غرائبية الحكي في 'مرج الكحل'

بقلم: د. أبوالمعاطي خيري الرمادي
نداهة جدي

توطئة
المتوالية القصصية, والحلقة القصصية, والنوفيلا, ومجموعة القصص المتكاملة, كلها مسميات لذلك الشكل القصصي الواقع في المنطقة بين الرواية والقصة القصيرة, ويتكون مـن مجموعة قصص بينها روابط فنية, مثل توحد الراوي, وتشابه المضمون, والجو العام, واللغة, وطريقة المعاجلة.
والحلقة القصصية تتميز عن المجموعة القصصية والرواية في أن اهتمامها ينصب على موضوعي المكان والترجمة الذاتية, فهما العنصران اللذان يضمنان لها وحدة الجو العام رغم تعدد الأجزاء, فهي ليست مجموعة قصص قصيرة, كما أنها ليست رواية "بل ينهض بناؤها على هذا التوتر بين متطلبات القصة القصيرة المستقلة المغلقة من ناحية, ومتطلبات الرواية المترابطة والمفتوحة من ناحية أخرى" (1)
وحتى تبلغ الحلقة القصصية "درجة عالية من الإحكام البنائي والفاعلية لابد أن تتمحور حول عنصر من العناصر المركزية, وأن ترتبط قصصها معا بطريقة يتحقق فيها التوازن بين الاستقلال الفردي لكل قصة على حدة, وضرورات وحدة بنائية أكبر هي الحلقة القصصية كلها. هذا, ولا بد من أن يتوافر في تتابع قصص الحلقة درجة من النمو والتطور من قصة إلى أخرى حتى لو كان هذا النمو يتم على المحور الرأسي في اتجاه التنوع والعمق بدلا من المحور الأفقى بنموه الخطي المعهود, وألا يكون هذا النمو على حساب التوازن بين الاستقلال الفردي للقصة ووحدة الحلقة بوصفها كلا." (2)
قد يبدو بين الحلقة القصصية والرواية تقارب مبعثه امتداد الزمن وتعدد الشخصيات, واتساع الفضاء, لكنه تقارب شكلي, فبين الحلقة القصصية والرواية - خاصة الكلاسيكية - نقاط خلاف, أهمها أن الحلقة القصصية لا تعطي لحياة الكاتب، ولا للمكان، صورة متكاملة وكلية, مثل الصورة التي تعطيها الروايات الكلاسيكية, فحياة الكاتب والمكان تبدو فيها عبارة عن أقراص مضيئة موزعة على صفحات العمل, كما أنها ترفض مفهوم البطولة, ففي الوقت الذي تستمد فيه الرواية الكلاسيكية أحداثها من حياة البطل لعجز كتابها أن يتخيلوا شيئا خارجها, تستمد الحلقة القصصية أحداثها من خارج ذات [البطل / الراوي].
***
من يقرأ المتوالية القصصية "مرج الكحل" لمنير عتيبة يدرك أن كاتبها لم يؤلف قصصها من البداية بحيث تبني نموذجا قصصيا, فالمتوالية لا تسير وفق نموذج كتابي قصصي قائم على التطور, تسلم فيه كل قصة طرف الحكي للقصة التي تليها, وشخصياتها غير متطورة، رغم حرص الكاتب على وضع روابط, فالجد عبدالحفيظ في قصة "نداهة جدي" هو بطل قصة "مرج الكحل", وله وجود بالقوة أو بالفعل في قصص "العاشق"، و"قبلة العفريت"، و"النخلة". والعم محروس الشخصية الرئيسة في قصة "سر الحمار" له وجود في قصة "خالى السفلي".
تحتوى المتوالية على أربع عشرة قصة تدور كلها في فضاء عجائبي غريب مفرداته [النداهة ـ العفريت ـ العوالم السفلية ـ ورود دموية ـ ذئاب مائية ـ أحجبة] رغم أن مكوناته كلها مستمدة من الواقع في القرية [أناس عاديون ـ حمار ـ جرن ـ قط ـ ساقية ـ نخلة ـ دراجة].
