عن إشكاليات مقاومات الفلسطينيين: حرب الصواريخ نموذجا

بقلم: ماجد كيالي

منذ البداية قامت إسرائيل على الاغتصاب والعدوان، باعتبارها دولة استعمارية عنصرية احلالية، مستخدمة في ذلك أقصى ما لديها من جبروت وقوة وتفوّق عسكري، ضد الفلسطينيين خاصة. مع ذلك فثمة عوامل عديدة، موضوعية وذاتية، سهّلت على إسرائيل تحقيق أهدافها، ضمنها، مثلا، المعطيات الدولية والعربية غير المواتية، وضعف امكانيات الفلسطينيين، واختلاف أطراف حركتهم الوطنية، وتخلف إدارتهم لصراعهم مع عدوهم.
والواقع فإن الفلسطينيين، خاضوا كفاحهم ضد المشروع الصهيوني، وبعده ضد إسرائيل، بروح عاطفية وبطرق فوضوية ومزاجية، ولم يتوقّفوا مرة لمناقشة أو دراسة سبل مواجهتهم للمشروع الصهيوني، بمختلف تجلياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يعملوا على تقييم أشكال مواجهتهم له؛ من العمليات الفدائية، إلى القواعد الارتكازية في الأردن ثم لبنان، ثم خطف الطائرات، وصولا إلى الانتفاضة الشعبية، ثم العمليات الاستشهادية وعمليات القصف الصاروخي.
هكذا فإن الفلسطينيين، في هذه المرحلة، معنيون، بإثارة الجدل بينهم بشأن طريقة إدارتهم لصراعهم ضد إسرائيل، وضمن ذلك، مثلا، دراسة جدوى عمليات القصف الصاروخي، والتمعّن في الانطباعات التي تطرحها حول الكيان الفلسطيني الناشئ، وردود الفعل التي تولّدها عند إسرائيل.
فمن حيث الجدوى مثلا، وباستثناء الأثر المعنوي الذي تتركه هذه العمليات على الإسرائيليين، فإن هذه العمليات ليس لها من أثر مباشر وقوي، إلا من الناحية المعنوية، إذ أن بضعة إسرائيليين فقط، في جوار قطاع غزة، سقطوا بنتيجة هذه العمليات، طوال السنوات السبع الماضية، من قصف مئات القذائف.
بالمقابل فإن هكذا عمليات تروج لانطباعات سلبية وخاطئة عن وضع الفلسطينيين، فهي توحي وكأن ثمة كيان فلسطيني محرر ومستقل في قطاع غزة! وأنهم يمتلكون الحرية والإمكانية لتصنيع الصواريخ. كذلك فإن عمليات القصف تسهل لإسرائيل ردّة فعل قاسية للبطش بالفلسطينيين؛ وهو ما حصل مؤخرا.
وكانت إسرائيل خلال السنوات الماضية استغلت، أبشع استغلال، العمليات التفجيرية، وعمليات القصف الصاروخي، كما عملية خطف الجندي جلعاد شاليت (25/6/2006). وقد تمثّل ذلك في تملّصها من استحقاقات التسوية مع الفلسطينيين، ومحاولاتها عزلهم دوليا، وتشديدها الحصار عليهم، وانتهاج وسائل القتل والتدمير ضدهم، كما تجلى ذلك في التشويش على عدالة قضيتهم، والسعي لحرمانهم مكانة الضحية، ووصمهم بالإرهاب (في زمن مكافحة الإرهاب).
وقد سهّل ذلك لإسرائيل عوامل عدة، أهمها: 1 ـ خلافات الفلسطينيين السياسية وتنافساتهم. 2 ـ عدم وجود استراتيجية سياسية وميدانية متوافق عليها فيما بينهم. 3 ـ تخلّف إدارتهم لأوضاعهم ولصراعاتهم ضد إسرائيل. 4 ـ تشوّش قضيتهم أمام العالم، بين كونهم حركة تحرر أو كيان منجز، كما بين سلوكهم طريق التسوية والمفاوضة، أو طريق المقاومة المسلحة والعمليات التفجيرية.
وفي حساب الصراع بالصورايخ بين الفلسطينيين والإسرائيليين مثلا، والذي كان أحد سمات الانتفاضة، التي اندلعت في أواخر العام 2000، فثمة بضعة ألوف من القذائف الصاروخية البدائية أطلقها الفلسطينيون من القطاع، في حين أن إسرائيل أطلقت بالمقابل ألوف القذائف الصاروخية، من البر والبحر والجو، على مدن القطاع، كما نشّطت عمليات الاغتيال والقتل الجماعي ضد الفلسطينيين، ودمرت مئات البيوت والممتلكات فضلا عن تشديدها الحصار ضد القطاع.
