في الذكرى الخامسة للحرب: الأكراد.. إخفاق في الداخل ونجاح في الخارج

بقلم: فاروق حجي مصطفى

قد لا يختلف احد في ان النظام الحالي، أيا كان وضعه، أحسن من النظام العراقي السابق، والعراقيون ينزلون الى الشارع بحرية تامة يصيحون ويتهمون الزعماء الحاليين بدون ان يتفوه احد وبدون ان يرد احد عليهم. هم أحرار.
في وقت كان النظام السابق يتحدى كل عراقي ينزل الى الشارع او ان يبدي انزعاجه من تطور ما، حتى كان بوسع النظام السابق ان يحاسب احد على نياته. ولعل قطع الآذان والأنوف والأيدي شاهد على فظاعة النظام السابق. ويمكن القول ان الحكم الحالي، صحيح انه يدور في لب الدوامة او الأزمة السياسية يمثل عدد من الشرائح المجتمعية، ويحظى بالشرعية، حيث لعدد من المرات بعد سقوط النظام عبر العراقيون عن آرائهم واختاروا من يمثلهم في الحكم وفي مجلس النواب.
بعد خمس سنوات من عذاب الاحتلال وفظاعة الإرهابيين يتدرب العراقيون على الديمقراطية وعلى توليف أنفسهم مع النظام الحكم الجديد. ولا يستغرب احد بان ما يعيشه العراقيون اليوم أشبه بعذاب القحط، لكن الآمال مازالت قائمة وإنهم مهما تأخروا في البلوغ إليها فأنهم في نهاية المطاف سينعمون بالحرية والعيش الكريم.
خمس سنوات مرت والإنجازات تتكاثر كالفطر وتتقلص العمليات الإرهابية ويتقلص معها الخوف من المستقبل المجهول. مهما كان الوضع فان العيش مع نظام مصدر شرعيته هي التعددية أفضل من نظام شمولي ينحصر مصادره في قوة القائد الملهم. فالأنظمة الشمولية يصعب التعايش والعيش معها. فلا صوت يعلو فوق صوت الازلام، ولا حرية غير حرية السلطان.
بيد ان الوقائع على الأرض تثبت ان ما سعى العراقيون الجدد لتحقيقه تعود الفائدة فيه الى كل الفئات العراقية. وربما لا نرى الصورة كما يحلو لنا لكن ماذا بوسع العراقيون فعله؟ فالاحتلال من جهة والمعارضة في أزمة ولعل سبب أزمتها تعود الى التقليدية التي تحكمها. هذا عدا عن كل معارضة أسيرة لطائفتها والعراق احد أسوأ مشاكله هو الافتقار الى المعارضة الوطنية. فالمعارضات التي تعمل بريموت كونترول لا تفي بأي وظيفة للشعب وللمجتمع وأحيانا تنزلق نحو أعمال تخالف المصالح المجتمعية.
استطرادا، فان الأكراد هم جزء اساس الشعب العراقي. وحصيلة حراكهم في هذه السنوات الخمس لا تنسجم كثيرا مع آمال الشارع الكردستاني وان كانوا محاطين بهالة تظهر للعيان وكأنهم أقوياء وفاعلين في تحقيق الحرية التامة لشارعهم. إلا ان الوقائع تثبت بأنهم (الأكراد) باقون في حال العجز أمام استحقاقات المرحلة الكردية. فثمة إخفاق واضح على المستوى الداخلي. ولعل السبب معروف في ان القوى العراقية الاخرى غير منسجمة معهم مما يدفعهم الى ان يكونوا في هذه الخانة. نعم ان العراقيين فشلوا في خلق حالة من الانسجام المجتمعي وفشلوا في بناء دولة الشراكة والتعايش وانزلقوا نحو الطائفية والقومجية. فنبرة الوطنية والديمقراطية كانت اخف بالنسبة للنبرة الشعاراتية. وعجزوا عن تسمية شكل الدولة، فالأكراد يرددون "العراق الفيدرالي" والشيعة تكتفي بصيغة العراق والتركمان يقولون بأننا مضطهدون ومهمشون.حتى العلم العراقي فأن التغيير الذي حصل في تصميمه كان تغييرا خجولا وغير مبرر.
والحال، ان ما يعيشه الأكراد اليوم ويظهرون بأنهم بان أصحاب النفوذ وبيدهم كل الشيء وان لا شيئ يطبخ في العراق والا وللأكراد اصبعا فيه او أنهم أصحاب اليد الطولى. لكن في الواقع أنهم بقيوا عاجزين عن تدبير أمورهم مع الواقع العراقي الصعب. ولم يتمكنوا من تطبيق أي بند دستوري في المرحلة الانتقالية مثل قانون 85 في الدستور الانتقالي والبند 140 في الدستور الدائم، مع ان الأكراد انتزعوا هذين البندين من القوى العراقية المعارضة في ذلك الوقت.
والآن هم في صلب الحكم ولا يستطيعون فرض ان كركوك مدينة عراقية لكن هويتها كردية وان الاستفتاء سيحدد مستقبل هذه المدينة الغنية بالنفط. لم يستطع الأكراد ان يقدموا علما للعراق فيه علامة تشير الى ان الأكراد شركاء في الوطن، فإزالة النجمات من العلم لا توحي للأكراد بشيء بقدر من انها تشير الى تغيير العلم.
دعونا نراجع سوية الاخفاقات الكردية.
1- الدستور الذي يؤمن للأكراد دور الشراكة، مهدد وأصبح معروفا ان أي مصالحة وطنية لا تتم إلا بتغيير الدستور وهذا سيكون على حساب الأكراد.
