العمران: يتربع الحزن كفاكهة على موائد الإبداع

حوار أجراه: حسين الجفال
أتمنى أن ينشأ لدينا تيار نقدي معتدل

القاص السعودي فاضل عمران لا يهدأ في ذاته ولا يمَلُّ التعدد في نزعاته رغم القضايا التي تُربكه إلا أنه ينظرُ للمشهد بنصفِ عينٍ، وكأنه لا يشي بالعزلة، فكلما تقرأ قصصه تتخيلُ نفسكَ معنيا به ليس من بابِ الرأفة والحنين، إنما للالتباسِ بأفقه اللغوي ومعنى المعنى الذي يأخذكَ إلى مفارق التيه أحيانا، من رحم الواقع تتوالد نصوصه ثم يشدُّها إلى الرؤيا والأيدلوجيا بقصدٍ أو بدونِ قصدٍ، يُشبه برنارد شو في سخريةٍ متهكمةٍ من كل شيء، لذا تحتاجُ إلى قراءةٍ متأنية لاكتشافِ أبعادهِ وانفعالاته، وهذا الحوار عتبة أولى لذهنيةِ فاضل عمران بالدرجة الأولى أما نصوصه فللقارئ. فاضل عمران اسم لمع في عالم القصة رغم أنه عاش والشعر طويلاً، كيف تقيم عالم الشعر الذي هجرته؟! ولماذا اخترت السرد ملاذاً؟ كانت البداية في النصف الثاني من الثمانينات عندما تلمست الخطى كشاعر عمودي كلاسيكي يتعامل مع العمود والقافية والإيقاع الوزني كعقيدة لا يجوز خرقها، تناسلت المحاولات بكثافة متفاوتة لحوالي عقد من الزمن أعتقد أنها غذتني بفيض من الخبرة الأدبية بالمفهومين الفني والأخلاقي. تلت ذلك مرحلة غاب فيها الشعر كبناء فني ولم يغب كإحساس، إذ عشت في ظل منتدى سيهات القصصي حالة مزدوجة بين النظم والنثر وكانت الغلبة فيما بعد للنثر لأمور فكرية عديدة، أهمها يقيني أن المتلقي اليوم يعنيه بالدرجة الأولى "ماذا تقول" أكثر من "كيف تقول"، ومع ذلك فإن النفس الشعري لا يزال يطفو كلما مددت يدي لالتقاط قلم. تكاد تنحت في لغتك، ونصوصك القصصية تأخذ فترة مخاض طويل حتى ترى النور، هل يحتاج النص القصير كل هذا العناء؟ للكيان السردي جانبان، فكري وفني، وأتصور أن فترة المخاض الطويلة التي تتحدث عنها هي مرحلة اختمار الفكرة التي تتفاوت من قاص لآخر، بل وفي القاص نفسه مع اختلاف مراحله الكتابية، شخصياً، أحب أن ترى نصوصي النور وهي مركزة جدا ومفعمة بالدفق الإنساني الدافئ، ذلك ينثر أمامي كمًّا غير محدود من الخيارات المتعلقة بزاوية السرد/ الراوي / الزمن/ نقطتي البداية والنهاية/ انتقال الحبكة .. الخ، إنها آلية متعبة لكني متمسك بها كونها تصقل النص وينتج عنها نصوص تبعث على الرضا وإن كانت قليلة. منذ التسعينات وأنت تقيم وتشرف على منتدى القصة من منزلك، هل أفرز هذا المنتدى كتاباً؟ كيف تقيم المنتديات الأهلية؟ أهي ندًّا للأندية أم مكملة لدورها؟ سؤالك هذا في حد ذاته يحتاج سلسلة ندوات لمناقشته، لكني سأغرس رؤوس أقلام سريعة هنا. المنتدى القصصي تأسس في إحدى ليالي عام 1993 بحضور 3 من الشباب المبتدئين في السرد والفكر عموماً، كنت أحدهم، الشئ الوحيد الذي كنا نمتلكه هو الرغبة في تشكيل حراك سردي/ ثقافي/ اجتماعي من حولنا، مع الزمن انضم للمنتدى مجموعة من الأصدقاء ذوي توجهات متفاوتة شكلت تمازجاً فكرياً فريداً من نوعه، ولطالما أثارت النصوص المطروحة عواصف جدلية ساخنة لا يتوقعها كاتب النص نفسه. مر المنتدى بمراحل متعددة وناقشنا نصوصا لا تحصى، نقلتنا لا إرادياً لمراحل لم تكن في الحسبان. المنتدى القصصي اليوم يغلب عليه الطابع الفكري على حساب السردي البحت، كما أنه يغذي العديد من الأنشطة الثقافية الأخرى، وما من شك أن كل من صاحب مسيرته في مرحلة ما قد تأثر بطرحه، كما تخرجت منه كوكبة من القاصين والروائيين المعروفين على مستوى الوطن، وأنا افتخر بكوني أحد تلامذة هذه المدرسة الناضجة.
