القدود الغنائية.. الصيت لحلب والفعل لحمص

حمص (سوريا) - من تمام الحسن
القدود قامة موسيقية تتمايل فخرا في الشرق

تسلسلت القوالب الغنائية العربية بحسب ظهورها زمنياً فظهرت أولاً قصيدة الشاعر ثم الاهزوجة فالقصيدة والموشح والموال وبعدها الطقطوقة والدور فالمونولوغ والديالوغ وصولاً إلى النشيد.

ويقول الفنان عيسى فياض رئيس فرقة حمص لإحياء التراث ومؤسس الفرقة أنه من العسير جداً تحديد تاريخ مؤكد لنشوء القد، أما مصادر نشأته الأساسية فهي الموشحات والأناشيد الدينية الموالد والاذكار والاغاني والموشحات الأعجمية (التركية والفارسية) والأغاني الشعبية والتراثية ذات السوية الشعرية المتدنية وأغلب الظن أن القدود عرفت بشكل جلي في منتصف القرن الثامن عشر.
ومن اشهر مغني القدود في سوريا صباح فخري وصبري المدلل وشادي جميل.
ولاحظ الشعراء والموسيقيون أن بعض الموشحات والأناشيد تتمتع بألحان جميلة يجب الحفاظ عليها وتداولها ولكي يتمكنوا من غنائها في مجالسهم عمدوا إلى استبدال كلماتها بكلمات شعرية وشاعرية جديدة على قد (حجم) الكلمات الأساسية مع الحفاظ على اللحن الأصلي لذا سمي الواحد منها "قداً" وجمعها قدود.
والقدود كما عرفها الباحث عبد الفتاح قلعه جي منظومات شعرية على أعاريض منظومات شعرية غنائية دينية أو أعجمية أو شعبية مع الحفاظ على اللحن الأصلي ثم يقول "ثمة رأي اخر هو أنها سميت قدود لانها تماثل قد المرأة رشاقة وحركة وجمالاً".
أما الباحث والمؤرخ محمد قجة فيقول "كلمة 'قد' تعني المقاس فالألحان الدينية كانت تخرج من الزوايا الصوفية لتبحث عن كلمات فيها الغزل وفيها القضايا الاجتماعية فيبقى اللحن الذي كان أساساًَ أنشودة دينية وتصاغ وفقه كلمات تدخل في الحياة اليومية فهذه على قد تلك ومن هنا نشأ القد".

أما من الناحية الموسيقية فالقد ليس قالباً موسيقياً بحد ذاته لكنه يأخذ شكل القالب الأساسي الذي نشأ منه فان كان بالأصل موشحاً بقي كذلك وان كان طقطوقة أو أغنية بقي كذلك أيضاً، من هنا نرى أن القدود اشتهرت بأسماء مؤلفيها وليس بأسماء ملحنيها المجهولين على الغالب، فالذين الفوا القدود هم شعراء لكنهم يمتلكون ذائقة موسيقية جيدة ومنهم من كان موسيقيا أيضاً.

ومن الصعب لا بل من شبه المستحيل ايجاد حصر دقيق للقدود ومؤلفيها نظراً لعدم وجود توثيق وتحقيق لها، لكننا نجد فى بطون بعض الكتب ذكراً لبعضهم ومنهم الشيخ أبوبكر الهلالي المتوفى في 1183 هجرية ومحمد أبو الوفا الرفاعي (1761-1845) ومن قدوده الشهيرة "وجه محبوبي تجلى بالبها والحسن يجلي" والشيخ أمين الجندي من حمص (1766-1841) وهو أغزرهم انتاجا اذ الف 182 قدا نشرت في الباب الثالث من ديوانه المطبوع في 1900 حيث تمت الاشارة الى كل قد من حيث عروضه الاساسية ونغمته الموسيقية.

واشتهر عدد كبير منها ولازال يغني إلى الان مثل "يا صاح الصبر" و"شقيق الروح نأى عنى" (نغم نوا) و"هيمتني تيمتني عن سواها أشغلتني" (نغم رهاوي) و"يا غزالي كيف عنى أبعدوك؟ شتتوا شملي وهجري عودوك" (نغم أصفهان).

ومن اصحاب القدود ايضا الشيخ محمد الوراق (1828-1910) وله "ان تواصل أو تزرني أيها الظبي النفور" وعبد الهادي الوفائي من حمص (1843-1904) ومحمد خالد الشلبي من حمص ايضا (1867-1926) وأبو الخير الجندي من حمص (1867-1939).
ويعود ارتباط القدود بمدينة حلب دون غيرها إلى احتضان حلب للعديد من الفنون الموسيقية الوافدة اليها بسبب موقعها التجاري والفني المهم ومن تلك الفنون قدود الشيخ أمين الجندي من حمص الذي جاء إلى حلب برفقة ابراهيم باشا عندما زحف إلى سورية في 1831 وجعل من حلب قاعدة لعملياته العسكرية.
وكان الشيخ الجندي من المقربين اليه وجعله من خاصة مستشاريه، وخلال إقامة الجندي في حلب واحتكاكه بأهل الادب والفن تم التعرف على قدوده وانتشارها من هناك فى حين اقتصر غناء قدوده في حمص على الجلسات والسهرات البيتية والنزهات على ضفاف العاصي.

واضافة الى بعض القدود التى تم ذكرها سابقا هناك العديد من قدود الشيخ الجندي التي لا تزال تغنى إلى الآن في حمص ومنها "ما العمر الا مدة الربيع-نغم صبا" و"ان لم تشهد ذا المشهد-نغم بيات" و"يا من عقدت طفلا-نغم حجاز" و"للاغيد الالمى-نغم بيات" و"يا غصن بان يسبي-نغم راست".

ورأى مهتمون بالموسيقى العربية ان من الضرورة بمكان أن يتم جمع وتوثيق وحفظ ما تبقى من قدود بشكل علمي وفني صحيح قبل أن تطويه السنون فيصبح منسياً.