5 سنوات على 'العراق الجديد': مطابخ سياسية لم تنضج المواقف الحاسمة (2)

بقلم: د. ماجد أحمد السامرائي

تطابق الهدفان الأميركي والايراني في انجاز الانتخابات واصدار دستور لاضفاء شرعية قانونية و'ديمقراطية' لاجراءات ترسيخ الطائفية والاثنية والمحاصصة اللاحقة.
الأكراد الوحيدون الذين كانوا موجودون على الأرض بسبب كونهم يمثلون قضية قومية تتحدث عن كردستان الكبرى، الأكراد كانت بيدهم فرصة بناء التحالف السياسي الوطني اعتماداً على ارثهم التاريخي في العلاقات الوطنية منذ أوائل الخمسينيات، والتأثير في خيارات بناء التحالف الوطني العراقي غير القائم على المحاصصة الطائفية. لكن للأسف الشديد وفي لحظة من لحظات التقاط المكاسب وبعد أن عرفوا اللعبة الاميركية ساهموا في تمرير اللعبة الطائفية، وهم اليوم لا يناصرون رفاقهم أكراد تركيا بل يقدمونهم على مذبح الجيش التركي، وهناك من يقولون ان ذلك بثمن سياسي.
لقد تصرف الأكراد بعقلية مغتم الفرصة التاريخية لمكاسبهم مع ان هذه الفرصة ما زالت في عجينتها الأولى وممكن أن تفسد على عاجنها ولا تخبز في التنور. فتركيا ليست سهلة، وهناك مركب عجيب في علاقات الأميركان وتعاملهم في ملف العراق، لأنهم لا يضحون بخسارة الحليفة الاستراتيجية تركيا تجاه وضع ما زال قلقاً في العراق. وقد كان للأكراد وخصوصاً السيد مسعود البرزاني حتى في فترة قريبة قبل الاحتلال صلة ببعض القيادات والشخصيات الوطنية العربية القومية وحتى البعثية السابقة المعارضة لصدام لبلورة مشروع وطني للانقاذ.. تبخر منذ اللحظات الأولى التي وطأت فيها أقدام الغزاة الأميركان أرض العراق. لأن القيادة الاميركية كانت تتعامل مع كل جهة بطريقة انفرادية على أسلوب المخابرات.
وحتى العرابين من بين المعارضين العراقيين كانوا يتعاملون وفق تلك الطريقة المخابراتية، وليس وفق طريقة سياسية راقية. كان دور بعضهم يتلخص في كيفية توصيل الشيعة المرتبطين بطهران الى واشنطن، وأوصلوهم مع ذيولهم الهامشيين الذين كانوا أكثر اتقاناً لفن الكذب والمخادعة والمقامرة والمخابرة فأطلقوا أنفسهم أمام العراقيين كزعماء سياسيين، وقد تكون بعض الدوائر الاميركية قد شغفت لفترة بقدراتهم الاستخبارية، فقدموا تقارير قبيل الاحتلال كانت تصنف بالطازجة و لكنها في الحقيقة من سقط المتاع.. فترة تقارير التمويه أكتشف عمودها الفقري أمام الأميركان بعد الرأي العام العراقي، وسقطت بعد أن حققت هدف احتلال العراق ورحل رجالها منهم من منح عطايا حسب شهواتهم المالية أو السلطوية، وتحولوا الى هواة توزيع الأموال في البنوك الأجنبية وشراء العقارات الفارهة في الخليج ولبنان والمغرب وبعضهم من قصيري النظر قابعون في لندن لا يعرفون ماذا يعملون بالأموال التي حصلوا عليها في وقت خسروا فيه بريقهم عندما كانوا معارضين لصدام.. لأن معارضة اليوم ليس فيها بريق لكون من يعارضونهم على هامش الزعامات التاريخية وخارج جذب الأنظار.. مع ذلك كله فما زالت أدوات تدمير الكنز البشري والمادي العراقي تمارس لعبتها في المخادعة والجريمة، وتنفذ مهمتها السياسية التخريبية لتهشيم بنية المجتمع العراقي الواحد واثارة النزاعات والصراعات الدموية تحت شعارات سياسية وميدانية زائفة وكاذبة مثل التعددية الاثنية والعرقية والمحاصصات الطائفية في الحكم ومطاردة تنظيم القاعدة الذي جلب الى العراق بعد الاحتلال.
