الضحك الفارغ يجلجل في المسرح الليبي

بقلم: زياد العيساوي
المضحك المبكي

لقد ودّدت بصفتي متتبعا لما يُقدَّم من أعمالٍ مسرحية في بلادنا، أن ألقي بدلوي بشأن المسرح الليبي في الآونة الأخيرة وما طرأ عليه من مستحدثاتٍ ومستجداتٍ، وبخاصةٍ في الجانب الكوميدي منه، منطلقاً في ذلك من ذائقتي الفنية فحسب.
واسترعى اهتمامي من خلال متابعاتي لبعض المسرحيات التي تأتي على هذه الشاكلة، أنّ أغلب الكـُتَّاب غدا يأخذ من بعض الموضوعات المحرجة جدا محوراً تدور حوله الحبكة الفنية للعمل المسرحي.
وأعزو منحاه هذا إلى أنه ربما، من أول تجربة مسرحية جريئة، كانت قد دارت تفاصيلها حول مثل هذه النصوص التي سآتي على ذكر نماذج منها لاحقاً والتي تناولت شيئاً من هذا القبيل، استخلص واكتشف بأنها لاقت رواجاً ونجاحاً بين الألوف المؤلفة من المتلقين، فقابلوها بشيءٍ من الضحك، الذي يسعى إليه صانعو هذا النمط المسرحي المهم، ولكن لما كان "المسرح أستاذ الشعوب" كما يُعرفُ ويُقالُ، فبمَ "يتأستذ" المسرح على المُستقبـِل لمثل هذه الأفكار الخارقة للمعتاد والمألوف، والمتجاوزة للنقاط الحرجة التي ينبغي عدم المساس بها والمتعدية للخطوط الحمراء التي لا يُسمحُ بالاقترابِ منها أخلاقياً؟

ويتم ذلك عند تناول مثل هكذا شؤون تُثيرُ "الضحك المبكي" أي بصيغة تساؤلية ثانية: ما هي الأهداف المرجوة من وراء طرح هذه الأفكار؟ وما هي الرسائل التي اتخذت من هذه الوسائل المُتمثِلة في هذه الأطروحات والتي يريد الـكـُتَّاب المسرحيون إرسالها إلى المتلقي والمُغلَّفة بمظروفات ومغاليق ممهورة بطوابع بريدية، على هيئة تُضحكُ، ثم سُرعان ما تُبكي؟
أحس بأنّ هذه الأفكار والاتجاهات المسرحية مستوردة من تجارب مسرحية جرت في أماكن أخرى، وسوف لن أذهب بعيداً فهي على الأرجح مقتبسة ومستوردة من المسرح الكوميدي المصري، الذي عُرف باعتماده لهذا النمط من الإضحاك.
لن أطيل عليكم أكثر مما سبق وسأورد لكم تواً بعضاً من هذه الأشياء التي يتمُّ الخوض فيه هنا وهناك مع مراعاة اختلاف عهد كلا القطرين به، فمن هذه الأفكار التي تثير اهتمامي وامتعاضي بقدر ما قد تثيره من ضحكٍ لدى عرضها على رُكح المسرح، مناقشة بعض المسائل المتعلقة بحياة متعاطي المخدرات من دون استهداف الطرائق الناجعة للخلاص من هذه الظاهرة، كشن حملات توعية لمصلحة المواطن من خلال المتلقي لهذه المسرحيات كي يكتشف حقيقة وزيف النشوة العابرة والعارضة التي تمنحه إياها لوقت قصير، وما تجره عليه هذه الآفة وما قد تلحقه به من خزيٍ وعار فيما بعد.

