ماذا بعد مناورات إسرائيل العسكرية وتطميناتها الدبلوماسية؟

بقلم: د. خليل حسين

عندما تلجأ الدول إلى المناورات العسكرية في بيئة غير مستقرة فهذا يعني أنها اتخذت قرار الحرب ضمنا، وعندما توجه رسائل تطمينات إلى دول بعينها فهي تحتمل التأويل ، فإما تحاول تحييدها مرحليا، وإما تبتغي تضليلها، وفي كلا الحالتين الهدف الاستراتيجي واحد وهو توجيه الضربة لمن يعنيه الأمر. فما هي خلفيات المناورة "الإسرائيلية"؟ وما هي أبعادها المستقبلية؟
في الجبهة الداخلية "الإسرائيلية" السياسية والعسكرية ثمة قراءة دقيقة لتقرير فينوغراد الأمر الذي يعني على الأقل أنها أجرت مناورات "اللحظة الحرجة" ليس بهدف الاتعاظ فحسب بل الاحاطة بظروف أية معركة قادمة، وهذا ما توضحه نوعية المناورة وحجمها وشمولها، وهي بطبيعة الحال المناورة الأولى التي تُجرى بهذا التوصيف والتكييف الاستراتيجي منذ إنشاء الكيان "الإسرائيلي"، وفي هذا الصدد يمكن إدراج العديد من الأهداف والخلفيات التي تبتغيها على المستويين الداخلي والخارجي وأهمها:
- لقد وضعت تل أبيب استراتيجية جديدة في العقيدة العسكرية "الإسرائيلية" وهي تعويد الداخل "الإسرائيلي" على العيش في جو المعركة القادمة بعدما خاضت جميع حروبها ضد العرب خارج الكيان باستثناء عدوان 2006 على لبنان ، ما يعني أن القوة العسكرية باتت عاجزة عن سد ثغرة انكشاف الجغرافيا العسكرية الداخلية وبالتالي أن أي معركة قادمة ستشمل عسكرة قطاعات كانت في الماضي بعيدة عن المعارك الفعلية التي خاضتها "إسرائيل".
- الجديد أيضا إدخال نوعيات استثنائية في تقنيات وآليات المناورة وهي إشراك قطاعات محددة في ظروف غير تقليدية من الناحية العسكرية وهي مواجهة حرب غير تقليدية من النوع النووي أو البيولوجي أو الكيميائي، ما يعني أن "إسرائيل" بدأت تفكر جديا بأن توازن الرعب مع أعدائها بات موجودا وهي خيارات قابلة للاستعمال.
- للمرة الأولى أجرت إسرائيل مناورة عسكرية نوعية بعد هزيمة موصوفة مترافقة مع رسائل دبلوماسية واضحة لمن من المفترض أن المناورة موجهة ضدهم، ما يعني توجيه رسائل متعددة الاتجاهات ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر، تهديد ووعيد معلن وخوف ورعب مبطن.
وإذا كانت هذه السوابق في العقيدة العسكرية "الإسرائيلية" تشكل منعطفا في سلوك "إسرائيل" العدواني فما هي الأبعاد التي أرادت "إسرائيل" إيصالها من "اللحظة الحرجة" التي عاشتها حقيقة واقعة في مناورتها.
عندما افتتح رئيس الحكومة ايهود اولمرت جلسته الطارئة بدأها بعبارة "نشبت الحرب" وان تكن بدلالاتها الرمزية لا تعني سوى التذكير بأجواء الشحن العسكري، إلا أن ما قاله وزير الدفاع ايهود باراك بأن إسرائيل لا زالت أقوى دولة في المنطقة في شعاع 1500 كلم من القدس يعني المدى الحيوي الذي تمتلكه الآلة العسكرية "الإسرائيلية"، وهو بعبارة أخرى كلام موجه إلى دول إقليمية محددة ذات بُعد عدائي بالنسبة إليها، الأمر الذي يوضح الحقائق غير المعلنة من المناورة.صحيح ان استعراض التاريخ العسكري للحروب الاسرائيلية السابقة يثبت تفوقها النوعي على الاعداء التقليدين لها لجهة دول الطوق الجغرافي لفلسطين، الا ان متغيرا استراتيجيا آخرا ظهر في العقد الأخير تمثل بتهديدات من انواع اخرى، ابرزها عدم قدرة اسرائيل على مواجهة اساليب عمل المقاومة الشعبية المسلحة كالنموذج اللبناني، وعدم قدرتها على استيعاب امكانية وجود توازن رعب مع قوى اخرى في المنطقة يشل قدراتها النوعية غير التقليدية في عمليات الرد في اي معركة قادمة.