2- كل القوى العراقية العربية (من الشيعة والسنة) متفقة على ان ان لا ترجيع للمناطق المستعربة التي يقول الأكراد بانها جزء من إقليم كردستان الى حضن الإقليم برغم من صيحات لسكان عدد من المناطق تطالب بضم مناطقهم الى إقليم كردستان. ويمكن القول ان سكان تلك المناطق انضموا الى المواطنين الإقليم في حين بقيت أراضيهم وقراهم خاوية منتظرة قرار الحكومة المركزية (الايزيديون على سبيل المثال وكذلك الشبك والكلدو-اشوريون).
3- لم يستطع الكرد ان يؤسسوا لعلاقة صحيحة بينهم وبين الأكراد (الغرّبة) المتواجدين على أراضيهم خصوصا، مع أكراد تركيا واقصد هنا حزب العمال الذي ما ان يحدث حدثا في تركيا حتى تقوم تركيا بتهديد كردستان. ونفس الشيء يقال عن علاقة أكراد العراق مع أكراد إيران الذين يقدرون وضع كردستان ويعملون بهدوء في داخل أراضي كردستان وكذلك أكراد سوريا الذين يعتبرون أنفسهم بأنهم ضيوف على حكومة إقليم كردستان ليس إلا.
4- عجزت الحكومة الكردية عن إيجاد آلية مع حكومة العراق المركزية خصوصا ما يتعلق الأمر بقانون النفط والغاز.
5- فشل الأكراد في تنظيم وضع المعارضة الكردية العراقية في داخل الإقليم وشلوا حركة المجتمع المدني في كردستان بدلا من ان يكون لمنظمات المجتمع المدني وظيفة مخالفة عن وظيفة الحكم، فنجدها أصبحت الآن جزءا من الحكومة. وهذا يحول دون مساعدة الشرائح المجتمعية في إقليم كردستان ولا يسهم في العمل على تجنب حكومة الإقليم من الانزلاق نحو الديكتاتورية. فمنظمات المجتمع المدني الكردي لا تقوم بوظيفتها الخاصة. نعم هناك تشويش على الوظيفة لدى هذه المنظمات بشكل عام. فمثلا في سوريا تقوم وظيفة منظمات المجتمع المدني على الدفاع عن الحريات وحقوق المواطنين، وأجبرتها الظروف السورية ان تحمل شعارات سياسية بدلا من حقوق المطلبية او دور الارتقاء بمستوى الوعي المجتمعي. وكذلك في تركيا فان دور منظمات المجتمع المدني يختلف مع كردستان العراق، لكنها وان كانت ذات حركة بطيئة، إلا انها حافظت على هويتها كمنظمات للمجتمع المدني وهي من جهة تطالب بحقوق الإنسان ومن جهة أخرى تعمل بقوة على منع تتحول الحكم في تركيا الى الاسلمة او الى البقاء تحت سوط العسكر. أما في إقليم كردستان فان هذه المنظمات، وبالرغم من الدعم الدولي غير المحدود، فانها تعمل او ترى نفسها جزءا من وظيفة الحكم الكردي الذي أسس بالمناصفة بين حزبي الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني. مع ان بإمكانها ان تلعب دورا من خارج الحكومة. فوضع منظمات المجتمع في كردستان لا تختلف كثيرا من وضع المنظمات الأهلية في الدول الشمولية. والحق وفي مثل هذا الوضع فان لمنظمات المجتمع المدني دورا كبيرا في التغيير المجتمعي وتصحيح وضع الحكومات فهي الوحيدة القادرة على ان تصحح علاقة المجتمع مع السلطة. طبعا إذا كانت حرة وغير مخترقة من عناصر السلطة.
أما على المستوى الخارجي فحقق الأكراد إنجازات كبيرة. فهم استطاعوا ان يميزوا أنفسهم عن حكومة العراق. فلم تستهلك حكومة كردستان نفسها في الخلافات مع دول الجوار. ومنذ اليوم الأول للتوتر الأميركي التركي، لم يقطع الأكراد علاقتهم مع تركيا بل طالبوا بتعزيز هذه العلاقة مع ان الأميركان وفي أكثر من مرة هددوا تركيا ونبهوها بان وضعها قبل الحرب يختلف من بعد الحرب. ونفس الشيء مع إيران وبالرغم من القصف الإيراني المتكرر وبشكل يومي فان العلاقة تتعزز فلايران قنصليات وعلاقات مميزة مع الحكومة الاقليمية في كردستان.
واستطاع الأكراد ان يتواجدوا بقوة في الأمم المتحدة وفي السفارات العراقية ولهم علاقات متميزة مع معظم المنظمات الدولية وفي الشخصيات الفاعلة في أوروبا و أميركا. واستطاعوا استقطاب استثمارات أجنبية وإقليمية كبيرة في كردستان العراق.
ويملك الاكراد علاقات متميزة مع روسيا بالرغم من توتر العلاقة الروسية الأميركية. بإضافة الى تواجد روسي دبلوماسي فان روسيا وبفضل هذه العلاقة لم تصرح يوما بأنها تعارض تحقيق الأكراد مطالبهم.
اخفق الأكراد على المستوى الداخلي إلا أنهم بالاخذ في الاعتبار الفترة الزمنية قصيرة، حققوا إنجازات ضخمة نسبيا للوضع الكردستاني المتغير. فاروق حجي مصطفى
صحافي وكاتب سياسي كردي سوري