ولست أقصدُ من حديثي ما قد يفهمه بعض القرَّاء، وهو أنْ يكون الباعث على ذلك هو حالة "الخروج عن النص" لأني وكما أفهمتكم من البداية أنّ تناول هذه الأمور لا يجيء ارتجالياً، إنما هو من صلب النص أساساً، فهذا النحو المسرحي أضحى معتمداً ومقصوداً في النصِّ المسرحي الليبي من حيث القصة والحدوثة والحوار والشخوص التي تؤدي دور المتعاطين، وبات اتجاهاً وتياراً ومحوراً رئيساً تدور حوله أحداث اللعبة المسرحية لعديد الأعمال المسرحية.
يتخصص الكثير من الكُتَّاب في التطرق الى هذه المواضيع من دون أنْ يضعَ في تصوره حدّاً وأسلوباً لعلاج هذه الظاهرة السيئة، فهي لا تأتي في الغالب إلا لاستجداء وتسول الضحك من الجمهور الذي يمنحُ الكاتبَ ما أراد من دون أي مقابل.
وهذا المقابل الذي يُفترض أنْ يتمثل في النصح والفائدة اللذين كانا من واجب المسرحيين على اختلاف مهامهم أنْ يقدموه له عبر هذا التهريج الذي يعرضونه على خشبة المسرح، والذي في العادة يتجسد في التلفظ بكلماتٍ ليست متداولة بين الناس، فقد تسمع كلماتٍ من هنا وهناك، ومصطلحات أترفع عن إيرادها، لكوني أجد حرجاً شديداً حتى في الإشارة إليها مع نفسي لكنها تُقالُ عبر المسرحية، وبمجرد أنْ تصلَ إلى آذان المشاهد، يبدأ مسلسل الضحك إلى درجة القهقهة، مع أنني على يقين تام بأن هناك قسماً من الحضور لا يعي معاني هذه الكلمات، لأنها لم تمر على مسامعه من قبل، وخصوصاً من بين الحاضرات لكونها ألفاظاً درج الحشّاشون وكل مروجي المخدرات على التلفظ بها، من دون سواهم.
وهل بإسماع الجمهور مثل هذه الكلمات، يكون المسرح قد أدى رسالته الإنسانية ووظيفته الأدبية المُرتجيين منه؟ ليكون بذلك "الأستاذ" الذي يعلّم الجالسين في حضرته، الألفاظ (...) التي تترك لدى الحضور انطباعاً سيئاً وخطيراً عن الممثل ذاته الذي يشخّصُ دورَ المتعاطي بأنه خارج هذه الشخصية، قد يكون بالفعل ممَّن يتعاطون هذه السموم، فكيف يقنع المشاهد بأنه يودّ الإصلاح وهو على تلك الشاكلة؟
ومن ذلك ما قُدِّم في مسرحيتي "مدرسة المشاغبين" و"العيال كبرت" ثم بعد ذلك، في مسرحية "فارس وبني خيبان" وثلاثتها مسرحيات مصرية، تطبعت بهذه المضامين وبخاصة ما جاء في المسرحيتين الأوليين، إذ أنّني أعتبر كلتيهما طامةً كبرى على المسرح العربي بعامة وعلى التاريخ الفني برمته لما زرعتاه من أفكار هدَّامة في تفكير جيل بأكمله، وكذلك لما اقتلعتاه من غرس لمبادئ وقيم حرص المربون على تعليمها إياه لدرجة أنّ الطالب من البنين أو البنات، أضحى يستهزئ بمعلمه من دون أدنى حياءٍ وصار يترصد له كي يؤذيه ويوقع به ويتفنَّن في ذلك، من خلال المقالب والمواقف المحرجة.
بل إنّ الأمر تعدى ذلك إلى ما هو أبعد وهو التطاول على الأب وعدم الاكتراث لأبسط ما تعارف عليه الناس من أخلاق حين التعامل معه لأن الطلبة الذين هم من جيل الشباب، قد رأوا مثيلات هذه الحيل والمقالب في مشاهدٍ عُرِضت في هاتين المسرحيتين المضحكتين المبكيتين في آنٍ واحدٍ، فهما على درجة فائقة من الإضحاك غير أنهما لا تلبثان أنْ تمسحا تلك الابتسامة التي مما لا شك فيه ارتسمت على شفتي المتلقي، وتحل محلها مسحة من الحزن لما وصل إليه حال هذا الجيل من عبث واستهتار، لكأن المنطلق الذي كان منه العمل المسرحي، هوالقول المأثور "شر البلية ما يُضحكُ".
ومع هذا، لا نستطيع أنْ ننكرَ أنّ هذين العملين المسرحيين من أضحكِ الأعمال التي استحسنها الجمهور طوال مدة عرضهما على الركح ومنذ إنتاجهما إلى الآن، وليس بخافٍ على أيّ منَّا، أنّ السبب الكامن وراء تصدرهما لقائمة المسرحيات "الكوميدية" هو خروجهما عن المألوف، لا عن النصِّ.