أما أصدقاؤنا من المنتديات الأخرى فهي متفاوتة في أدائها وطرحها، منها ما يحاول التوسع بأكبر قدر ومنها ما يؤثر إغلاق أبوابه خلف جماعة ايديولوجية محدودة، كثرتها ظاهرة صحية ومكملة للمؤسسات الرسمية بيد أني أتمنى أن يفتح كل منها الباب للآخر ليستمع إذ نحن فقراء جداً في قبول الآخر. تأخذ نصوصك طابع الحزن والموت، ترى لماذا يحضر الموت في معظم نصوصك القصصية؟ لا إرادياً يتربع الحزن كفاكهة دائمة على موائد النتاج الإبداعي العربي، وهو منعكس على كل الإبداعات الفكرية والثقافية سواء المقروءة أو المسموعة وحتى المشاهدة عبر الوسائل البصرية الحديثة، ولذلك أسبابه الفكرية والظرفية المعقدة، فإن لم يكن هذا النتاج الثقافي تعبيراً عما يجول في ذات الشعوب فماذا عساه سوف يكون؟
الموت حضر في نصوصي لا إرادياً لمرحلة كاملة، أو بتعبير أشمل الفقد، وهو هاجس لم يكن ليفارقني أينما حللت، أعي جيداً بأن كل ما حولي ليس سوى أطياف متبدلة، الوجوه والأماكن والأزمنة وحتى الأفكار، هذا التحول هو الثابت الوحيد، وأنا بدوري لست سوى طيفٍ آني ضمن هذا الكم الهائل من المتغيرات.
للوهلة الأولى يتبادر للمتلقي أنها حالة سوداوية متقدمة، إلا أنها من وجهة نظري عكس ذلك تماماً، فعندما أعي لعبة الأطياف والمراحل المتغيرة يسوقني ذلك لامتصاص كامل رحيق المرحلة الآنية، وحينما يحدث فقدٌ ما فإن الجميع يبكي أما أنا فلا، كوني توقعت هذا الفقد وعشته على الدوام. إنها فلسفة اكتشفتها في ذاتي لاحقاً ولم اصطنعها عمداً. ما سر أنسنة الجماد لديك والسخرية التي كثيراً ما تثير الضحك بتلقائيتها، ولم تحضر الكوميديا السوداء في نصوصك؟ بالدرجة الأولى هي جانب أخلاقي تربوي، أحببت أن أتجاوز قراءتي لمشاعر الآخرين بقراءة مشاعر كل شئ من حولي، كل شئ دون استثناء، توقعت أني حينما أصل لهذه المرحلة فذلك سينقلني لحالة متقدمة من التهذب السلوكي، لذا استشعرت ردود فعل وسلوكيات الحيوان في نصوص مثل "نعل المرحوم"، و"الساحرة"، و"كابوس"، ونفخت الروح في الجماد في نصوص مثل "أيام الدرب"، و"إلى اللانهاية"، وبموازاة ذلك ولجت لنفسية الكائن الإنساني في ظروف خاصة جداً كسرد شعور اقتراب الإعدام من الداخل كما في "دم المتهم"، ومشاعر كره الآخرين تجاهنا كما في "جبار"، وأتصور أنها حققت الهدف لحد بعيد خاصة إذا اعتبرنا الكتابة حالة مكثفة من الولوج في عوالم لا يمكن ممارستها عملياً، ولكن القاص يمكن أن يعيشها ويمارسها ضمن عالمه الخاص.