ففي القصة الأولى "نداهة جدي" التي تحكي عن الجد صاحب القوة الخارقة المجنون بالمخاطرة, الذي "أدار الساقية القديمة بذراعيه رغم أن صدأها أعجز ثورا ضخما عن تحريكها, وقتل ذئبا في معركة شهيرة بجوار مقابر القرية, وأكل كبد الذئب نيئا فلم يعد يخشى شيئا .. وسبق كل شباب القرية عندما تباروا في السباحة ضد التيار لمسافة كيلو مترا في ترعة المحمودية." (3)
هذه القوة كان يحركها جنون فنراه يخاطر بحياته ويذهب "إلى الصيد في عز القيلولة عند موردة إسماعيل الجنايني" (4) التي يتجنب الناس المرور بجوارها من بعد الظهر حتى اقتراب المغرب خوفا من النداهة التي تفتن المارة بجمالها, وتجذبهم وتغوص بهم إلى قاع ترعة المحمودية.
ويلبي نداء النداهة ويغوص معها إلى القاع, وينفذ مطالبها فيهاجم وردة غريبة "تشبه ورد النيل لكنها حمراء اللون .. حمرة الدم الفاسد" (5) يحميها ذئب متوحش, نجح في خداعه وخطف الوردة التي وجد بها حجابا" مكتوبا بخط ردىء لكنه لامع يكاد يغشي البصر، من يحاول فك هذا الطلسم سيرث حزن العالم." (6) فخاطر ومزق الحجاب, وكان "كلما مزق قطعة في الحجاب حدث تغير في النداهة. كانت زعانفها تتحول إلى أرجل بشرية .. وفمها يحاول أن يفتح ليقول شيئا .. وعندما انتهى من تمزيق الحجاب تماما .. صرخت النداهة "إلحقوني"، وغطت صدرها العاري بيدها.." (7) فخرج بها من الماء وألبسها ملابسه, وسمع حكاية ليلة زفافها التي انتهت بأن ألقت بنفسها في الماء, وظلت جثتها طافية من أبي حمص حتى خورشيد فاستقرت بجوار موردة إسماعيل الجنايني, فتركها لتعود إلى موطنها.
وفي القصة الثانية "قبلة العفريت" التي تمجد قدرة الحب على انتشال الإنسان من آلامه نرى نفس العالم العجائبي, فالجدة الجميلة التي كانت تعيش مع خالها" وترعى بنفسها الأفدنة القليلة التي ورثتها عن أبيها" (8) ترى وهي عائدة ذات ليلة من أرضها "شجرة توت مضيئة على بعد أمتار منها .. وكلما اقتربت من الشجرة ابتعدت عنها الشجرة لتظل المسافة بينهما ثابتة, ثم اختفت الشجرة وظهر قنـديل مثلث الشكل معلق في الفضاء" (9) كان عفريتا, توسل لها ألا تقرأ سورتي الفلق والناس قبل أن تسمع حكايته. وافقت , فراح يسرد "مرضت فجأة مرضا حار فيه المداوون ولم يعرفوا ما هو ولا كيف يمكن علاجه .. حتى زار بلدتنا حكيم عجوز قال إن شفائي متوقف على قبلة تمنحها لي إنسية .. لابد أن تكون صبية عذراء جميلة يتيمة شجاعة قادرة على صرفي وحتى إحراقي بقوة شخصيتها وبما تحفظه من قرآن." (10) فرقت له ووافقت على أن يقبلها قبلة الحياة ففعل وانحنى على قدميها شاكرا جميل صنعها.
هذه القبلة كانت سببا في طلاقها مرتين, كانت في كل "مرة تتضايق من قبلة زوجها .. ثم تنفر من رائحة فمه وتصر على طلب الطلاق." (11)
ونراه أيضا في قصة "النخلة" فنرى النخلتين اللتين زرعهما الجد يوم زفافه بمساعدة الجدة قبرين, ونراهما يتوحدان ويصبحان نخلة واحدة.