الحقائق على الأرض كشفت ان الهدف الاميركي الحقيقي وكذلك الايراني لم يكن قضية "تخليص العراق من دكتاتورية واستبداد نظام صدام"، فعلي سبيل المثال كانت هناك كوادر بعثية بمستويات مختلفة معارضة لصدام سجلت مواقف جريئة وتحملت تبعاتها، وهم منتشرون في بلدان عربية وغربية اضافة الى الصامتين في الداخل ومن أعدم منهم لفترات متفاوتة بتهمة التآمر على نظام صدام، وهؤلاء لم ينظموا الى حركات سياسية أخرى. أما في الداخل فأعدادهم كثيرة.. بل ان هؤلاء البعثيين كانوا أكثر ملائمة للمشاركة في قيادة أي تغيير وطني مع القوى الوطنية العراقية الأخرى. السؤال لماذا تم استبعادهم في صفقة التغيير السياسي ان كانت حقيقية ومبنية على أساس وطني ولتخليص العراق من الدكتاتورية والاستبداد فقط؟ مع ان هؤلاء رفضوا الى جانب الوطنيين العراقيين سيناريو الاحتلال العسكري بصورة قطعية.. الجواب واضح: التقت مصالح الأميركان من اليمين المتطرف مع الأحزاب الشيعية والكردية على استبعاد أيّ حضور للبعثيين حتى لو كانوا في أقصى المعارضة لنظام صدام.. اذن القضية لم تكن معارضة لنظام صدام.
وهكذا بدا أي حديث بعد عام 1995 عن مشروع وطني للمعارضة العراقية لتغيير نظام صدام صعب التداول خاصة خارج العراق، بعد دخول المشروع الاميركي، وما جري هو التحاق لتلك الأحزاب على اختلاف توجهاتها بمشروع الاحتلال تحت ذرائع منها: انه لولا الأميركان لما تمكنا من تغيير النظام، وهي كلمة حق أريد بها باطل. فلو كانت هناك ارادة وطنية عراقية حقيقية وجدية لكان سقوط النظام هو الفاصل الزمني الواضح، ولبّت تلك الاحزاب نداءات كثر من الوطنيين العراقيين بضرورة الالتقاء في مؤتمر وطني عراقي يجمع بين كل القوى والمكونات في خارج العراق وداخله خصوصاً التي رفضت مؤتمر لندن الذي وضع قواعد المحاصصة الطائفية وخضع للأجندة الاميركية، وان كانت تريد شكر الأميركان فلتشكرهم.. ولو انه لا توجد قوة شعبية في التاريخ شكرت المحتل على احتلاله وتكسيره بلدا كان جوهرة وسط أمته.
ان جميع الحاضرين في "مؤتمر لندن" لم يكونوا على علم بالسيناريو الاميركي. المندوبون الأميركان سواء "السفير دوني" وفيما بعده السفير "زلماي خليل زادة" لم يوضحا شيئاً سوى ان على المعارضة أن تعد حالها لما بعد سقوط صدام. وزلماي خليل زادة قال لي في اجتماعي معه بناء على دعوته ليلة مؤتمر لندن في ديسمبر/كانون الاول 2002 "اننا نريد عقد هذا المؤتمر كنوع من الاعلام والتعبئة لمشروعنا الاجتياحي، وعليكم المشاركة فيه لكي يكون لكم حضور في سلطة المستقبل في بغداد". قلت له "لن نحضر كمصفقين للمحاصصة الطائفية التي تقررها أنت في توزيعك لأعداد المؤتمرين".
