مكتبة تراث داهش، صرحٌ ثقافي في قلب نيويورك

بقلم: د. صالح زياده
كتب.. ومجلة ثقافية ايضا

أنت في مدينة نيويورك، الغابة الكثيفة من الأبنية المتراصة. تشعر بدوخة. كل شيء حولك مبهر. بقاع صغيرة من ارض الله الواسعة تنوء تحت ثقل ناطحات شامخات برؤوسها الحادة وناطحات أقلّ شموخاً وأكثر تواضعاً. ومع أن معظم أبنيتها ينتمي إلى الطبقة المتوسطة والعاديّة فإنّ الصيت والشهرة للناطحات التي تحوّلت مراكز عالميّة للاقتصاد والمال والتجار وإدارة الشؤون والشجون.
تلك هي نيويورك المدينة الاستثنائية التي لا تنام، والمزدحمة بالابنية والأنام، كخلية النحل تدوي آناء الليل وأطراف النهار. وبالرغم من هذا الضجيج في شوارعها، وفي محاولة الإنسان للبحث عن المعرفة، يدرك تماماً أن الذي يعرفه قليل والذي يفهمه أقلّ. فالعقل الإنسانيّ شبر، والمعرفة كالسماء واسعة لا يمكن أن تقاس أو تدرك بهذا الشبر المحدود. وخلال مطالعتي لجريدة الأهرام المصرية في طبعتها الدولية وجدت إعلاناً عن مكتبة تراث داهش بمدينة نيويورك. ومن خلال رقم التليفون المدوّن اتّصلتُ وكان محدثي على الطرف الآخر "مايك" مدير المكتبة، وهو من أصل لبنانيّ. أسلوبه في الردّ والتعارف جعلني أستبق الزمن والخطى حيث وجدتني بعد ساعات متجهاً من بروكلين إلى مانهاتن إلى محطة كولومبس سيركل (عمارة نيوزويك)- الطابق الخامس حيث مقر المكتبة.
ومع حرارة الإستقبال والجوّ المشبع بعبق التاريخ وأصالة الواقع ورصانته وحداثته، لا يستطيع الزائر أن يخفي شعوره بالغبطة والفرح والاعتزاز، إذ أحسست بأنني في واحة عربية ظليلة ضمن صخب مدينة نيويورك: كلامٌ عربيّ وصور وعناوين وخطوطٌ عربيّة جميلة في كلّ مكان تأخذ مكانها براحة على اللوحات والحوائط، ففي أحد الغرف لوحة من الخط العربي الأنيق محتواها قولٌ مأثور للدكتور داهش الأديب والفيلسوف اللبناني الذي ناهزت مؤلفاته المائة كتاب في مختلف حقول الأدب: أحبّ الكتب حبَّ السكارى للخمر
لكني كلما ازددت منهَا شُرباً زادتني صحواً
ثم وجدت نفسي أشعر براحة تامة حين تحدثت إلى روّادٍ وبعض طلاّب الجامعات كانوا يجولون وينقبون رفوف المكتبة. ثمّ رحت أجول من غرفة لأخرى وأقلب بأصابعي عناوين الكتب الكثيرة التي صنفت ورتبت بشكل علمي بديع. وجدت مجموعة من كتب التراث العربي تشمل أفضل ما أنتجه الكتاب العرب المحدثون في حقول الأدب والشعر والفلسفة والتاريخ، والدين والفنون الجميلة والموسيقى، كذلك أكبر مجموعة قواميس ومعاجم باللغة العربية وفي سائر اللغات العالمية التي يناهز عددها ثمانين لغة.
وجدت أيضاً عشرات الروائع العالمية في ترجماتها العربية، فضلاً عن روائع عشرات الآثار العربية في ترجماتها الإنكليزية. فثمة كُتب لأنيس منصور ويوسف السباعي ومحمد حسنين هيكل وجبران خليل جبران، أمين الريحاني، جرجي زيدان، نزار قبّاني، محمود درويش، طه حسين، عبَّاس محمود العقّاد، نجيب محفوظ، زكي نجيب محمود، محمد حسنين هيكل، إبراهيم نافع، توفيق الحكيم، عبد الحميد جودت السحّار، محمود السعدني، ثروت أباظة، ، يوسف إدريس، جمال الغيطاني، غاده السمّان، حنان الشيخ، محمد عابد الجابري، محمد حسين هيكل باشا، الدكتور داهش، فرج فودة، نوال السعداوي، قاسم أَمين، محمّد عبده، سعد زغلول، يوسف السباعي، عبدالله القصيمي، محمّد عمارة، جمال حمدان، أمين معلوف، تركي الحمد، قاطمة المرنيسي... وكثيرون سواهم.