ومن الطبيعي تخلق عوالم كهذه أن تحضر الفنتازيا والكوميديا ويبرز الجانب الغريزي الذي يكشف ردود الفعل التلقائية دون ستار، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف المجاملة والمواربة، إلا أن العفوية تطفو بين الفينة والأخرى كاشفة عرينا الآدمي. أنت عضو مؤسس في "ملتقى الوعد الثقافي" أقمتم أمسيات كبيرة ونوعية، ثم تجاوزتم الحدود كتجربة أهلية أولى في الوطن العربي؟ كيف تقيم إنجازكم وإلى أين تمضون بالوعد الثقافي وما الذي أسهم به الوعد الثقافي على المستوى الثقافي المحلي؟ تجردنا من ذواتنا، ونذرنا كل طاقاتنا وخبراتنا لعقد أنشطة وفعاليات نوعية تجمع حولها جميع المشاهد والأطياف، كل ما يطلق عليه إبداع أو ثقافة، ودعونا كل من يمكن أن يطلق عليه مبدع أو مثقف بصرف النظر عن أي عامل آخر، والنتيجة شهدها المئات من الذين نعتبرهم شركاءنا في النجاح. احترمنا جميع السلطات لكننا لم نعتمد على أي منها، واحترمنا جميع الأطياف دون انحياز لأحد، سهرنا وخططنا ودفعنا من جيوبنا مبالغ طائلة من أجل أنشطة نقية تنم عن احترافية ونضج.
بدأنا محلياً قبل حوالي سنتين، ودفعنا النجاح لإقامة فعاليات خارجية مبتدئين بعمان ثم البحرين ونحن نخطط لمهرجانات أخرى. بماذا يطمح الوطن أكثر من مؤسسة مجتمع مدني تبنيه من الداخل وتمثله خير تمثيل في الخارج بكل هذا الوضوح والنضج؟ ما هو تقييمك للمنجز السردي في السعودية؟ وكيف تلقيت خبر عدم دخول أي رواية سعودية في البوكر؟ خلال الأعوام الخمسة الأخيرة شهدنا نهضة سردية محلية متميزة، عدد الروايات السعودية الصادرة هائل بالنسبة لشعب عرف التعليم متأخراً، وهي بالطبع متفاوتة الرؤى والفنيات، ولا يمكن لأي دارس للرواية العربية اليوم أن يتجاهل هذا المنجز الكبير بكل ما يحمله من مجد وإخفاقات، وكم أتمنى أن ينشأ لدينا تيار نقدي معتدل يتعامل مع هذا النتاج بشكل أكثر مهنية ومسئولية، فمعظم الأصوات النقدية لدينا إما تجامل المنجز بشكل مخجل، أو تقذف به بالكامل في سلة المهملات، ومن الإجحاف أن نطلق علي أي من هذين النوعين مصطلح "نقد".