بالمحصلة فقد أدت عمليات القصف بالصواريخ، إلى مقتل حوالي عشرين من الإسرائيليين فقط، داخل الأراضي الإسرائيلية المتاخمة لقطاع غزة. وفي الفترة من العام 2001 إلى أواخر العام 2005 قتل قتل سبعة إسرائيليين فقط بالقصف الصاروخي (هآرتس 23/8/2005)، من 1040 إسرائيليا، لقوا مصرعهم بنتيجة مختلف عمليات المقاومة المسلحة، في نفس تلك الفترة. بالمقابل لقي 160 فلسطينيا مصرعهم في القطاع، في شهري يناير وفبراير من العام الحالي، مقابل إسرائيليين فقط!
وفي ذلك تتبدّى إحدى المعضلات المزمنة للكفاح الفلسطيني، ليس فقط لجهة التفوق الفادح بالسلاح للجانب الإسرائيلي، والخسائر البشرية العالية للفلسطينيين، وإنما أيضا لجهة أن عمليات القصف الصاروخي، وقبلها العمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية، أدت إلى تكبيد الفلسطينيين خسائر فادحة على المستوى السياسي، وبيّنت عدم إدراكهم للمعطيات الدولية والإقليمية المحيطة بهم وتخبّطهم ومزاجياتهم وتنافساتهم، في إدارة صراعهم مع عدوهم.
فهذه العمليات، أولاً، ساهمت في توحيد الإسرائيليين في مواجهة الفلسطينيين بدلا من أن تعمق الشروخ بينهم، وهي مسألة يفترض أن تعتبر على رأس أولويات أية حركة تحرر وطني. ثانياً، أدت هذه العمليات، وبالأخص عمليات قصف الصواريخ، وتصنيعها واستعراضها والتباهي بها، إلى إظهار الفلسطينيين، أمام العالم، وكأنهم باتوا يتمتعون بنوع من الندّية في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، وأظهرتهم على غير واقعهم، وكأنهم باتوا يعيشون في كيان مستقل، متحرر من الاحتلال الإسرائيلي! ثالثاً، قدمت مثل هذه العمليات التغطية التي تنتظرها إسرائيل للاستفراد بالفلسطينيين والبطش بهم، بدعوى أنها باتت ضحية للإرهاب الفلسطيني، وأنها إنما تدافع عن أمن مواطنيها. رابعاً، أرهقت هذه العمليات الفلسطينيين، إذ أدت إلى تحميلهم أكثر مما يحتملون، في مواجهة غير محسوبة، وليس لها علاقة بأساليب حرب الشعب طويلة الأمد، التي تعتمد الاقتصاد بالقوى وعدم الدخول في مواجهات حاسمة، وتحييد عناصر تفوق العدو. خامساً، خلقت هذه العمليات واقعا معاكسا لنوايا القائمين عليها، فبدلا من أن تردع إسرائيل، أطلقت يدها في عمليات الاغتيال والتقتيل والتدمير، وبدلا من أن تمنح الفلسطينيين مزيدا من التعاطف الدولي معهم، ساهمت في عزلهم وفي التشكيك بعدالة مقاصدهم، وبدلا من أن تحبط تملصات إسرائيل من عمليات التسوية أدت إلى خلق وقائع أحادية، من نوع بناء جدار الفصل وعزل القدس، والانسحاب الأحادي من غزة، وترك الفلسطينيين لمصيرهم، في دائرة من الحصار والعزل وضعف القدرة، في الضفة والقطاع.
وربما ثمة من يجادل بأن إسرائيل ستقوم بما تقوم به بعمليات الصواريخ وغيرها أم من دون ذلك، وهذا صحيح، ولكن هذا الاستنتاج لا يحجب حقيقة أن مستوى عمليات القتل والتدمير والحصار الإسرائيلية تزداد وتتصاعد بحسب طبيعة العمليات الفلسطينية، التي تأتي في غالبيتها غير محسوبة الجدوى ومرهونة بالتنافسات الداخلية، ومن دون ارتباط باستراتيجية سياسية واضحة وممكنة ومتوافق عليها.
واضح أن القيادات الفلسطينية المعنية، لا تقرأ الواقع بصورة صحيحة، على الأغلب، ولا تتوخّى أن تتفهّم المعطيات المحيطة بها تماما، كما أنها لا تولي الاعتبارات والمخططات الإسرائيلية اهتماما مناسبا، بقدر ما تصغي لشعاراتها وأهوائها واعتباراتها الفصائلية! لكن إلى متى؟ وبأي ثمن؟ ماجد كيالي