قائد عسكري عراقي يكتب 'تاريخ الهزيمة'

القاهرة
كل القادة كانوا في مزاد لاستعراض قوة وهمية أمام صدام

يروي قائد عسكري عراقي جانبا من وقائع الانهيار المفاجىء لجيش بلاده قبيل الاحتلال الأميركي قائلا إن جميع القادة كانوا يتسابقون إلى استعراض القوة لطمأنة الرئيس السابق صدام حسين كما يكشف جانبا من العلاقة الغامضة بين صدام ومسعود البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي استعان برئيس البلاد ضد رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني الرئيس الحالي للعراق.

ويقول الفريق الركن رعد مجيد الحمداني ان البرزاني "استجار" في أغسطس/اب عام 1996 بصدام "ضد خصمه التقليدي" الطالباني الذي تمكن من احتلال مدينة أربيل مع عناصر من المعارضة السياسية "وعلى رأسهم أحمد الجلبي وعملاء المخابرات الاميركية والبريطانية الذين زاد عددهم عن الثلاثة الاف."

وكان الجلبي وهو شيعي زعيما لجماعة المؤتمر الوطني العراقي التي تأسست عام 1992 بمساندة من وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) وقد أمضى 45 عاما خارج العراق.

ويقول الحمداني الذي كان قائد فيلق الحرس الجمهوري العراقي الثاني في كتابه "قبل أن يغادرنا التاريخ" ان فرقا من الحرس الجمهوري العراقي شنت "هجوما سريعا وكاسحا تم خلاله طرد الجلاليين" التابعين لطالباني من أربيل والسليمانية وسلمتا الى البرزاني.

ويضيف أن الفصيلين الكرديين يتبادلان الاتهامات حيث يرى أتباع البرزاني أن حزب الطالباني يتسم بالنفاق السياسي "والعمالة لايران" أما حزب الطالباني فيتهم "البرزانيين بالعشائرية والعمالة المباشرة لاسرائيل."

ويقع الكتاب في 350 صفحة كبيرة القطع وصدر عن الدار العربية للعلوم في بيروت ومكتبة مدبولي في القاهرة.

ولم يقل المؤلف ان الدين كان ستارا للحرب العراقية-الايرانية لكنه أورد الاسماء التي أطلقها العراق على "معارك التحرير" ومنها معركة "رمضان مبارك" وأربع معارك جرت عام 1988 عنوانها "توكلنا على الله" وهو اسم احدى فرق الحرس الجمهوري كما كانت فرق أخرى من هذا الحرس تحمل أسماء منها "الله أكبر" و"الفتح المبين".

وأشاد اللواء الركن المتقاعد عبد الوهاب القصاب في تقديمه الكتاب بجيش بلاده مضيفا أن الحصار الدولي الطويل في تسعينيات القرن العشرين أضعف القدرات القتالية للجيش العراقي.

وقال القصاب ان الحمداني الذي التحق منذ عام 1982 بقوات النخبة "الحرس الجمهوري وهي قوات قتالية معدة ومسلحة جيدا" يكتب مذكراته بكثير من "الوجدانية التي تنم عن درجة عالية من الشفافية والاخلاص" مضيفا أن الحرب العراقية-الايرانية "الطويلة" بين عامي 1980 و1988 كانت المجال الذي نضجت فيه الخبرة القتالية والمهنية للمؤلف.

ويقول المؤلف ان صدام بعد حرب الخليج الثانية 1991 "بدا كمسيح مسلح ليخلص الناس من شرور الشيطان الاميركي" مضيفا أن بقاء الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون فترتين رئاسيتين كان "رحمة من السماء للنظام العراقي للاستمرار بالحياة السياسية والعملية" ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 "كأنها هبة السماء الهابطة" على الرئيس الاميركي جورج بوش.

ورفع بوش عقب الهجمات شعار الحرب على الارهاب وتحت هذا الغطاء شن حربا على أفغانستان وأنهى في أواخر عام 2001 حكم حركة طالبان التي كانت تؤوي تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. كما قادت الولايات المتحدة تحالفا في مارس/اذار 2003 لغزو العراق وأسقطت نظام صدام بعد نحو ثلاثة أسابيع من بدء الحرب.

ثم نفذت الحكومة المدعومة أميركيا حكم الاعدام في صدام يوم 30 ديسمبر/كانون الاول 2006 فجر عيد الاضحى وهو يردد "أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" بعد اتهامه بالقيام بعمليات انتقامية راح ضحيتها 148 شيعيا بعد محاولة اغتياله في بلدة الدجيل شمالي بغداد عام 1982 وهي نهاية مثيرة لرئيس حكم البلاد بقبضة حديدية على مدى نحو ثلاثة عقود.

