الغلاء يُولِّد الإضراب!

بقلم: جواد البشيتي

رُبَّ ضارة نافعة، فـ "نار" الغلاء، التي أتت على الأخضر واليابس من السلَّة الغذائية للمواطِن العربي "العادي"، شرعت "تَصْهَر" الغالبية العظمى من أبناء المجتمع في "بوتقة واحدة"، حضارية، جيِّدة الشكل والمحتوى؛ وقد يؤدِّي ظهورها ونموِّها إلى اضمحلال وزوال "البواتق" السيئة، والتي أسوأها من "النمط العراقي"، فهذه الضارة، أي الغلاء واستشرائه، قد تدفع الناس في مجتمعاتنا العربية بعيداً عن كل عصبية مُدمِّرة للانتماء الأعلى والأسمى، ولحقِّها في التطوُّر الديمقراطي، فيتَّحِدون، وعياً، وشعوراً، وإرادة، وعملاً، في صراعهم ضدَّ وحش الغلاء، وضدَّ وحشية أولئك الذين يسترخصون آدمية مواطنيهم في سبيل أن يظلوا "مواطنين غير عاديين" في كل شيء.. في الحقوق، والسلطة، والنفوذ، والفساد، وفي ارتكاب "الجرائم القانونية"، أي التي نراها ونسمعها..؛ ولكن يتعذَّر علينا جَمْع الأدلَّة القانونية على ارتكابهم لها، فإذا جَمَعْناها، أو جَمَعْنا ما تيسَّر منها، تحوَّلت، في طريقة شيطانية، إلى أدلَّة على براءتهم.

عندما نتحدَّث عن حقوق المواطن في مجتمعاتنا العربية نَضَع في الصدارة حقوقاً من قبيل "الحق في الحياة"، و"الحق في العمل"؛ ولكنَّ الحق الأهم، في الميزان الواقعي للحقوق، وهو "الحق في الإضراب"، دفاعاً عن لقمة العيش، يُمْسخ، ويُشوَّه، ويُهْمَل؛ وقد يُصوَّر، إذا ما تجرَّأت الضحية على ممارسته، على أنَّه رجس من عمل الشيطان، وتُنْظَمُ في هجائه القصائد الحكومية والإعلامية والسياسية.. والفتاوى أيضاً، فهو أخطر من إسرائيل على الأمن القومي العربي، ويقوِّض "السلم الأهلي"، ويُفْقِد المجتمع أمنه واستقراره، ويتسبَّب في خراب اقتصادي أعظم.

قُلْنا إنَّه "الحقُّ الأهم"؛ لأنَّه السلاح الذي به تذود الضحية عمَّا بقي فيها من آدمية، ويُوسِّع به الإنسان، في مجتمعنا، المسافة، المتقلِّصة في استمرار وعلى نحو متسارِع، بين "الحرِّية" و"العبودية"، في عيشه الاقتصادي والسياسي.

في مصر، جاع الشعب، وتضوَّر جوعاً، وقنط من رحمة صُنَّاع ومهندسي ومنظِّمي الغلاء، فـ "كَفَر" قليلاً، وخرج عن صمته الذي ليس من ذهب، ولبَّى، ولو جزئياً، دعوة إلى الإضراب العام، لعلَّه يُسْمِع من لهم آذان تسمع، فـ "يتنازلوا" له، ولو قليلاً، أي يُقِرُّون له بالحق في لقمة العيش.

وها نحن نسمع من الكلام ما تمجُّه الأسماع، فالإضراب إنَّما هو من صُنْع حفنة من مثيري الشغب والفتن والقلاقل، وكأنَّ في مقدور إبليس أن يُزيِّن الإضراب لعمَّالٍ وموظَّفين، أجورهم ورواتبهم وأحوال وظروف عيشهم الاقتصادية جيِّدة!

إنَّهم، وعلى جاري عادتهم، يُحوِّلون الناس إلى براميل بارود، ثمَّ يلعنون "شرارة" تأتي من هنا أو هناك، فـ "الديمقراطية"، في عرفهم، هي الحق للمواطن في أن يتألَّم إذا ما قرصه الجوع، وفي أن "يتطرَّف" في ممارسته لها أكثر، فيَصْرُخ ألماً؛ أمَّا أن يحاوِل منع أظافرهم من قرصه فهذا إنَّما هو "الفوضى" بعينها، والخروج عن قواعد "اللعبة الديمقراطية"!

يريدون للذي يمكن أن يلقى حتفه وهو يجاهد في سبيل الحصول على "الرغيف" أن يظلَّ متخلِّقاً بأخلاق "المؤمن"، فيَنْبُذ "الإضراب"، ويلجأ إلى "الصلاة"، ويُكْثِر منها، ويَدْعو على آكلي لحوم البشر كما نَدْعو على إسرائيل في صلاة الجمعة؛ أو أن يتخلَّق بأخلاق أعضاء السلك الدبلوماسي، فيَجْلِس مع "الذئاب البشرية" حَوْل طاولة مستديرة، يجادلهم بالتي هي أحسن، ساعياً إلى "إقناعهم" بأنَّ له "حقَّاً معلوماً" في أموالهم التي تعجز عن أكلها حتى نيران الغلاء، فقد يُوفَّق في أن يريهم الحق حقَّاً ويرزقهم اتِّباعه. أمَّا إذا خاب سعيه، فيمكنه، وينبغي له، عندئذٍ، أن يشكو بثِّه وحُزنه إلى "الحكومة"، "المحايدة"، المنزَّهة عن الصراع بين "المتحكِّم في الرغيف" و"الجائع إليه"، ولسوف يرى من النتائج ما يسر الصديق ويغيظ العدى!

و"الإضراب" الذي يتوفَّر على "شيطنته" أولئك "المؤلِّهون" لـ "السوق الحرَّة"، إنَّما هو جزء لا يتجزأ من "قوى السوق"، فليس من غاية للإضراب والمضربين سوى موازَنة غلاء أسعار السلع برَفْع سعر السلعة الوحيدة التي يملكون، وهي "قوَّة عملهم"، فبأيِّ حق ترتفع أسعار كل السلع إلاَّ هذه؟!

ولستُ بمغالٍ إذا ما توقَّعت أن يوصم "الإضراب" بـ "الإرهاب"، و"المضربون" بـ "الإرهابيين"، فنحن في زمن يُزيِّن لنا وصم كل من يخالفنا ويختلف معنا بـ "الإرهاب"!
لقد جوَّعوا الناس، وأمعنوا في تجويعهم، واستسهلوه، فهل كانوا ينتظرون أن تنتهي تجربتهم إلى ما انتهت إليه تجربة ذاك الأحمق إذ قال: "وآسفاه، لقد مات جوعاً بعدما تعوَّد قِلَّة الأكل"! جواد البشيتي