ثمّ إستمعت لشرح وافٍ من مدير المكتبة، وأدركت مدى التميز والتفرد اللذين تتصف بهما هذه المكتبة القائمة في مدينة نيويورك، ومما قاله لي إنّ الطلب على تعلّم اللغة العربيّة يتزايد يومٌ بعد يوم وهناك العديد من الجامعات الأمريكية إفتتحت مؤخراً فروعٌ لتدريس اللغة العربية والجدير بالذكر، أنّ اللغة العربيّة أصبحت لغة عالميّة.
والمكتبة تبيع كتباً في مختلف اللغات العالمية وفي مقدمتها العربية والانكليزية والفرنسية والأسبانية والألمانية، وهي أيضا مسئولة عن توزيع مجلة "صوت داهش" وهي مجلة ثقافية فصلية صادرة من مدينة نيويورك باللغتين العربية والانكليزية.
يرتاد مقر المكتبة بصفة يومية كثيرٌ من الطلاب والدارسين والباحثين والأساتذة العرب في معظم كبريات الجامعات الأمريكية. كذلك المفكرون والكتّاب والأدباء والإعلاميون، بل حتّى رجال المال والأعمال المهتمون بالفكر والثقافة. وتشارك المكتبة في المعارض الهامة والمتميزة داخل وخارج أمريكا مثل معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومعرض فرانكفورت، والمعرض السنوي تقيمه جامعة نيويورك للكتاب، ومكتبة تراث داهش تعتبر أنها المكتبة العربية الوحيدة التي شاركت فيه خلال الأعوام الماضية. ومن خلال تردّدي على فروع المكتبات العامّة في بروكلين ومانهاتن، وجدت أن الاهتمام يتزايد بالكتب العربية المطبوعة في السنوات الأخيرة، وكنت سعيدا عندما عرفت أن معظم هذه الكتب قد تم إحضارها من خلال مكتبة تراث داهش في نيويورك، لأنه هناك مكتبات عربية يغلب عليها الطابع الإسلامي البحت وقد أهملت إن المثل الصيني الشهير يقول: "إسأل سؤالا، فقد تبدو جاهلا لمدة خمس دقائق، لكن إن لم تسأل سؤالا فقد تظل جاهلا مدى الحياة". وعندما سألت عن مكتبة تراث داهش فتحت لي طاقة من المعرفة ودائرة اتصالات مع كتّاب وأدباء وشعراء وإعلاميّين ومهتمّين بالفكر تشرّفت بالتعرف عليهم والتزود من المهن. إنه لمن دواعي الفخر والإعتزاز أن يكون لنا نحن العرب مكتبة متميزة في وسط نيويورك، قلب الدنيا.
هناك أيضاً كثيرون من الأمريكيين وغيرهم من جنسيات العالم المختلفة الباحثين عن كتب أو موضوعات معينة يجدون ضالتهم المنشودة في مكتبة تراث داهش. ولن أخفي حقيقة قد لمستها عن سر التألق والتميز اللذين تبدو بهما هذه المكتبة للمتعاملين والزائرين والروّاد،إذ إن طاقم الإدارة والمسئول عن إدارة المكتبة على أرقى مستوى أكاديميّ وأخلاقيّ. لي أصدقاء كانوا في حاجة للتزود بمراجع وكتب معينة، و كان لمكتبة تراث داهش الفضل واليد الطولى في تأمين وصول هذه المطبوعات لأيديهم. إنني أتمنى أن أجد كثيراً من امثالها في أمريكا وأوربا لتكون صورة مشرفة للفكر والإبداع العربي، كما إنني أعتزّ وأفتخر بوجود هذا الصرح الثقافيّ العربيّ وسط عاصمة العالم لنرد على أصحاب نظرية أنّ العرب لا يقرأون.. فالباحثون عن المعرفة يزداد عددهم يوماً بعد يوم ، إدراكا منّا بأنّ المعرفة قوّة، ونحن نعيش زمن القوّة.
خرجت من المكتبة لارتباطي بمواعيد أخرى. ودّعت المسؤول، لكن أفكاري بقيت هناك تجوب جدران الدار وزواياها وعيناي مسمّرتان أمام الكتب الأنيقة، وأصابعي تقلب صفحاتها الممتلئة بالافكار الجميلة كالسنابل والعناقيد، وأنفاسي تختلط بالروائح والعطور المنبثقة من دواوين المتنبي والبحتري، وأحاسيسي تمتزج بأحاسيس جميل وقيسٍ وعمرٍ! د. صالح زياده، صحفي وأستاذ اللغة العربيّة مقيم في نيويورك