وللأمانة القول ان من اجتهد فكرة الحضور وحضر من بيننا أراد بناء قوة مستقلة داخل المؤتمر لكي ترفع الصوت الوطني العراقي لكنها سقطت بفعل التدبير والتحالف الذي حصل بين الكتلتين الشيعية والكردية، وضعفت مواقف ومواقع من كانوا يتحدثون بالليبرالية والعلمانية. لقد انتبهت الحركات الشيعية العراقية وحاضنتها ايران الى أن المشروع الاميركي أصبح برنامجاً جدياً تتبناه الادارة الاميركية منذ عهد كلينتون بعد اصدار قانون تحرير العراق عام 1998، وتعديل سياسة احتواء نظام صدام عبر العقوبات التي كان بعض الاستراتيجيين الأميركان يرونها كافية لتفكك النظام العراقي من دون حرب، ووفق حسابات طهران كانت واثقة انها غير قادرة ولعقود مستقبلية على تغيير نظام صدام بواسطة حلفائها العراقيين بسبب موقف عرب العراق، شيعة وسنة، المعارضين للتوسع الايراني داخل العراق، ولما خلفته حرب الثماني سنوات من آلام وكوارث على الشعبين المسلمين الجارين العراقي والايراني. ولذلك غامرت طهران بدفع أزلامها الى ساحة المشروع الاميركي وفق تكتيكات مدروسة زاوجت عند تلك الأحزاب بين الرفض العلني المدبر للاجتياح العسكري والموالاة والتشجيع الفعلي الى جانب الخدمات اللوجستية الايرانية الرسمية للاجتياح والغزو الاميركي. وكشفت الوثائق اللاحقة بأن ايران قدمت دعماً لوجستياً هائلا للأميركان في كل من أفغانستان والعراق.
ان قوى التيار الاسلامي الشيعي لمست من بعض الأميركان المسؤولين عن الملف العراقي بعد لقاءاتهم تشجيعاً على المحاصصة الطائفية، وادعى كل من المجلس وحزب الدعوة تمثيلهما للطائفة الشيعية فيما يمثل الحزبان الديمقراطي والوطني الكردستانيان الأكراد. ووضعوا جميع من خارجهم على الطائفة السنية التي يجب أن يسحق "ممثلها نظام صدام" حتى الليبراليين من عرب العراق السياسيين شيعة أو سنة وضعوا في زاوية ضعيفة، لكونهم لا يمثلون طائفة. هذه هي اللعبة التي استمرت بعد الاحتلال ولحد اللحظة وكل ما جرى هو شكليات فرضها الأميركان خلال الانتخابات وما بعدها. وقد شكا العرّاب الأول لتسويق أحد الأطراف المهمة في الأحزاب الشيعية الحاكمة الآن لواشنطن من عملية تهميشه خلال مرحلة معينة من مراحل التحضير للاجتياح العسكري الاميركي 2003، ومع انه تحمل ما تحمل من قصص استخبارية أميركية لا أحد يعرف أبعادها الا أن القيادات السياسية قد همشته لكونها تعرف طموحه واحتمالات أن يدخل في خطوط المنافسة الجادة التي قد تحرف الاتجاه العام المرسوم، وقد يعود الى ليبراليته ولا يمانع من التعاون مع جهات غير مسموح التعاون السياسي معها في قضية شراكة السلطة. ولهذا فقد همشوه مع انه رفع الراية الطائفية الشيعية بشكل مصطنع ولبس ثوباً أظهره كمهرج في السيرك السياسي. منظومات العمل الاستخباري لقد مارست بعض مجموعات المعارضة العراقية الترويج المكثف لمشروع الاحتلال العسكري بعد أن تبلور جدياً وعلمت به تلك المجموعات خلال عام 2002 وعززت مواقعه الاعلامية والسياسية في وقت كانت فيه أميركا محاصرة من المجتمع الدولي بعدم تفويضها للاجتياح، بل كانت تقارير بعض المعارضين المزيفة والمخادعة حول وجود أسلحة الدمار الشامل بيد النظام، قد ساعدت ادارة بوش على تسويق مشروعها الاحتلالي عام 2002 وأوائل عام 2003 وذلك العمل الذي تطوع اليه عملاء المخابرات الأميركية لا علاقة له بالعمل السياسي سواء أكان وطنيا أم لا، بل هو جزء من منظومات العمل الاستخباري، ومن يتطوع للخدمة فيه يخرج من الخانة السياسية الى خانة أخرى غير نظيفة. وليس له صلة بمفاهيم البرغماتية السياسية مثلما تبرر لذلك أحزاب عقائدية تناغمت مع العقيدة الأم في محاربة "الشيطان الأكبر".