تقول الجدة لحفيدها "زرعهما جدك في ليلة زفافنا, وساعدته .. ضحكت العائلة منا .. لكن جدك ابتسم لي وقال .. هما أنا وأنت .. عندما مات جدك خرجت القرية كلها خلف نعشه .. الرجال يبكون كالنساء .. والنساء يلطمن كالمجانين .. والأطفال يصرخون .. أنا الوحيدة التي لم أخرج .. جلست على الأريكة بجوار شباك الحجرة .. تابعتهم وهم يبتعدون عن ناظري ورأيت جدك يفي بوعده لي .. خرج من النعش طار في الهواء بغير جناحين .. أشار لي بيديه مبتسما ثم دخل في النخلة اليسرى." (12)
وبعد وفاتها أصبحت النخلة اليمنى قبرا لها "رحلت جدتي .. نفذت وصيتها .. ورأيتها تلوح لي من مكان ما بالهواء .. ثم تستقر في نخلتها.. رأيت نخلة جدي تميل على نخلة جدتي كأنها ترحب بها." (13) ثم أصبحت النخلتان بعد رحيلهما بأسبوع نخلة واحدة "تلقي على الأرض ظلا واحدا عند اكتمال القمر." (14)
هذا العالم الغرائبي نراه ـ أيضا ـ في قصة "شجرة الجميز الغاضبة". فعندما أصر الحاج فتحي على قطع شجرة الجميز العتيقة التي زرعها وهو في الخامسة من عمره على رأس حقله "لأن قطا رمادى اللون.. فاحم الذيل .. له رائحة الزيت المحروق .. يكمن له كل مساء بين (أغصانها) .. ويقفز عليه فجأة وهو عائد من الحقل ويخمش وجهه حتى يسيل الدم منه." (15) ولا يجد أثرا لجروح في وجهه. ابتعدت الشجرة عن مكانها "غضبت الشجرة من الحاج فتحي فابتعدت عن حقله مسافة لا تقل عن خمسين مترا .. وتحركت كل أشجار القرية بدورها لتظل محافظة على المسافة بينها وبين شجرة الجميز." (16), ولم تعد إلا بعد أن اعتذر لها الحاج فتحي واسترضاها لتسامحه استجابة لضغوط أهل القرية.
ونرى نفس العالم في قصة "العاشق" فالقط مؤنس يعشق الجدة زينات ويمنع عنها كل من يتقدم لخطبتها, ويعترف لها يوم دهسته حوافر حصان الجد عبدالحفيظ "سامحينى .. أنا السبب ..حبي هو الذي دفعني لإبعادهم جميعا عنك." (17)
ونفس العالم نراه في قصة "خالى السفلي" فالخال يرحل إلى العوالم السفلية برغبته بعد أن "بذل مجهودا كبيرا .. قرأ الكتب القديمة .. مارس كل الرياضات الروحية المعروفة واخترع لنفسه رياضات أخرى .. جاهد ذاته .. انتصر على رغباته ومخاوفه .. هزم لذاته وضعفه .. حارب أفكاره وقهرها .. تخلص من بشريته بقدر ما يستطيع بشر .. ليكون جديرا بأن يأخذوه." (18)
ونراه في قصة "صاحبنا القديم" فالطفل الغريب يرقب الأطفال وهم يلعبون في "الجرن الفاصل بين صف الزرائب التي تحوي كل ماشية قريتنا وبين الحقول." (19), ويضيق كلما رآهم لا يضحكون, شاركوه معهم في لعبهم "لكنه عندما حاول أن يشوط الكرة مرت قدمه من خلالها, وظلت الكرة مكانها." ( 20), وعندما اختير حارسا للمرمى لقدرته على الطيران "كانت الكرة تخترقه من أي منطقة في جسمه وتستقر في المرمى." (21), ولفشله اختار لنفسه دورا "بدأ يقف في الهواء في منتصف الملعب ويتوهج كمصباح كهربائي ضخم يضيىء الملعب كله بعد غروب الشمس." (22) هذا الطفل العجائبي نعرف حقيقته عندما يعترف أن أمه غاضبة لأنه يرفض إخافة البشر.
ونراه في قصة "سوق الغجر" المقام فوق مخبأ أعدته الحكومة في أثناء الحرب العالمية, وتباع فيه "ملابس قديمة وأحذية مستعملة وخضر وفواكه وأعراض." (23) سقطت عليه ذات ليلة عدة قنابل "كانت نتيجتها المؤكدة واضحة للجميع .. إبادة كاملة لكل الغرباء." (24)
والغريب أن السوق بعد سنوات كان يعود من جديـد "لمدة ليلة واحدة كل عـام هي الليلة التي ألقيت فيها القنابل." (25) والأغرب أن الراوي وأمه وأخاه هم من يرونه كل عام دون سائر أهل القرية الذين اعتبروا منزلهم مسكونا بالعفاريت.