واذا كانت الرسائل الموجهة ذات طبيعة مزدوجة لجهة الجغرافيا العسكرية، سوريا وحزب الله من جهة ، وايران من جهة اخرى، فان طبيعة المواجهة من وجهة النظر "الاسرائيلية" تقتضي التحسّب لمخاطر لم تكن موجودة في السابق، وعليه فان الحسابات ستكون مختلفة عند انطلاق الرصاصة الأولى في المعركة القادمة؛وهذا ما صرح به بشكل واضح وزير البنى التحتية بنيامين بن اليعازر بقوله"ان كل هجوم ايراني على اسرائيل سيقابل برد يقود الى تدمير الامة الايرانية" الامر الذي يترجم من الناحية العسكرية ان استعمالاً لأسلحة غير تقليدية سيكون الملاذ الأخير "لإسرائيل"، وفي حقيقة الامر لا تعتبر هذه الاستراتيجية سابقة في العقيدة العسكرية، فقد سبق "لاسرائيل" ان هددت باستعمال هذه الخيارات في حرب 1973.
واذا كانت الاهداف المعلنة لهذه المناورة الاستفادة من دروس وعِبر حرب لبنان 2006 ، فان غير المعلن منها هو محاكاة المتغيرات المستجدة في مسار اي معركة مقبلة والتي تتطلب التعامل مع ظروف وتقنيتت وآلات مختلفة، وهي من النوع الذي يلامس "الوجود" الذي يعتبر من مهام وركائز العقيدة العسكرية "الاسرائيلية".
في الجهة المقابلة، ثمة قراءة متأنية ركيزتها عدم الاستخفاف والاستعداد للرد عند الانتقال من المرحلة النظرية الى العملية، وهذا ما بدأته المقاومة قبلا بمناورتها قبل ثلاثة اشهر، وهي تتابع تفاصيلها الدقيقة بمعزل عن مجريات وتداعيات هذه المناورة تحديدا، وهي وان ترى ان ظروف المعركة ليست قريبة لكنها تعلم ان المواجهة قادمة لا ريب.
وبطبيعة الأمر فان لايران ولسوريا حساباتهما الخاصة في التعاطي مع تداعيات المناورة، وهما تدركان تماما ان المناورات العسكرية للدول تجد دائما بيئة للصرف السياسي والعسكري، فايران اجرت عدة مناورات ضخمة في فترات سابقة، وكذلك الامر بالنسبة لسوريا، الأمر الذي يعني ان حسابات المواجهة هي اكثر بكثير من عدمها، وبالتالي ان تعاطي كل من طهران ودمشق مع تداعيات المناورة "الاسرائيلية" من النوع الجدي، سيما وان السوابق الاسرائيلية تشكل خارطة طريق عدوانية على دول المنطقة.
تذهب الجيوش كبيرها وصغيرها الى المعركة ووهم النصر يتملكها، لكن سرعان ما يكتشف القادة المحترفين ان حسابات الورق تختلف عن غيرها، عندها فقط تبدأ المعركة الحقيقية وتداعياتها. فهل تتعظ "إسرائيل" من دروس الماضي القريب لا البعيد؟ يبدو ان الامر ليس كذلك، لاعتبارت كثيرة، "فإسرائيل" بلعت الهزيمة الاولى في تاريخها، لكنها غير قادرة على هضمها، سُئل بن غوريون عن كيفية زوال "اسرائيل" فأجاب بلغة المجرِّب العارف:عندما تهضم هزيمتها الأولى. فهل اتخذ قرار الحرب؟ وكيف ومتى وأين ستكون مجرياتها؟ ان عوامل التفجير تسابق اي شيء آخر، فهل ستجتر "إسرائيل" هزيمتها وتحاول هضمها مكرهة؟ ام ان وهم النصر لا زال يدغدغ عصب القرار السياسي والعسكري الاسرائيلي؟الاجابة عن ذلك ستكون في صيف مختلف بحرارته. د. خليل حسين
رئيس المركز اللبناني للدراسات الاستراتيجية والدولية - بيروت www.drkhalilhussein.blogspot.com