لقد حاولت بعض القوى والشخصيات الوطنية العراقية التي كانت في المعارضة العراقية في الخارج ولها امتداداتها في الداخل بناء وبلورة مشروع وطني عراقي يأخذ بنظر الاعتبار كل التحولات والمستجدات التي تقودها ادارة بوش أمام المجتمع الدولي، وكانت تحاول العمل على اجراء محاولات لتغيير النظام من الداخل، وكانت تلك القوى خارج العراق تراهن بشكل مباشر على العرب وخاصة السعودية. لكن الأميركان نبهوا السعوديين من اللعب بالملف العراقي منذ أوائل التسعينيات باعتراف مدير المخابرات السعودي السابق الأمير تركي الفيصل. ولهذا حاول البعض التناغم مع أطراف أعلنت عن ليبراليتها داخل قوى المعارضة العراقية. واتخذ آخرون موقفا مبدئيا في مقاطعة مشروع الاحتلال بصورة كاملة، مع ان بعض الأحزاب الاسلامية مثل "الدعوة " كانت في مقدمة الرافضين لمشروع الاجتياح العسكري وصدر في لندن بيان استنكاري ضد الحرب الأميركية على العراق وقعه حزب الدعوة والحزب الاسلامي العراقي وتنظيم حزب البعث - تنظيم العراق - الجناح السوري. لكن حزبي الدعوة والاسلامي عندما لمسا ان الاغراءات الأميركية أصبحت بين الأيدي تجاهلا موقفهما الاعلامي السابق. وهناك وقائع كثيرة من المبكر الحديث عنها الآن توضح حالة انبطاح السياسيين العراقيين الجدد أمام الأميركان، كشفت جزءاً منها محاضر جلسات مجلس الحكم المنشورة قبل سنتين. وهو ما يؤكد حقيقة ان الأحزاب الاسلامية في العراق (شيعية وسنية) لم تدرك خطورة ابتعادها عن المشروع الوطني العراقي اللاطائفي، وان التعاون مع المحتل ضد شعب العراق قد كان ضربة السيف القاطعة لصلة الشعب بهم. أما الشخصيات الوطنية من مختلف الاتجاهات والتيارات فقد ظلت على مواقفها المبدئية.
لقد اشتغلت الجهات الاميركية الاستخبارية على قوى وأشخاص وفاجأت بهم الأوساط السياسية من داخل الأحزاب الشيعية أو المتسرحين منها. وفي تلك اللحظة بدا ان ادارة بوش ومجموعة اليمين المتطرف قد اشتغلت على اللعبة الطائفية ورسمت معالم المحاصصة فيها في مؤتمر فيينا 1992 ثم نفذت في مؤتمر لندن ديسمبر 2002. ان الوهم الذي وقع فيه بعض المسؤولين الأميركان هو ان ما قدموه من اغراءات السلطة للأحزاب الشيعية ذات الصلة بإيران، وكسب ود بعض الوجوه من تلك الأحزاب، وتكوين صلات شخصية معها سيؤدي لسحبها من الهيمنة الايرانية الى حاضنتهم الأميركية، وهي خدعة أكل وما زال يأكل طعمها المسموم الأميركان. لأن ايران اشتغلت بدهاء على هذه اللعبة التمويهية، وكانت حساباتها ترى بأن خسائر على الطريق قد تحصل في فقدان بعض الكوادر من اللحمة الحيوية وذهابها الى الجانب الاميركي الصرف، وحدوث خروقات هنا وهناك لكن الهدف الكبير وهو احكام السيطرة اللوجستية والسياسية في العراق لا بد أن يتحقق وفي ظل الوجود الاميركي وليس بعده، وهذا الهدف أثمن من تلك التضحيات الطفيفة. كما ان الصراع كان ذا بعد استخباري صرف، ولهذا وقع في نقطة الاحتكاك رموز سياسية كان يحسب لها حساب في قيادة العملية السياسية سقطت في تهمة التخابر مع ايران. وكانت التضحية من جانب ايران مقبولة فيما الجانب الاميركي ولتعدد القنوات أضاع الكثير من المعتمدين الروّاد خصوصاً المحسوبين على مجموعة اليمين المتطرف وواجهته البنتاغون في عهد رامسفيلد وولفيفتز وبيرل. فمن بين المتعاونين ممن لديه علاقات بطهران وباسرائيل بذات الوقت.