ونرى هذه الغرائبية في قصة "الغسيل" التي نرى فيها ارتباط نزول المطر بغسيل الشخصية الرئيسة لملابسها, وملاحظة أحد ساكني الحارة ـ بائع الدوم العجوز ـ لهذا الحدث الغريب ونشره بين الناس الذين امتلأت نفوسهم بصحة ما روى وراحوا يتابعون الشرفة العجيبة بشكل أفزع الزوج "فوجئت في اليوم التالي بعدد كبير من الرجال والشباب والنساء والأطفال يقفون أمام بيتي، وعيونهم معلقة على بلكونة شقتي .. كانت زوجتي تنوي غسل ملابسنا لكنني طلبت منها ألا تفعل." (26)
وأمام صعوبة عدم غسل الملابس والرائحة "التي زكمت الشقة الضيقة فحولتها إلى جحيم." (27) طلب الزوج من زوجه غسل الملابس؛ لأنه لا معنى لموقفهم المتشدد من غسل الملابس ـ كما يرى ـ "بسبب خرافة أطلقها عجوز وقح" (28) وراح يساعدها لتنتهي من الغسل بسرعة, لكنها ما كادت تنتهى من نشره متجاهلة عيون الناس المراقبة لها حتى سقط المطر غزيرا, وبدأ الناس ينظرون إلى الغسيل بتقديس, واضطرا إلى جمع الغسيل, فتوقف المطر الذي استمر أياما بعد دقائق والزوج وزوجه لا يصدقان. غير الزوج مكان النشر فنزل المطر, جمع غسيله فتوقف, لكن الذهول لم ينته.
ولم ينته الأمر عند هذا الحد بل فوجئا بحشد من الفلاحين وأصحاب الأراضي الزراعية يطلبون نشر الغسيل قبل أن يموت زرعهم, فاضطرت الزوجة ـ شفقة ـ أن تنشره, فجاءتها الهدايا في اليوم التالى مع تأكيدات بعدم جمع الغسيل حتى يطلب منها ذلك. لكن هذا المطر النازل أضر "التجار وأصحاب المقاهي والورش والسيارات والملاهي والباعة في السوق الكبير ومنظمي المسابقات الرياضية." (29) فهددوا الزوجين, ثم سرقوا الغسيل تاركين لهما مبلغا من المال, فاشترى المزارعون لهما غيره وأجبروا الزوجة على غسله ونشره, فاضطرا الزوجان للهرب, وفي وسط البلدة قابلهم كارهي المطر المتوعدين "يحملون العصى والسكاكين والمسدسات, ويرددون جملة واحد (لا غسيل بعد اليوم)" (30) وكان من خلفهم المزارعون "يرددون (اغسلي وانشري فورا)" (31) فوقفا في حيرة.
وهذه الغرائبية نراها في "رحلة السندباد الأخيرة" و"تسع خرزات زرقاء لأجل القادم" وإن أخذت مفهوما آخر, يختلف عن الكامن في القصص السابقة.

هذه الغرائبية لا نراها في قصة "ابنهما" قصة الأمل فالخال يسعى جاهدا كى يكون له ولد, جرب كل السبل حتى دله أحد الأصدقاء على فطر سماه السمكة السحرية قيل إن له طيب الأثر في مثل حالته, لكن هذه السمكة لم تنجح في منحه الطفل / الأمل, وإن منحته الإحساس بالأبوة. ففيها خلط بين الحقيقة والخيال, هو ما جعلها مثيرة للدهشة, فالفطر كان حقيقة في فترة ظهوره أواخر التسعينيات, لكن استغلاله في القصة هو الخيالي.
والغريب حقا في قصص هذه المتوالية أن منير عتيبة هدم السائد المشهور في علاقة الإنسان بالجن والعفاريت, فأبطاله يتعايشون معهم, الجد في قصة "نداهة جدي" يخاطب الجنية, والخال في "سر الحمار" يتحدث مع العفريت, والجدة في "العاشق"، تأنس بالحديث مع العفريت المتشكل بهيئة القط مؤنس.
***
وفي المتوالية ظواهر فنية تميزها عن متواليات كثيرة, أهمها أنها لا تتبع نموذجا روائيا في البناء, بل إن عنصر الاستقلال هو الغالب على كل قصص المجموعة, فكل قصة لها كيانها المستقل المكتفي بذاته, ومن ورائها مغزى خاص يريده الكاتب, ورغم ذلك يوجد ترابط بين قصص المتوالية ناتج عن وسائل فنية مستخدمة بدقة متناهية, مثل الإصرار على وحدة المكان / القرية المحتضن الشخصيات والأحداث من بداية المتوالية حتى نهايتها.
