موسم الجوائز

بقلم: د. جابر عصفور
ماذا عن الباحث في العلوم؟

كثرة الجوائز التي نراها، هذه الأيام، علامة دالة على الإعلاء من شأن القيمة وتقديرها بما يجعل من الاحتفاء بمن ينالونها مثلا ونموذجا يحتذيه الناشئة من الشباب في كل مجالات الجوائز التي نسمع عن كثرتها في هذه الأيام.
وقد تعلمنا من التاريخ وأحوال العالم المتقدّم الذي نتطلع إلى اللحاق بركبه أن الأمم تندفع في طريق التقدم الصاعد بقدر احتفائها بالمبدعين من أبنائها في كل مجال، إيمانا منها بالدور الخلاّق الذي يقوم به هؤلاء المبدعون من إسهام في الانتقال بمجتمعاتهم من وهاد التخلف إلى آفاق التقدم، ومن فتح آفاق جديدة واعدة، في كل مجال من مجالات الحياة الثقافية والفكرية والعلمية.
صحيح أن أغلب الجوائز يغلب عليها الطابع الثقافي العام، أو الطابع الأدبي الخاص، فنحن لا نزال في مراحل التخلف في مجالات البحث العلمي وهو التخلف الذي لا ينتج عن طبيعة في العقول، وإنما عن قيود صعبة، لا تزال تعرقل خطى البحث العلمي، مرة باسم تأويل ديني، وثانية باسم تخلف اجتماعي، وثالثة عقلية نقلية جامدة، لا تزال تسيطر على أغلب الأفكار، وتحول بين العقول والانطلاق إلى الأمام، صعودا حرا في ركب التقدم، وأخيرا بادّعاء فقر مادي، هو في حقيقته فقر الفكر وفكر الفقر، إذا استعنا بلغة يوسف إدريس، وهو وضع يجعل البحث العلمي المتحرر من كل قيد متعذرا، غير قابل للاستمرار إلا بالإذعان إلى القوى التي تفرغ الطاقة الخلاّقة من مغزاها.
ولهذا نجد أن نصيب العرب من الجوائز العالمية ضعيف إلى درجة تستوي والصفر، فلا أذكر مثلا أن جائزة بوكر العالمية في الرواية وضعت في قائمتها رواية عربية، سوى مرة وحيدة لم تتكرر، وكانت إحدى روايات أهداف سويف، ومع ذلك لم تحصل رواية أهداف على الجائزة التي ذهبت إلى رواية إفريقية إن لم تخني الذاكرة.
ولكن على الرغم من ذلك كله، فإن كثرة الجوائز العربية التي نسمع عنها هذه الأيام، والمنتشرة بامتداد الوطن العربى كله، هي ظاهرة إيجابية تُبشِّر بإمكانات التميز في الحصاد، وتؤكد أن التغيرات الكمية يمكن أن تؤدي إلى تغيرات كيفية، شريطة أن يسمح المجتمع العربي، الذي لا يزال تقليديا، بتحرير المبدع من العوائق الكثيرة التي تحول دونه والإبداع، صحيح أن الأديب يخلق أفقه الإبداعي الحر بواسطة الرموز والتمثيلات والاستعارات التى تخادع الأجهزة الرقابية للمجتمع، لكن ماذا عن الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية أو حتى العلوم الطبيعية؟
إن الحرية من أوجب شروط التقدم في هذه المجالات التي لا تزدهر فيها العلوم إلا باتّساع مساحات الحرية إلى أبعد مدى. (الاتحاد ـ أبوظبي)