ويقول الحمداني ان "الاحتلال الاميركي البريطاني تحت شعار.. الحرية للعراق.. لصدمة عظيمة لكل حالم بفردوس الحضارة الغربية. بالمعايير وبالقيم الاميركية.. كلي أسف وحسرة لضياع حقوق شهدائنا في الحرب الاخيرة (2003) وحقوق عوائلهم المعنوية والمادية فكانوا ضحية لجريمة أخلاقية ارتكبت بحقهم بعد الحرب لعدم الاعتراف بحق هؤلاء في الدفاع عن وطنهم."

ويقول الحمداني ان العراق قبيل الغزو الاميركي كان في حقيقته هشا وفي الظاهر قويا متماسكا قادرا على التحدي والصمود وكان جميع القادة "في مزاد كبير لعرض القوة ولا أبرئ نفسي من هذا.. كان من المعتاد طمأنة الرئيس... للمحافظة على مساحة الامان الشخصية" مضيفا أن التيار السائد كان يجبر القادة على "الكلام الكبير" حتى لا يتهموا بالجبن والتخاذل.

ويدلل على ذلك بأنه أوصى بنسف جسر القائد فوق نهر الفرات لتعطيل عبور القوات الاميركية لكن تلك التوصية رفضت "لان السيد الرئيس لم يوافق على نسفه" لكنه استدرك قائلا ان تدمير الجسر لم يكن ليغير الكثير نظرا للتفوق الهائل للجيش الاميركي الذي وصلت أرتاله الى مداخل بغداد ليلة الخامس من ابريل/نيسان بعد أن دمرتها ألوف الصواريخ والقنابل لتسقط عاصمة العراق في التاسع من ابريل.

ويقول الحمداني انه لولا الحذر الشديد للقوات الاميركية لسقطت بغداد في الخامس من ابريل بسبب القصف المتواصل على لقوات العراقية مضيفا أن عناصر من الحماية الشخصية لصدام واجهت في ذلك اليوم قوة استطلاع أميركية ودمرت دبابتين "وقد راقب صدام هذا الموقف وهو جالس في مظلة انتظار الحافلات.. وهو في حالة أسى وذهول. وكاد الرئيس العراقي والقيادة يقتلون في مقر اجتماع سري في حي المنصور ببغداد بفعل المتعاونين مع القوات الاميركية."

ويضيف أنه منذ الخامس من ابريل بدأت معنويات المقاتلين في الانهيار وخاصة الجنود الذين "بدأوا بترك دباباتهم وأسلحتهم منذ ذلك اليوم وبشكل تدريجي حتى وصلت أعداد المقاتلين يوم التاسع الى بضعة جنود وعشرات الضباط في كل لواء قتال."

ورغم الخسارة في القوات العراقية كان صدام "في معنويات عالية" ففي اجتماعه مع عدد من القادة في السابع من ابريل "ظهر برباطة جأش وردد أكثر من مرة أمام الحضور أنه يرى النصر قريبا جدا" لكن القوات الاميركية لم تمهل أحدا.

ففي الثامن من ابريل "دخلت الدبابات الامريكية بغداد ومركزها الغربي وسيطرت على جسورها تجاه مقاومة شديدة لكنها متفرقة" ومساء اليوم نفسه ظهر قصي ابن الرئيس السابق في حالة وهن وانهيار معنوي تام.

ويقول الحمداني ان المشهد يوم التاسع من ابريل كان معدا "باخراج سينمائي في اسقاط التمثال الكبير" لصدام الذي شوهد في الوقت نفسه في حي الاعظمية ببغداد يشق طريقه "وسط مئات من المواطنين الذين كانوا يحيونه باخلاص".

ويضيف أن سقوط بغداد عام 2003 هو السقوط السادس عشر للمدينة منذ تأسيسها في القرن الثامن الميلادي مشبها ما حدث للمدينة تحت الاحتلال الاميركي بتدميرها عام 1258 على يد المغول بقيادة هولاكو.

لكنه يحمل القوات الاميركية المسؤولية الاخلاقية والتاريخية عن التخريب الذي تعرضت له البلاد حيث حدث كل شيء "أمام أنظارهم بهدف الاجهاز على ما تبقى منها سالما" بتشجيع من الجيش الاميركي.

ويحث المثقفين العراقيين والقادة الذين كانوا قريبين من الاحداث في السنوات الاخيرة على "كتابة التاريخ قبل أن يغادرنا التاريخ" بعيدا عما اعتبره تمويها وتغييبا للحقائق واعداما لمؤسسات الدولة قائلا ان النظام الدكتاتوري لصدام سهل مهمة الغزاة.