والراوى الذي لم يتغير في المجموعة على الرغم من تغير الضمير أحيانا ـ مرة متكلم, ومرة ضمير جمع ـ وهو راوٍ عليم ببواطن الأمور، يعيش بين أشخاصه.
ويميزها سيطرة الأليجورى، وهو لون من ألوان الأدب أو القصة الرمزية ينقل معنى ولكن ليس على نحو واضح أثناء السرد, وهو يشمل أشكالا مثل القصة الخرافية, والخرافة الأخلاقية, وهي أشكال لها مستويان أو أكثر يمكن للقارىء فهمها من خلال عملية تفسيرية.
فـ "نداهة جدي" وراء ظاهر حكيها هزيمة المرأة المغلوبة على أمرها, والعطاء بلا حدود, و"قبلة العفريت"، وراء ظاهر حكيها تمجيد قدرة الحب على انتشال الإنسان من آلامه, وفي "شجرة الجميز" ضرورة الحرص على الجذور, وفي "العاشق" أنانية الحب, وفي "صاحبنا القديم" التعايش مع الآخر بالمفهوم الواسع للآخر, وفي "خالي السفلي" رفض العالم المادي وما به من آلام.
كما تميزها النهايات فالقصص كلها تنتهى بنهايات طبيعية لا تخرج القارىء من اندماجه في الأسطورة ليرى الواقع من خلال الأسطوري.
ففي قصة "نداهة جدي يقول في النهاية "كانت سلوى جدي في سنوات عمره التالية والتي تعدت الستين (مات وهو في الرابعة والثمانين وكنت أنا في العاشرة من عمري) أن يذهب مرة كل عام إلى موردة إسماعيل الجنايني في نفس الموعد بنفس الملابس والسنارة والغلق .. لكنه لم يكن يصطاد .. كان يستعيد رعشة الفرح .. ويحيى حزن العالم في قلبه .. لم يحك ما حدث لأحد غيري."
وفي "قبلة العفريت" يقول "وبعد أن انتهى حفل الزفاف .. ودخلا حجرة النوم .. أسرعت جدتي إلى زوجها وقبلته في فمه قبلة عميقة .. فشعرت بحلاوة عسل ملكات النحل والزبد الصابح في فمها."
وفي "النخلة" يقول "ورحلت جدتي .. نفذت وصيتها .. ورأيتها وهي تلوح لي من مكان ما بالهواء .. ثم تستقر في نخلتها .. رأيت نخلة جدي تميل على نخلة جدتي كأنها ترحب بها."
وفي "مرج الكحل" يقول "ذهب أبي .. لم أعد أرى الجد عبدالحفيظ .. جلست في نفس الأماكن في الأوقات ذاتها, لكنه لم يظهر .. تأملت الزجاجة كثيرا .. درست أحوال قريتي .. فكرت كثيرا .. تأملت أكثر لكنني حائر .. كيف أبدأ .. وبمن أبدأ."
وهي نفس النهايات في (شجرة الجميز الغاضبة ـ ابنهما ـ العاشق ـ سر الحمار ـ خالي السفلي ـ صاحبنا القديم ـ سوق الغجر ـ الغسيل ـ رحلة السندباد الأخيرة).
ويرتبط بهذه النهايات الطبيعية العناوين التي لا تسخر من الأسطورة, بل تعلو بها, فالأحداث تبدأ من العناوين وتنتهي إليها.
فالعنوان "شجرة الجميز الغاضبة" يشير بشكل أو بآخر إلى مضمونها فهو يشير إلى المكان الريفي, ومكونات هذا المكان وأشخاصه وصفاتهم التي لم يخض الكاتب فيها, وهو بذلك مكمل للسرد, خادم للمضمون. حقيقة لا ينطبق ذلك على كـل العناوين, فهنـاك عناوين لا تشي بمـا تحتها من أحداث, مــثل "صاحبنا القـديم"، و"الغسيل"، و"رحلة السندباد الأخيرة", لكن هذه ليست وظيفة العناوين عامة في القصة القصيرة.
ويميز المتوالية ـ أيضا ـ لغتها التي تشد القارىء للاندماج في قصصها, فهي لغة سهلة بسيطة, يختلط فيها العامي بالفصيح (طاقية ـ الحقونى ـ الصابح) على استحياء، فجل لغة القاص فصيحة سهلة، وأرى أنه بذلك يريد التأكيد على أن إبداعه إبداع قصصي, وليس حكيا من الحكي الشعبي, لكنه في ذات الوقت موجه.
