العراق تحول إلى ثقب أسود للاقتصاد الأميركي

كان الأميركيون يأملون أن يمول العراق احتلال ذاته عبر عوائد البترول الضخمة التي سيضعون يدهم عليها، كما كانوا يأملون أن يمول هذا البلد سيطرتهم على بلدان العالم الأخرى عبر استخدام بتروله كسلاح استراتيجي ضد القوى الإقليمية والدولية الصاعدة. لكن اندلاع المقاومة العراقية المسلحة أسقط هذه الأوهام وحوّل العراق إلى ثقب أسود ضخم يمتص قوة أميركا العسكرية والاقتصادية والسياسية لنصل إلى الأزمة الاقتصادية الراهنة (بالطبع دون أن ننسى أزمة السيطرة الأميركية التي باتت واضحة في كل بقعة من بقاع العالم).
تتخبط الإدارة الأميركية اليوم في أزمة اقتصادية ملمحها الأساسي انهيار سعر صرف الدولار الأميركي وتداعياته على الاقتصاد العالمي المرتبط بأميركا مما يدفع القوى الأخرى لفك ارتباطها بالاقتصاد الأميركي والاستغناء عن الدولار بشكل سريع وهذا سيؤدي إلى مزيد من الانهيار الاقتصادي في أميركا لأن الولايات المتحدة تعتمد في إسناد اقتصادها على أموال الآخرين التي تشتري سندات خزينتها، وعلى طباعة دولار سنده الأساسي قوة أميركا العسكرية التي تعومه. ومن هنا يمكن فهم الكارثة التي أوقعتها المقاومة العراقية بالوضع الأميركي فالمقاومة ضربت الإمبراطورية في نقطة قوتها الرئيسية، أي القوة العسكرية التي بدونها لن تقوم قائمة للدولار.

عودة إلى بديهيات الاستعمار وحرب العصابات

الاستعمار،بعد إسقاط كل الشعارات الإيديولوجية وشعارات حقوق الإنسان وتحضير العالم وعبء الرجل الأبيض،هو عملية نهب اقتصادي بحت. عملية استثمار تجاري يقوم على المبدأ الرأسمالي الأساسي البسيط: توظيف قدر معين من الرأسمال مقابل الحصول على أرباح مجزية. ففي الحالة الاستعمارية توظف دولة أو شركة (مع ملاحظة أنه يعد هناك فرق بين الدولة الرأسمالية المعاصرة وبين الشركات فقد زالت الحدود بين الاثنتين لذلك ببساطة ينتقل ديك تشيني من إدارة هاليبرتون إلى إدارة دولة الولايات المتحدة، وببساطة أيضاً يمنح بحكم منصبه الجديد عقود إعمار العراق إلى شركته السابقة، كما أن الشركات أنشأت جيوشها الخاصة. وبهذا عادت الرأسمالية إلى نقطة انطلاقتها الأولى، حيث الإندماج بين الشركة والدولة كحال شركة الهند الشرقية والحكومة البريطانية).
توظف الدولة الاستعمارية أموالها في الغزو لذلك يجب أن تسترد استثماراتها سريعاً مضافاً لها أكبر أرباح ممكنة، وبأسرع وقت ممكن، لذلك يجب تخفيض نفقات الغزو إلى الحدود الدنيا. وفي سبيل تخفيض المبلغ المستثمر في الغزو رأى رامسفيلد، أثناء التحضير لغزو العراق، الاكتفاء بستين ألف جندي، في حين أن العسكريين، الأكثر خبرة منه، رأوا أن الرقم المطلوب هو ربع مليون جندي، وأخيرا استقر الرقم على رقم قريب من مائة وخمسين ألف جندي،و لاحظت خطة الغزو أن يتم سحب الجنود بسرعة لإنقاص تكاليف الغزو، فكان من المقرر أن يبقى في العراق بحلول آذار/مارس 2004 فقط بحدود 60 ألف جندي. لكن اندلاع المقاومة العراقية أربك خطط الغزو وبدل أن يخفض الغزاة عدد جنودهم رأيناهم يضطرون لرفعها في العام الرابع للغزو. وهنا اندلع النقاش حول تكاليف الحرب فبينما كانت الإدارة الأميركية تأمل أن يمول العراق غزوه، كما قال بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الاميركي في حينه، أو أن النفقات ستكون بالحدود الدنيا إذ صرح دونالد رامسفيلد ان التكاليف لن تزيد عن خمسين مليار دولار. وذلك رداً على لاري ليندزي المستشار الاقتصادي للرئيس بوش الذي قدر أن تكاليف حرب العراق ستبلغ حوالي 200 مليار دولار كحد أقصى في مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال قبل بداية الحرب، فسارع البيت الأبيض إلى نفي ذلك بشدة باعتباره رقما مبالغا به، وأقال لاري.
كانوا يأملون أن يمول العراق نفقات احتلاله كما حدث في سوابق تاريخية كثيرة كحال بريطانيا والهند. لكن ما حدث أن المقاومة العراقية المسلحة حولت الحرب إلى كابوس مرعب للإدارة الأميركية فالنزف المالي يوشك على جعل الوحش الأميركي يخر صريعاً إذ قدر الخبير الإقتصادي ستيغلينز أن التكلفة النهائية للحرب ستصل إلى ثلاثة تريليون دولار،فالتكلفة المباشرة لحرب العراق هذه الأيام ارتفعت إلى 12 مليار شهرياً هذا عدا النفقات الصحية للجرحى، ومازال معدل الإنفاق في تصاعد مستمر.

