جهود أميركية فاشلة لانتشال الاقتصاد من أزمته الخانقة

واشنطن
الادراة الاميركية السبب الاساسي في اندلاع ازمة الرهن العقاري

لحقت بالاقتصاد الأميركي مؤخرا أزمة طاحنة سببت قلقا بالغا ليس فقط داخل الولايات المتحدة ذاتها وإنما في جميع أنحاء العالم خوفا من الآثار السلبية لهذه الأزمة على معدل نمو الاقتصاد العالمي خصوصا بعد أزمة الرهن العقاري التي شهدتها أميركا مؤخرا.

وحاولت الإدارة الأميركية التي يعتبرها الكثير السبب الأساسي في هذا الأزمة جراء السياسات التي اتبعتها على المستويين الداخلي والخارجي، معالجة هذه الأزمة بصورة فاعلة وسريعة خصوصا مع قرب موعد الاستحقاق الانتخابي في نوفمبر/تشرين الثاني، والذي بالتأكيد سوف تخيم عليه ظلال هذه الأزمة، الأمر الذي سيؤثر قطعا على فرص المرشح الجمهوري جون ماكين في الفوز بها.

واهتمت وسائل الإعلام هذا الأسبوع بهذه الأزمة ومظاهرها المختلفة، والتي تجلت في عدد من الأزمات في القطاعات الاقتصادية المختلفة سواء الأسواق المالية أو الرهن العقاري أو مجالات الطاقة وأسعار البترول إلتى وصلت إلى أرقام قياسية تخطت حاجز المائة دولار.

الإدارة الأميركية: جهود مضنية لحل الأزمة

من جانبها تناولت وحدة الأعمال الاقتصادية في شبكة "أي بي سي" الخطة التي قدمها وزير الخزانة الأميركى هنري بولسن والتي أطلق عليها مسمى "مخطط إعادة الهيكلة" لإعادة التوازن إلى القطاع التمويلي في الولايات المتحدة وزيادة الدور الرقابي للحكومة والوكالات الفيدرالية على التعاملات المالية في الولايات المتحدة.
وفي هذا الصدد أعد سكوت مايروتز تقريرا أكد فيه أن هذه الخطة ليس من المتوقع لها أن تحدث تغيرا في القريب العاجل يعود بالنفع على الاقتصاد الأميركي، وبالتالي فان اثر هذه الخطة لن يظهر قبل أن ترحل الإدارة الأميركية الحالية خصوصا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
وعلى هذا الأساس يشير التقرير إلى ان هذه الخطة لا تهدف إلى معالجة الوضع الحالي للاقتصاد الأميركي وإنما تستهدف منع المشكلات التي قد تحدث في الأسواق الأميركية في المستقبل.

خطة بولسون: ماذا يمكن أن تقدم للاقتصاد؟

وعن تفاصيل هذه الخطة أشار مايروتز إلى أنها سوف تعطي مزيدا من الصلاحيات لوكالة الاحتياطي الفيدرالي على حساب الوكالات الحكومية الفيدرالية الأخرى، كما أن هناك العديد من الوكالات التي سوف يتم دمجها في وكالات موجودة أو في وكالات جديدة سوف يتم إنشائها.

ولفت مايروتز الانتباه إلى أن القواعد التي تنظم النظام المالي داخل الولايات المتحدة تم وضعها عقب فترة الكساد العظيم الذي ضرب الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي في الثلاثينيات من القرن الماضي، وبالتالي كان لابد من تعديل هذه القواعد حتى تكون قادرة على التعامل مع المشكلات والعقبات إلى تفرضها ظروف الواقع المعاش والتي هي بالضرورة تختلف عن تلك التي كانت موجودة في فترة الثلاثينيات.

إعادة الهيكلة تثير ردود فعل متضاربة

أما صحفية الواشنطن بوست فقد اهتمت بردود الفعل إلى أثارتها الخطة التي قدمها وزير المالية، وأشار تقرير أعده ديفيد تشو وآخرون للصحيفة إلى أن الكثير من جماعات حماية المستهلك والديمقراطيين انتقدوا الخطة بشدة، على أساس أنها تحمي فقط احتياجات ومصالح الأسواق المالية وليس المستهلك الأميركي.
وقد لفت التقرير الانتباه إلى انه ليس فقط المستهلكون الأميركيون هم الذين لديهم هواجس وقلق من هذه الخطة، بل إن هذه الخطة سوف تسحب العديد من الصلاحيات من بعض الوكالات الفيدرالية لصالح وكالات أخرى بينما سيتم إلغاء بعض الوكالات أو دمجها في كيانات جديدة، الأمر الذي خلق تخوفا وهواجس لدى العديد من المسؤولين والموظفين داخل هذه الوكالات على مستقبلهم الوظيفي، حيث أن هذه الخطة بما تحتويه سوف تلغي العديد من المواقع الوظيفية داخل هذه الوكالات الفيدرالية.