كما يميز هذه المتوالية الراوي فهو هادم للشكل القصصي الكلاسيكي وفي نفس الوقت غير خاضع لقوانين الحكي الشعبي, وإن كان يعتبرها أداته فهو يكتب الحكاية الشعبية بحس حداثي وبوعي يجعله يفرق بين الحكاية الشعبية والقصة الجديدة.
فهو ـ الراوي ـ يستخدم نفس تقنيات الحكي الشعبي, مع حرص على الحبكة الأرسطية البسيطة, فقصص المتوالية تخضع لقانون (وضعيتي البداية والنهاية) فالحكاية الشعبية لا تبدأ فجأة, ولا تنتهى فجأة, بل تبدأ هادئة وتصعد عبر الإثارة إلى منطقة الذروة ثم تهبط إلى الهدوء, وهو ما نراه في قصص المتوالية. فقصة "نداهة جدى" على سبيل المثال، تبدأ هادئة, ثم تصل إلى قمة الإثارة في الوسط, ثم ترتد إلى الهدوء الأول في نهايتها, مع الوضع في الاعتبار أن مسألة الهدوء مسألة نسبية.
ويميزها اعتمادها على نوعية خاصة من الشخصيات, شخصيات ثابتة تحركها أيديولوجيات موروثة ترجع كل ما هو خارق إلى قوى غيبية, فالأم في قصة "خالي السفلي" تقبل دون اعتراض رحيل أخيها إلى "سكان الأرض التحتانيين." (32)
***
إن السؤال الذى يطرح نفسه هنا هو هل أضاف منير عتيبة شيئا للأسطورة, أو الحكاية الخرافية؟ أم هو مجرد ناقل بارع قادر على صياغة الموروث صياغة قصصية؟
والإجابة عن هذا السؤال قد تبدو صعبة على قارىء التسلية, سهلة على المتعمق في قصص المتوالية. فالمتلقي المفكر يلمس بيسر إضافات منير عتيبة, الذي جعل من الأسطورة مشجبا يعلق عليه رؤيته للواقع الذي يعيش فيه, كما يلمس بسهولة أهمية دور المروي له في هذه القصص, فكافة أبعادها لا تكتمل إلا به.
وأخيرا: إن من يرد الغوص في أعماق المتوالية فلابد أن يعتبر "الصحراء، والجد الكبير، والرحلة، وبركة الدموع، والسمكة, النداهة" رموزا خلفها معانٍ تحتاج إلى تدقيق النظر حتى يستطيع الوصول إلى مراد الكاتب الذي لا يمكن أن يكون التسلية. فالنداهة رمز المرأة المغلوبة على أمرها, والصحراء الشاسعة رمز المجهول, وبركة الدموع رمز الحزن. د. أبوالمعاطى خيري الرمادي الهوامش:
1ـ د . خيرى دومة: تداخل الأنواع في القصة القصيرة, الهيئة المصرية العامة للكتاب, ص 269.
2ـ صبري حافظ: الرواية والحلقة القصصية, فصول م12 ع 2 1993, ص 44.
3ـ منير عتيبة: مرج الكحل، مطبوعات القصة، تصدر عن ندوة الاثنين بالإسكندرية, ص 7.
4ـ السابق: ص 7
5ـ السابق: ص10
6ـ السابق: ص11
7ـ السابق: ص12
8ـ السابق: ص 17
9ـ السابق: ص 17
10ـ السابق: ص 18, 19
11ـ السابق: ص 19, 20
12ـ السابق: ص 25, 26
13ـ السابق: ص 27
14ـ السابق: ص 27
15ـ السابق: ص 41
16ـ السابق: ص 43
17ـ السابق: ص 59
18ـ السابق: ص 73
19ـ السابق: ص87
20ـ السابق: ص88
21ـ السابق: ص 89
22ـ السابق: ص89
23ـ السابق: ص94
24ـ السابق: ص94
25ـ السابق: ص 92
26ـ السابق: ص 102
27ـ السابق: ص102
28ـ السابق : ص 102
29ـ السابق :ص105
30ـ السابق: ص106
31ـ السابق: ص 10
32ـ السابق: ص70