والخروج عن المألوف، يلقى دائماً النجاح في أي اختصاص آخر حتى في الحياة العامة، ولك أن تتصور ماذا ستكون ردة فعلك لو شاهدت شخصاً ما وهو يسير إلى الخلف، فإنك بكل تأكيد ستضحك من مشاهدتك لهذا المرأى لكنك ستتحسَّس فوراً بأنك قد أذنبت لأنك قد سخرت منه، والسخرية منهيٌّ عنها في ديننا الحنيف.
أما على صعيد الكتابة، فأية رواية تخرج عن السائد وتخترق المعتاد ستحظى بالنجاح محلياً وتترجم إلى العالمية، وخاصة من الكَتَبَةِ العرب والمسلمين وبالذات الذين يتطاولون على الدين ورموزه وعلى رأسهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم ومن والاهم إلى يوم الدين، أو التي تدعو إلى الاستهتار بالقيم التي عُرف بها مجتمعنا المسلم.
صحيح أنهم قد يحصدون ثمرة الشهرة في الدنيا، ولكن سيلعنهم الرسول والملائكة والمؤمنون في الدنيا والآخرة.
على أيةِ حالٍ، فإنّ لظاهرة الخروج عن المألوف في النص المسرحي تأثيراً على بعض المتابعين وهي من الأسباب والدوافع المعروفة الداعية للضحك يضاف إليها عامل آخر يحضرني الآن، وهو أنك تبتسم بجرد أن يُقال لك "إنّ ذلك الشخص يشبه فلاناً" فهذا الأمر "التشبيه" مجلبة للضحك على الدوام، ولو بدرجة الابتسام فقط، على الرغم من أنّ المشبه به قد يكون على درجة فائقة من الوسامة عند الرجال، أو على قدرٍ عالٍ من الجمال لدى النساء.
هكذا أحلل الأمر، وهذا ما تناوله الممثل المصري سمير غانم في المسرحية الثالثة، وهو يشبّه أعضاء فرقته الموسيقية ببعض زملائه الفنانين.
فإذا كان من الصعب على المسرحيين في بلادنا التطرق إلى معالجة بعض المشكلات الاجتماعية، فعليهم أن يتركوا الأمر لمجالات فنية أخرى، كالخيالة والدراما التلفزيونية وألا يتناولوا هكذا موضوعات لمجرد الإضحاك فقط، وأن يستفيدوا من تجارب مسرحية أخرى سبقت التجربة المسرحية الليبية وأثبتت نجاحها وكفاءتها على المستوى العربي، ومن ذلك تجربة الفنان السوري الكبير دريد لحّام التي أخذت على عاتقها هم المجتمع العربي وقضاياه المصيرية والتحريرية والنضالية في عديد المسرحيات التي قدَّمها.
ووظـّف دريد لحام الجانب الكوميدي لإنجاح كل عمل عرضه على المسرح بصحبة فرقته المسرحية، فقد كان له باعٌ طويلٌ في إشعار المواطن والمسؤول العربي بالأخطار الداهمة والمحدقة التي تتهدد وجوده من جراء التفرقة والتشتت اللذين يعيشهما العرب سياسياً واجتماعياً والعمل على تحقيق درجة من التضامن ووحدة الصف من خلال أعماله التي أذكر من بينها مسرحية "شقائق النعمان" و"كأسك يا وطن".
ففي الأولى، أوضح في لوحة مسرحية منها كيف يجب على العرب أن يُؤمِّنوا سلة غذائهم من خلال توضيحه للمشاهد أن صحن "الكنافة" وراءه حكاية طويلة وأنّ جميع مكوناته تأتي من الخارج، مع أنّ هذه الحلوى أكلة عربية أصيلة.
في ذلك المشهد، الذي أدّاه مع الممثلة سلمى المصري في دور "زهرة" والفنَّان يوسف حنا الذي شخص دور "الأصمعي" كما أنّ في هذا العمل المسرحي، لفتة مهمة قدّمها لنا دريد لحام حين أدّى دور الشهيد الذي يعود إلى قريته ليجد أنّ زوجته وأبنائه قد تشردوا، ولم يُنزلهم المجتمع المنزلة التي تليق بأسرة شهيد، قدَّم روحه فداءً للوطن وللآخرين، فهو يعمل من خلال أعماله جميعها، على الاستفادة من محنة الأمة، وتحويل انكساراتها إلى انتصارات، من خلال عرض الأسباب التي أدّت إلى هواننا فيجعل من حيثيات تلك الحقب السوداء التي عاشتها أمتنا، قاعدة لتصحيح المسار المعوج والمُتعرِّج، ويجعل ممن كانوا سبباً في تلك المصائب مثاراً للسخرية، حتى يعرف المشاهد أن من يمضي على تلك المسارات الملتوية التي حرّفت اتجاه التطور وأدت إلى التخلف والتشرذم، سيستهزئ به الناس، فهو في أعماله يجعل من المبكي مُضحِكاً، على العكس مما جاء في التجربة المسرحية المصرية، ويحقق بذلك المعادلة الصعبة، إذ أنه يوائم بين المسرح الجاد والكوميدي وإن ّهذا لأمرٌ عظيم.

زياد العيساوي
بنغازي - ليبيا Ziad_z_73@yahoo.com