ومن هنا أكد تشو أن هذا الخطة هي كبيرة أكثر من اللازم مما قد يؤثر كثيرا على فرص نجاحها في التطبيق الواقعي، لأنها تقوم على عمل العديد من التغييرات الجذرية التي لا يمكن تطبيقها هكذا بين يوم وليلة في مؤسسات نشأت منذ أكثر من نصف قرن، ويصعب عليها أن تتقبل وتتعاطى مع هذه التغيرات بسهولة.
وهناك أيضا العديد من جماعات المصالح والضغط (اللوبيات) رفضت الخطة لأنها سوف تقضي على الامتيازات التي كان يتيحها لهم النظام المصرفي القديم التي تستهدف الخطة إحلاله بنظام آخر جديد.
وامتدح البعض هذه الخطة على أساس أنها توضح وتحدد الدور الرقابي للحكومة الأميركية على الأسواق المالية في الولايات المتحدة، على اعتبار أن خطة الإصلاح هذه ستعمل على إعادة النظر في الطريقة التي تراقب بها الحكومة الأميركية العمل داخل بورصة وول ستريت من خلال اقترح إنشاء عدد من الأجهزة التنظيمية الجديدة، إحداها سوف يشرف على عمل البنوك، والأخرى بمثابة آلية تنظيمية سوف تشرف على حماية المستهلكين الأميركيين.

الأزمة تبقى دون حل

أما صحيفة نيويورك تايمز فاتخذت موقفا هجوميا من خطة الإصلاح المالي التي أعلنت عنها إدارة بوش واعتبرتها نوعا من الاستعراض الإعلامي نتيجة فشلها في إدارة الأزمة الطاحنة التي يمر بها الاقتصاد الأميركي دون القيام بشيء جوهري يساعد على حل هذه الأزمة.

وأشار التقرير الذي أعده الكاتب بول كروغمان إلى أن المشاكل المالية التي عايشها النظام المالي في الولايات المتحدة على مدار السبعة شهور الماضية تؤكد أن النظام المالي الأميركي في حاجة ماسة إلى إصلاحات جوهرية.

وأكد كروغمان أن إدارة بوش منذ توليها الحكم في الولايات المتحدة وهي تراقب القطاع المالي حاولت قدر الإمكان أن تخلق قطاعا مصرفيا تنافسيا يقود الاقتصاد العالمي، لذلك أعطت هذا القطاع حرية كبيرة في العمل، مما أثّر كثيرا على القدرة الرقابية للحكومة الفيدرالية.
وأدى ذلك إلى العديد من المشكلات إلى ظهرت مؤخرا، وبالتالي دفعت هذه التطورات الإدارة الأميركية إلى تقديم خطة إعادة هيكلة القطاع المالي التي أعلن عنها وزير المالية مؤخرا لمعالجة المشاكل التي تمخضت عن سياساتها على مدار الأعوام الماضية من حكمها والتي أفضت إلى تحرير القطاع المالي تماما وغياب العديد من الآليات الرقابية.

لذلك يشير كروغمان الى أنه كان لزاما على الإدارة أن توسع من السلطات الرقابية والتنظيمية للوكالات الفيدرالية، والذي يمثل تراجعا عن أيديولوجية وأفكار السوق الحر الذي تؤمن بها الإدارة الجمهورية والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وبات واضحا أن الإدارة الأميركية قد وقعت في خطأ كبير ولكنها ترفض الاعتراف به، الأمر الذي اعتبره الكاتب أن الإدارة الأميركية لم ولن تعترف بمثل هذا الخطأ الفادح الذي ارتكبته.

ولفت التقرير الانتباه إلى أن الإدارة الأميركية لم تتعلم شيئا من الأزمة الحالية وأنها فقط أعلنت عن الخطة من اجل أن تظهر أمام الرأي العام بمظهر الذي يسعى بشتى الطرق لمواجهة الآثار السلبية لهذه الأزمة.