لقد كشفت فترة الاحتلال هشاشة الولاء الجماهيري الذي كانت تتغني فيه بعض القوى السياسية قبل سقوط نظام صدام. لقد قدم الاحتلال الفرصة التاريخية لتلك القوى حين دعم برامجها الطائفية وساند خططها في تخريب دولة المجتمع العراقي المدنية واحلال مؤسسات التعصب المذهبي. وكان قاصداً متعمداً عدم التقرب من القوى والشخصيات الوطنية العراقية المعارضة لصدام حسين، لأن المسألة لم تكن هي قضية معارضة لذلك النظام مثلما لم تكن لعبة أسلحة الدمار الشامل. الأميركان أرادوا دخول العراق على ايقاع اللعبة الطائفية، فوجدوا فرسانها عند شخصيات لها صلة بإيران. الاحتلال يدير اللعبة السياسية عندما احتل الأميركان بغداد في التاسع من أبريل/نيسان 2003 واجهوا الصدمة. فلا جماهير مصفقة حسب وعود بعض المعارضين لهم، ولا قواعد لأحزاب ولا جماهير. ساد صمت لأشهر قليلة عندما كان الجنرال جاي غارنر حاكماً لم تكن هناك أعمال عنف مسلح بانتظار الآتي وماذا سيقرر الأميركان في مصير البلاد، خصوصاً انهم جلبوا معهم مستشاريهم لادارة شؤون الوزارات يساعدهم من تعاقدوا معهم بالأموال من العراقيين من معارضي الخارج.
كان أبناء الشعب والسياسيون الوطنيون في الداخل والخارج ينتظرون قبل أن يقرروا مسبقاً طريقة وأسلوب التعامل مع حالة الاحتلال، فلعل الأميركان يسلمون للعراقيين ادارة شؤونهم بأنفسهم وبرمجة مستقبلهم السياسي. وهذا مما برر للبعض من معارضة الخارج غير التابعين للمشروع الأميركي الذهاب الى العراق لمواجهة ظروف المرحلة. لكنها كانت الحقيقة المرة. فالاحتلال اشتغل على ترتيب أوضاع وصيغ ادارية لدولة منهارة.. كان يحاول اظهار ان الحالة ترميمية وبسيطة في حين ان الانهيار كبير وهائل، لم يكن الاحتلال يريد أن يعلن ذلك للعراقيين لكنهم لمسوه وأحسوه. كانت الكارثة قد بدأت، واعصار "تسونامي" قد بدأ، وبدلاً من أن تبادر الأحزاب العراقية لدرء المخاطر وترصيد سواتر الصد فقد ساهمت هي في تعميق الكارثة. كانت الفرصة أمام الأحزاب والقوي العراقية من معارضة الخارج والقوى التي ظهرت في الداخل أن تأخذ زمام المبادرة لعقد مؤتمر وطني عراقي شامل لجميع القوى والاتجاهات ــ سمه ما شئت: مؤتمر "طائف" عراقي أو "لوياجيرغا" أفغانستاني يتمخض عن تشكيل مجلس تشريعي انتقالي وقيادة مؤقتة لادارة العراق يمكن أن تفاوض الاحتلال العسكري على أولويات المرحلة. لكن ما حصل هو تجمعات استعراضية محدودة وتحت حراب القوات الأميركية لتحية زعامة الاحتلال، على السماح لها بالدخول معها، مثلما حصل في مؤتمر الناصرية بعد أيام معدودات من الاجتياح العسكري (2003). وكان للفئات الطائفية تحضيراتها العاجلة لمواجهة حالة الفراغ السياسي الذي نتج عن سقوط النظام وغياب أكثر من مليوني بعثي داخل القوات المسلحة ــ الجيش العراقي ــ أو المنظمات الحزبية المسلحة والمدنية عن التأثير في الحالة الاستثنائية التي حصلت في العراق.
