادية والعسكرية لإطلاق الكفاح المسلح، حتى لو كان لديهم الوعي والرغبة بذلك؛ بدليل انتهاء الظاهرة المسلحة في الأردن، منذ عام 1970، فيما يقطن فيه ثلثي عدد اللاجئين. فوق ذلك فقد تحول هؤلاء إلى النشاط السياسي/المدني، وسلموا بكونهم مواطنين أردنيين؛ مع الاحترام والتقدير لمشاعر وعواطف الانتماء والهوية.
ومعنى ذلك أن الكفاح المسلح الفلسطيني، بالشكل الذي تمظهر به وتمت ممارسته، لم ينشأ أو يتبلور في تربة طبيعية، فقد نمته ورعته وتجاذبته الحاجات والتوظيفات الإقليمية (بعد هزيمة 1967)، وسياسات الحرب الباردة، وتم تضخيمه بوسائل الإمداد المالي المفرط، وتم المبالغة بدوره عبر وسائل الإعلام.
طبعا ليس الغرض هنا تقييم مسيرة الكفاح المسلح، فلذلك مجالات أخرى، ولكننا أردنا التنويه إلى حقيقة مفادها، أن الشعب الفلسطيني اجترح شكلين نضاليين أصيلين، انبثقا من تجربته، وظروفه المتباينة وإمكانياته المتواضعة، هما النضال المدني الديمقراطي الذي انتهجه فلسطينيو 48، وطريق الانتفاضة الشعبية التي انتهجها الفلسطينيون في الضفة والقطاع المحتلين. وفيما يواصل هذين الجزأين طريقهما، وإن بتعرجات، وتماوجات، فإن الفلسطينيين في مناطق اللجوء يفتقدون لأي شكل يعبرون من خلاله عن وجودهم، وعن سعيهم لاستعادة حقوقهم وكينونتهم الاجتماعية والسياسية، من الأردن، إلى سورية، مرورا بلبنان.
ويمكن التساؤل هنا: هل كانت الأنظمة بحاجة للكفاح المسلح الفلسطيني لو لم تكن هزيمة حزيران/يونيو (1967)؟ وهل كان يمكن للتجربة العسكرية الفلسطينية أن تتضخم في الأردن، ثم في لبنان، لو كانت الدولة قوية ومسيطرة؟ ثم هل كان العمل الفلسطيني بدون الدعم المادي الذي أغدق عليه أن يوجد هذا الجيش من العسكريين والمتفرغين؟ وإذا كانت التجمعات الفلسطينية الأساسية في 48، وفي الضفة والقطاع، وفي الأردن، لم تنتهج هذا الشكل، فما هي الحقيقة في شيوع تبني الكفاح المسلح؟ أسئلة مزعجة ولكنها تستحق النقاش فعلا. ماجد كيالي