أزمة الرهن العقاري تشعل المنافسة الانتخابية

أما برنامج "القضية الاولى" على شبكة سي أن أن فقد اهتم بالآراء التي طرحها مرشحو الرئاسة للانتخابات القادمة حول المشكلة الاقتصادية التي يواجهها المجتمع الأميركي في الوقت الحالي.
واعدت دانا باش تقريرا بدأته بطرح سؤال "المرشحون وأموالك، هل يمكن لأي منهم تقديم الوصفة التي يحتاجها الاقتصاد؟".
واستضاف البرنامج جون ماكين الذي أكد على أن الحكومة يجب أن تسهل الكثير من الأشياء، وبالتالي لابد أن تكون التعاملات مباشرة بين العملاء وأصحاب الأعمال دون الحاجة إلى وسطاء أو مضاربين من "معدومي الضمير" والذين كانوا حسب رأيه، السبب الأساسي في تفاقم الأزمة المالية التي تمر بها الولايات المتحدة في الوقت الحالي.

وأكدت باش على أن ماكين لم يذكر شيئا عن أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة ولا عن الحلول التي يقترحها لمواجهتها، وكل ما ذكره البرنامج الانتخابي للمرشح الجمهوري هو انه في غضون الأسابيع القادمة سوف تكون هناك خطة اقتصادية بتفاصيل معينة تنتشل الاقتصاد الأميركي من عثرته دون أن تحدد هذه التفاصيل.

وفي هذا السياق أستضاف التقرير السيناتور كريس دود والذي كان احد المرشحين في السباق إلى الرئاسة الأميركية اذ أشار إلى أن هناك عدة أسابيع يستطيع خلالها أي من المرشحين الثلاث تقديم حل لهذه الأزمة التي دخلت عامها الأول دون وجود حلول ناجعة لها.
ومن ثم فإن البلد في حاجة إلى قيادة حقيقية تستطيع إخراج الولايات من هذه الأزمة التي جعلت الأميركيين غير مطمئنين على منازلهم ووظائفهم وإمكانية خسارة كل هذا في أي لحظة.

الطاقة معضلة جديدة تواجه الرئيس القادم

ومن جانب أخر، تعرض التقرير الذي إذاعته الشبكة إلى مظهر أخر من مظاهر الأزمة التي يعيشها الاقتصاد الأميركي منذ فترة ليست بالقصيرة وهي أزمة الطاقة والتي برزت في المستويات الجنونية لأسعار البترول أخيرا.
وتناول التقرير المقترحات التي قدمها المرشحون الثلاثة في السباق الرئاسي لمواجهة أزمة الطاقة التي يجابهها المجتمع الأميركي وتشير كافة المؤشرات إلى تضخم هذه المشكلة في المستقبل.
ولفت التقرير الانتباه إلى أن المرشحة هيلاري كلينتون قدمت خطة تقوم على خفض استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة بنسبة 20% بحلول عام 2020، كما تحدثت أيضا عن تخصيص مبلغ 50 مليار دولار سوف يدفع جزء منه من جانب الشركات النفطية من اجل عمل الأبحاث في مصادر بديلة للطاقة، في حين تعهد باراك أوباما بخفض انبعاثات الكربون بنسبة 80% واستثمار حوالي 150 مليار دولار في مصادر الطاقة البديلة خلال العشرة أعوام القادمة.
أما جون ماكين فسياساته الخاصة بالطاقة مازالت غامضة ولم يوضحها بعد ولكنه تحدث عن تقديم حلول علمية وتكنولوجية لزيادة كفاءة الوقود.

ويصل التقرير إلى نتيجة مفادها أن هذه السياسات التي طرحها المرشحون من اجل إيجاد حلول عاجلة لأزمة الطاقة تؤكد أهمية هذه المسألة كأحد الأوراق التي يمكن أن ترجح كفة مرشح على أخر في السباق إلى البيت الأبيض، وتعبر عن الأهمية الكبيرة التي يوليها الناخبون الأميركيون لهذا الموضوع الهام الذي يؤثر على حياتهم اليومية بصورة مباشرة، فضلا عن العديد من الصعوبات التي يواجهونها في ظل هذا الاقتصاد المترنح والذي يمر بأزمة خطيرة.