كانت ظروف السقوط المرتبط باسم النظام السابق، واصرار الأميركان على بناء معادلة طائفية قد سد الطريق أمام تبلور حالة وطنية عراقية بمعزل عن الاحتلال العسكري الأميركي الذي كان يتحدث باسم قوة السلاح وليس الفكر والسياسة، فالقرار قد اتخذ مسبقاً لقيادة العراق من قبل الاحتلال العسكري الأميركي. وهنا نترك للمواطن الحكم على الخيارات السياسية المقررة لدى الأحزاب الطائفية الشيعية والسنية الى جانب الكردية في تحديد مسار القضية العراقية. كانت اللعبة التي وافق عليها الأكراد هي "استثمار التأثير النفسي للمرجعيات المذهبية في جنوبي العراق، وتحويلها الى قوة مؤثرة في الشارع، لاقناع الأميركان بالوهم والطعم الذي أكلوه باللعبة الطائفية". لقد اتخذ الأميركان موقفاً سلبياً تجاه كل ما هو قومي عروبي ووطني فوضعوا الفيتو عليه. كانت التأثيرات متناغمة ما بين اليمين المحافظ داخل الولايات المتحدة والأحزاب المدفوعة أو الموالية لايران حتى داخل صفوف الحركة الكردية. لقد شمل هذا الموقف قوى موالية وداعمة لمشروع الاحتلال الاميركي لكونها عروبية مثل حركة الوفاق (أياد علاوي) وتم تهميشها بعد الاحتلال حتى وان وضعوا زعيمها رئيساً لأول وزارة بعد حكم بول بريمر. وليطلق العنان بعد ذلك للأحزاب الطائفية الشيعية، ويسمح وبصورة مقيدة للتيار الاسلامي السني "الحزب الاسلامي بعد الانتخابات، " فيما وضع الفيتو على "هيئة علماء المسلمين" بعد تشكيلها في العراق لكونها وقفت ضد مشروع الاحتلال. وجرت حملات التشويه ومعاداة منتظمة لجميع التوجهات الوطنية العروبية حتى تلك التي انتظمت ودعت للدخول في انتخابات عام 2005 وما بعدها في تمرير وثيقة الدستور المطرز بالألغام. وهنا يلاحظ عدم وجود تأثير لما يسمى بالتيار الصدري الذي قاده فيما بعد السيد مقتدى الصدر الذي شكل ظاهرة للضبابية والغموض في المشهد السياسي فيما بعد. السلطة في ظل الاحتلال كانت الأغطية السياسية واقية للجميع في مرحلة الهيجان السياسي بعد الاحتلال.. وكانت اللعبة الأقوى عند القوى الشيعية هي الاستظلال بأسماء المرجعيات المذهبية الشيعية وعزل السنة الذين لا مرجعية لهم ما بين القوى الليبرالية العلمانية والحراك السريع للحزب الاسلامي الذي سدَ فراغ مطلب الضلع الثالث من المعادلة الطائفية. كان الهدفان الأميركي والايراني هو انجاز الانتخابات واصدار دستور لاضفاء شرعية قانونية و"ديمقراطية" لجميع الاجراءات اللاحقة، بل ان المرجعية المذهبية للسيد السيستاني قد أوجبت عدم قيام حكومة عراقية الا بعد الانتخابات مع انها حكومة في ظل الاحتلال لأن في ذلك تقوية للمشروع الحقيقي وهو احكام الهيمنة والسيطرة للأحزاب الشيعية.
