المخرج حميد عقبي ومهرجان صنعاء السينمائيّ

بقلم: صلاح سرميني
ربما كان الافضل العمل بصمت

ربما يتذكر المخرج اليمني حميد عقبي المُقيم في فرنسا بأنني تحدثتُ معه يوماً عن ضرورة تأسيس مهرجانٍ سينمائيّ في اليمن، كما فعلتُ بالضبط مع المخرجة اليمنية خديجة السلامي المُقيمة في باريس، وأتذكر بدوري تحفظاتهما المُتعلقة بالصعوبات الكبيرة التي تقف حائلاً أمام تحقيق مشروع كهذا.
فعلياً، لا يوجد عاشقٌ للسينما لا يحلم بمهرجانٍ سينمائيّ في كلّ بلدٍ، ومدينةٍ عربية، وقد شجعت استمرارية "مُسابقة أفلام من الإمارات" التي تأسّست عام 2001 برعاية المُجمّع الثقافي سابقاً (هيئة ابوظبي للثقافة والتراث حالياً) في أبو ظبي، وإظهار مواهب محلية على تأسيس مهرجان دبيّ السينمائي الدولي، ومن ثمّ كلّ المُبادرات التي ظهرت في المنطقة فيما بعد:
مهرجان أبو ظبي السينمائي.
مهرجان الصواري لأفلام الهواة في البحرين.
مهرجان جدّة للعروض المرئية.
مسابقة أفلام من السعودية.
أسبوع أفلام الخليج في الكويت.
ومهرجان عمّان للأفلام القصيرة في الأردن.
ومن المُفيد التذكير دائماً، بأنّ "مسابقة أفلامٍ من الإمارات" تأسّست، وتطوّرت بجهود السينمائي الإماراتي مسعود أمر الله، حتى أصبحت "أسطورةً"، على حدّ تعبير المدير الحالي الذي ورثها بكلّ تفاصيلها.
وفي فترةٍ من الفترات، اختفى حميد عقبي عن الانترنت، وانقطع خطّه الهاتفي الفرنسي، وتقلصت أخباره، وبعد ظهوره، عرفتُ بأنه كان في زيارةٍ لليمن، أسفرت عن اقتناع المسؤولين هناك، وخاصةً وزير الثقافة د.محمد أبو بكر المفلحي بضرورة انعقاد مهرجانٍ سينمائيٍّ دوليّ في صنعاء، وتطورت الأمور بسرعةٍ لم أتوقعها، وأصبح حميد عقبي المُنسق العام للمهرجان.
لستُ بصدد البحث، والتنقيب عن صاحب الفكرة، ولا يهمّ كيف انطلقت، لأنّ الأفكار لا تخضع لحقوق تأليف، وتأسيس حدثٍ سينمائي لا يجعله ملكيةً خاصةً، فمهرجان سينمائي ليس اختراعاً، ولا اكتشافاً يستحقّ التسجيل في مؤسّسات حقوق المؤلف.
وقتذاك، تبادلتُ الأحاديث مع حميد حول طبيعة المهرجان، توجهاته، وبرمجته، وكنا نتفق، ونختلف حول آليّات التنفيذ، وكان الأمر لا يعدو أكثر من مناقشاتٍ عابرة، لأنني لستُ طرفاً فاعلاً في المشروع، وكنت مقتنعاً بأنه المسؤول الأول، والأخير عن التحضير، التنظيم، التطوير، والتنفيذ.
بحماسٍ، واستعراضٍ، بدأ حميد يتحدثُ عن المهرجان، ويُجري حواراتٍ كثيرة مع صحفيين، ونقاد، وسينمائيين، وكنت بدوري أزوّده ببعض عناوين هؤلاء، ولكنني، في نفس الوقت، تعمّدت عدم الإجابة على أسئلته، شارحاً موقفي، بأنني متحمسٌ، وعلى استعدادٍ للدعم، والتعاون في أيّ جانب، ولكنني لن أُجيب على أسئلةٍ للنشر في الصحف، والمواقع، ولن أستعطف الوزير، أو غيره، كي ألفت انتباهه نحو أهمية تأسيس مهرجان، وبالآن، فإنني ضدّ حملةٍ دعائية، وحواراتٍ مُتسرعة يُجريها مع أشخاصٍ لا يمتلكون أيّ خبرةٍ في تنظيم مهرجان، وبدون الإشارة إلى أسماء، فإنّ البعض منهم آخر من يُدلي برأيه، ويقدم تنظيراً هلامياً عن تأسيس مهرجان سينمائي في اليمن، أو أيّ مكانٍ من العالم.