للمقارنة: بريطانيا والهند

و للمقارنة نشير إلى أن الهند التي كانت تعد في عام 1913 ثلاثمائة مليون هندي كان يمسكها 76 ألف جندي انكليزي، فإذا سحبنا الأرقام على العراق الذي يعد عدداً من السكان يقرب من ثلاثين مليون فيجب أن يديره الأميركان بحوالي ثمانية آلاف جندي ليكون مجزياً اقتصادياً، كما الهند لبريطانيا.
ضم جيش شركة الهند الشرقية عام 1857، حوالي 310 آلاف سباهي أي 90% من القوات. وكانت وظيفة هذا الجيش، الذي غالبيته من السكان المحليين والممول من خزينة الهند، مزدوجة فمن جهة إدامة السيطرة البريطانية على الهند، كما ساهم في التوسع البريطاني في بورما 1824 – 1885 وفارس 1856/1857 وفي الصين 1824- 1839، 1860-1878 وفي أفغانستان عام 1878 – 1880 وفي مصر 1882- 1885 وافريقيا الشرقية والوسطى 1898/1897 و1902-1904. وبذلك فإن الهند مولت احتلالها واحتلال بريطانيا لأجزاء أخرى من العالم. وهذا ما كان يأمل الأميركان تحقيقه في العراق.
لم يكلف احتلال الهند انكلترا فلساً واحداً لأنه كان على الأولى أن تتحمل نفقاته، هذا ما ذكرته شركة الهند بفخر في مذكرة وجهتها عام 1858 إلى البرلمان البريطاني. (الكتاب الأسود للاستعمار- دار قدمس)
فتكلفة القوات الملكية والأفواج البريطانية، أيضا، وقعت على عاتق الهنود. كما أن الهند تحملت جزءاً كبيراً من تكلفة القوات الهندية التي استخدمت في المغامرات الاستعمارية الإنكليزية في أماكن أخرى من آسيا وأفريقيا، كما ذكرنا.
كما أدار ملك بلجيكا الكونغو، الذي تبلغ مساحته أضعاف مساحة بلجيكا، بــ 254 أوربياً منهم 46 بلجيكياً، و1067 أوربياً عام 1886، و1895 عام 1900، و2511 عام 1905م، وفي الكونغو الفرنسي لم يكن الجهاز الإداري يتجاوز إلا 36 أوربياً زيادة على 118 رامياً و3500 عاملا أوربيا لأن الاعتماد الأساسي في الغزو على سياسة فرق تسد، وعلى تجنيد أقليات من السكان مختلفة اثنيا أو دينيا ضد الأكثرية، وبهذا تم تخفيض نفقات الاحتلال إلى الصفر أو قريباً منه وتم تعظيم الإيراد.
هنا يكمن مأزق الاحتلال الأميركي للعراق فهو ما زال مضطراً للاحتفاظ بربع مليون جندي ومرتزق وهذا يجعل المشروع الاستعماري، الذي هو مشروع استثمار اقتصادي بالدرجة الأولى، كما ذكرنا، مشروعاً خاسراً.
بعد هذا نعود لنذكر أنه ليس من مهمات مقاتلي حروب العصابات أن يكسبوا الحرب بالضربة القاضية بل بمراكمة النقاط لصالحهم، لأنهم لن يكسبوها عسكرياً حيث أن ميزان القوى بينهم وبين الجيش المستعمر مختل بشكل هائل لصالح المستعمر، لذلك يكفيهم أن يبقوا عدوهم في حالة أرق وتوتر واستنفار وحشد دائم للقوات، وهو في الحالة الأميركية الراهنة أمر مكلف مادياً إلى حدود لا نهاية لها. يكفيهم أن يبقوا العدو بحالة استنفار دائم لينزف اقتصاديا حتى ينتصروا، لأنه في لحظة ما ستنهض قوى داخل المركز الإمبريالي تطالب بوقف هذا النزف الاقتصادي وإنهاء هذه الحرب التي لا سبيل لكسبها. وسيضطر المحتل لمفاوضة المقاومة والرضوخ لشروطها ليوقف خسائره الاقتصادية، فبالرغم من كل ما يقال عن المشاريع الإمبراطورية وعن هيبة الولايات المتحدة وكرامتها فهم يعرفون كيف يدوسون على كرامتهم وعلى هيبتهم فيتراجعون ببساطة عندما يخسرون النقود لأنهم عبيد للمال ولا قيمة عندهم لشيء سواه. فإن أردت أن تنتصر اجعلهم ينزفون اقتصادياً. د. ثائر دوري