ولا يمكن تصور ان الأميركان المنشغلين بعدد قتلاهم وما يمكن أن توقعه المقاومة الوطنية من انحدارات في صفوفهم تتقدم الاهتمامات بشواغلهم في الغلبة السياسية لهذا الفريق الطائفي أو ذاك، خصوصاً بعد أن لمسوا تطمينات المراجع الشيعية بعدم مقاومتهم بالسلاح لقاء ترتيب حكمهم للعراق. بل ان جزءاً مهماً من نجاح مشروع الاحتلال الأميركي هو تفكيك البنية الاجتماعية والفكرية والثقافية العراقية وتحويل الولاء الجمعي من السياسي الى الاثني والعرقي، ومحاولة تخفيف الضغط على الاحتلال بوجوهه السياسية والاعلامية.
كانت الثغرة المطلوب فتحها من قبل الاحتلال هي خلق معاونين لديهم عناونين سياسية ذات مرجعيات مذهبية، لأنهم كانوا متيقنين من ان قرار حل واجتثاث حزب البعث في العراق هو اجراء كاف لمنع احتمالات المخاطرة السياسية.. في فترة الاعداد للانتخابات. قال ابراهيم الجعفري في احدى مقابلاته التلفزيونية: نعم نحن نخشى فيما اذا أعطيت الفرصة لحزب البعث من دون اجتثاث ومنع، أن يكتسح الساحة الانتخابية. وقد تحقق الهدف الجيوسياسي لهيمنة الأحزاب "الشيعية " بسرعة مذهلة.
لقد نقل الحاكم الأميركي بريمر في كتابه "عام قضيته في العراق" جزءاً من الحقائق التي تدحض بشدة ادعاءات بعض الأحزاب والشخصيات الاسلامية (الشيعية) وبعض القيادات الكردية حول ما سمي بالارادة الوطنية والقرار العراقي، لأن بريمر كان يملي قراراته، ويدير اجتماعات مجلس الحكم بل ويوبخ هذا العضو أو ذاك بطريقة لئيمة. وفي بعض الأحيان كان ينتظر مباركة السيد السيستاني فيما يتعلق بموافقته على البرنامج الأميركي في تشكيل النظام السياسي الجديد القائم على المحاصصة الطائفية. والتي هي نوع من أنواع التسيّد الطائفي. فهناك طائفة قائدة وطائفة تابعة، وهو الخطر الذي أنذر بانقسام الشعب العراقي وتهشيم وحدته الوطنية. وكان بريمر ينقل عن القيادتين الكرديتين كلاماً مفاده انهم كانوا مستعجلين على قرار حل الجيش العراقي واجتثاث البعث. وكلاماً آخر يتنافى مع خطاب العلاقات العامة الذي كان يطلقه السيد مسعود البارزاني خصوصاً مع بعض الرموز القومية العربية والبعثية في فترة المعارضة، أو ما يقوله السيد جلال الطالباني الآن عن علاقات بينه وبين كبار قادة الجيش العراقي لسحبهم الى المعارضة في ذلك الوقت. لقد تعاملت القيادات الكردية مع الوقائع والأحداث وفقاً لحاجاتها ومصالحها القومية. لقد كان جناح كردي له دور مهم في العملية السياسية الناشئة في عهد بريمر وما بعده متحمس لدرجة غريبة للتقسيم الطائفي وراح يطلق خطاباً يتحدث فيه مرة عن مشروعية قيادة الشيعة لحكم العراق ومرة عن ضرورة اشراك السنة "المساكين " وأخرى الى جانب الغزل العميق مع ايران ونفوذها في العراق.
هناك حقيقة معروفة في الشارع السياسي هي ان الأكراد وقياداتهم الرئيسة لا ينسجمون مع التيار الاسلامي الشيعي والسني لأسباب آيديولوجية، وجناح رئيس من قيادتهم لا يتقبل التيار الشيعي المرتبط بايران، بل ان مسعود البارزاني الذي أصبح رئيساً لاقليم كردستان وهو الموقع الرئيس الاستراتيجي في المعادلة العراقية، له تحفظات كبيرة حول نشاطات التيارات الطائفية الشيعية واثارة نعراتها في العراق، وهو في الحقيقة لا ينسجم مع سياسة جلال الطالباني، كما ان مواقفه من حيث المبدأ لا تنسجم مع دعوة الأقاليم الطائفية وسط وجنوبي العراق، لكن هذه القضية حينما تتحول الى ساحة لعبة المصالح تصبح قابلة للتداول والأخذ والرد، والصمت حولها.