أما بالنسبة لجائزة البوكر فلها مقاييسها التي أوصلت هذه الأعمال للفوز أو الترشيح النهائي، فقد رشحت كمرحلة أولى من دور النشر ولم يكن يحق للدار أن ترشح أكثر من ثلاث روايات كحد أقصى، حتى وإن كانت إصدارتها بالعشرات، لذا يجب أن لا نهمش أيضاً كتاباً أكفاء في باقي أقطار الوطن. في اعتقادي أن لجنة التحكيم كان لها نظرتها ومقاييسها الخاصة ولم يدنس الترشيح أي فئوية أو انحياز، بل من السابق لأوانه إحاطتها بكل هذه الرؤى السلبية وهي لا تزال في سنتها الأولى. أشار رئيس أدبي الشرقية في أمسيتك أن النادي على أتم الاستعداد لطبع إبداعات الشباب وإن الباب مفتوح للجميع ولك شخصياً، ترى لماذا يعزف الكثيرون عن طبع كتبهم في النادي؟ نعم، صرح السيد رئيس النادي أخيراً إنهم اعتمدوا ميزانية لتبني سلسلة من الإصدارات المحلية، عن نفسي أبارك لهم ولمبدعي المنطقة هذه الخطوة إلا أنه وحتى اللحظة لم تنشأ لدي نية في إصدار مجموعة قصصية، وأحبِّذ كثيراً إدراج نصوصي ضمن المواقع المحترمة على الإنترنت إضافة للصحف والمجلات، فمن يريد أن يقرأ لفاضل عمران سيجد العديد من نتاجه على الشبكة والمطبوعات الدورية.
أما عن سبب عزوف الآخرين عن تقديم أعمالهم للنادي فلكل أسبابه، وقد يكون السبب في الغالب الهروب من مقص الرقيب أو الانخفاض النسبي لسقف الحرية، البعض يفضل الطباعة في دور خارجية كون هذه الدور تتكفل بتوزيع مطبوعاتها ضمن نطاق جغرافي أعرض، وآخرون يؤثرون الاستقلالية عوضاً عن إدراج نتاجهم تحت أي مظلة سواء أكانت رسمية أو أهلية. بصفتك متابع للأنشطة الأدبية والسردية خصوصاً والتي تقام في الأندية، كيف تقيمها؟ وهل ترى أنها تقليدية؟ هي أفضل من مرحلة سابقة، كما بالإمكان تقديمها بشكل أفضل، فأسلوبها المنبري ذو الاتجاه الواحد يحمل طابع التقليدية، لكن في المادة المقدمة وبعض أساليب وآليات الطرح تخرج عن تقليديتها. أتذكر عادة كانت سائدة في النادي الأدبي وافتقدناها مؤخراً وهي المسامرات الحوارية، إذ كانت مثمرة ومفيدة بل وعصرية للغاية وأتمنى لو يعاود هذا النشاط دوريته. لو سألتك أي من الرويات السعودية التي أثارت دهشتك، سمها ولماذا؟ لدينا محلياً، أنواع من الروايات:
ناضجة فنياً وفكريا: وهذه أعمال يعتد بها عموماً كتابها عادة من جيل الوسط لكنها ظلمت وسط هذا الموج الهائل من الأعمال الأقل مستوى.
ناضجة فنياً ومتواضعة فكريا: ومعظم كتاب هذا النوع من أناث يبرزون للمرة الأولى.
ناضجة فكرياً ومتواضعة فنياً: العينات من هذا النوع قليلة، وهي أيضاً سائدة لدى شريحتين: الكتاب الجدد، وكتاب المقالات المخضرمون الذين لم يمارسوا السرد من قبل.
غير ناضجة فنياً ولا فكرياً: كثيرة للأسف ومعظمها تجارب أولى ويتيمة.
وعن نفسي فإن كل عمل يحمل قيمة فكرية يغذيني، وكل عمل يحمل قيمة جمالية يمتعني، والأفضل هو من يجمع القيمتين. هل هناك قصور في تعامل النقد والمنجز الابداعي المحلي؟ لماذا يصرخ الكتاب دائما: ليس من نقد حقيقي لدينا؟ هل هذا صحيح؟ النقد يا سيدي هو حالة من التشخيص الدقيق للمستوى الحقيقي للعمل، إنه مرآة الإبداع، يبرز لنا مكامن الضعف لنعالجها، ويدلنا على مكامن القوة لتعزيزها بصرف النظر عن اسم الكاتب أو فئته، إلا أننا لا نشهد هذا مع معظم من نطلق عليهم نقاد محليين للأسف.
الحالة الدارجة على الأغلب هي التعالي على مجتمع الكتاب وعدم الثقة في المنتج المحلي لأنه محلي فقط بصرف النظر عن العوامل الأخرى. حسين الجفال ـ السعودية