بوضوح، لم أرغب المُشاركة في آليّة الترويج التي تخيّرها، والمشكلة، بأنّ حميد استمع إلى الجميع بانتباهٍ، وحصل على آراء متناقضة، وحصيلة أفكار ساذجة، وعقيمة يصعب تنفيذها.
لقد نجح بإحداث ضجة حوله، بدون الانتباه لخطورتها المُستقبلية.
ويوماً بعد يوم، بدأتُ أقرأ مقالاتٍ يتقلص تدريجياً حماس محتواها، حتى وصلت إلى حالة تذمرٍ من أمورٍ كثيرة، وزجّ حميد نفسه في مواجهةٍ مفتوحة مع المسؤولين في وزارة الثقافة اليمنية، والوزير نفسه، علماً بأنّ حميد ليس سياسياً، ولا مناضلاً معارضاً لنظام بلده، على العكس، إنه يتمتع بمنحةٍ دراسية حكومية، وهو في المراحل الأخيرة من إنجاز أطروحة الدكتوراه.
بمقالاته، وتقاريره العلنية، فقدَ حميد عقلانيّته، ولم يُفاجئني نفيّ الوزارة علاقتها به، واستيائها من استخدامه صفةً غير رسمية "المُنسق العام".
لقد كان أمراً متوقعاً، ففي أوج الترويج للمشروع، سافر حميد إلى مهرجاناتٍ سينمائية كثيرة في الجزائر، أبو ظبي، بروكسل، وإسبانيا، ...
لقد اقتنع حميد بهذه الصفة إلى حدّ التماهي معها، وبدل أن يقدم نفسه كمخرجٍ يمنيّ، صحفيّ، أو باحث، كان يفضل بأن يسبقها بصفة "المُنسق العام لمهرجان صنعاء السينمائي"، ويبدو بأن صفة مدير، أو مُنسق خاصّ، أو عام تثير شهية المهرجانات العربية، وضيوفها، وكان من الطبيعي حماس الجميع لمهرجانٍ جديدٍ، وإظهار رغبتهم بالدعم، والتعاون، والمُساندة.
وأكثر من ذلك، كان حميد يتحدث، وكأنّ المهرجان على وشك الانعقاد في تاريخه المُحدد، وكان الأجدر بأن يدور النقاش حول "مشروع" تأسيس مهرجانٍ في صنعاء قيّد الدراسة في وزارة الثقافة اليمنية.
كنتُ حذراً من تلك الخطوات المُتسرّعة، وعندما أدرجتُ عنوان موقعه الشخصيّ في مدونتي "سحر السينما"، أشرتُ إليه بصفته مخرجاً، وتجاهلتُ الصفة الجديدة كمُنسقٍ عام، ولكنّ آخرين، ومنهم صاحب أقدم مدونةٍ سينمائية عربية، مازال يحتفظُ بهذه الصفة الإشكالية في قائمة مواقعه المُفضلة، متجاهلاً النفيّ الصحيح، أو الكاذب لوزارة الثقافة اليمنية، ومتغافلاً تخلي حميد نفسه عن المشروع، أو على الأقلّ، انسحابه، انتظاراً لمُستجداتٍ جديدة، وربما بتسامحه هذا سوف يؤذي حميد أكثر مما يخدمه، لأنه يمنح إثباتاتٍ مجانية تبحث عنها وزارة الثقافة اليمنية، لاتهامه من جديدٍ باستخدامه صفةً غير رسمية.
ما هي الحصيلة النهائية لما حدث، معلوماتي المُستخلصة من شخصيةٍ رفيعة، تؤكد بأنّ وزارة الثقافة اليمنية مستاءةً فعلاً من الصخب الذي أحدثه حميد عقبي في ترويجه للمهرجان، ولكنّ وزير الثقافة د.محمد أبو بكر المفلحي مقتنعٌ تماماً بالفكرة، ولديه رغبة أكيدة بتنفيذها، وهي بصدد المناقشة مع شخصية سينمائية يمنية معروفة، ومعتبرة، أثبتت جدارتها في الوسط السينمائيّ، والديبلوماسي على السواء، وأعتقد، في حالة تنفيذها، لن تتجاهل جهود حميد عقبي، وشغفه بعمله، ورغبته الصادقة بأن يكون لليمن مهرجانها السينمائي، وخطواتها الفعلية نحو إنجاز أفلام سينمائية يمنية.
خلال تحضيره، وإنجازه لفيلمه الروائيّ القصير "الرتاج المبهور"، أرسل أحدهم رسالةً إلكترونيةً إلى المخرج حميد عقبي يقول فيها:
ـ عزيزي حميد، اسكت، واعمل بصمت.

صلاح سرميني