ان القوى الطائفية التي أدخلت مشروع التفتيت الطائفي في العراق بقوة كانت تدرك منذ المرحلة الأولى 2004 و2005 مدى المخاطرة بهذا الطريق اذا ما انقلب الأميركان عليهم في لحظة من اللحظات ورفضوا التقسيم الطائفي قبل تقنينه في الدستور والانتخابات، وهنا يظهر كذب بعض المسؤولين الأميركان عندما يدعون اليوم أمام المعارضين لهذه العملية التفتيتية بأنهم ضد مشروع الأقاليم وضد تقسيم العراق ولهذا كان الحاكم بريمر متعجلاً في تنفيذ رغبات سيده بوش لذلك الانجاز الذي زرع قنابل الانفجار الهائل ووضع مقدمات الانقسام بين العراقيين.. كذلك كان يهم هذه الأحزاب مرور المرحلة الحساسة بترسيخ الحكم الطائفي بسلام، والحفاظ على حدود مقبولة رغم خطورتها في مستوى الصراع المصلحي الأميركي الايراني قبل أن ينجر الى منحدرات التصعيد المتوقع بسبب المشروع النووي الايراني ووجود عوامل جيوسياسية أخرى قد تشكل عوامل انفجار في المنطقة مثل وضع حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، وظروف سوريا تجاه اسرائيل. ولهذا ضغط الأميركان على القوى الناشئة المالكة للاستعدادات الطائفية مثل الحزب الاسلامي والتي كانت مهيأة للعب دور الضلع الثالث (السني) في المعادلة السيئة (شيعة وسنة وأكراد) لبناء معمار النظام السياسي في العراق. لقد كان الموقف السليم هو تفويت الفرصة على تلك اللعبة الخطيرة وعدم الاستجابة لمشاريع الانتخابات ولواحقها قبل انجاز المؤتمر الوطني العراقي غير المستند الى المحاصصة الطائفية، والذي كان يمكن أن يضم جميع القوى العراقية والشخصيات الوطنية من جميع الاتجاهات من دون استثناء وعلى أساس سياسي. ان التبرير القائل بأن موقف المقاطعة كان سيؤدي الى انفراد شيعي كردي بالحكم، هو غير صحيح لأن ذلك الانفراد لن يتمكن من الاستمرار أو حتى القبول من الأميركان الذين وضعوا المثلث (الشيعي الكردي السني) لا غير. لكن جاذبية السلطة والجاه قد غلبت على مصالح العراق العليا. ان قبول تشكيل حكومة بعد الاحتلال على أساس انها تمهيد لتسلم السلطة وتحقيق السيادة العراقية، انما كان أمراً تمويهياً ومخادعة فهمها شعب العراق، فكيف يمكن قبول معادلة حكومة في ظل الاحتلال العسكري لا تكون أداة له. كما ان قبول قرار تشكيل حكومة محلية في ظل الاحتلال شرعت بتنفيذ برنامج الاجتياحات العسكرية للمدن المقاومة للاحتلال خصوصا الفلوجة وبعدها النجف، ثم بعقوبة والموصل في حين كارثة حرق وتقسيم بغداد مستمرة. وبتمرير مجازر بشعة ضد حقوق الانسان اقترفتها القوات الأميركية في سجن أبي غريب وبوكا في البصرة وكروبر قرب مطار بغداد ومعتقلات الحكومة والمليشيات والذي انفضح من بينها سجن الجادرية لوزارة الداخلية. ثم مسرح عمليات قتل الأبرياء من العراقيين ورمي جثثهم مقطوعة الرؤوس في الشوارع ومجاري المياه ونهر دجلة الذي يعيد ذاكرة هولاكو خلال اجتياحه لبغداد في القرن الثالث عشر من لون أحبار كتب العلم والثقافة لبغداد الحضارة الى لون دماء العلماء والأساتذة وقادة الجيش الذين دافعوا عن العراق وأرسوا دعائم مدنيته الجديدة د. ماجد احمد السامرائي