ثورة ثقافية تجتاح الاستخبارات الأميركية

مراجعة شاملة

لا يزال مجتمع الاستخبارات الاميركية يواجه تحديات عديدة ترتبط بطرق جمع المعلومات وصدقيتها وأساليب تحليلها وكيفية التعاون المشترك بين وكالاته وأجهزته المختلفة، رغم الجهود التي بذلت للعمل على إحداث تغييرات جوهرية في عمل هذا المجتمع منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 والفشل في قصة أسلحة الدمار الشامل العراقية.

هذه القضايا تناقشها "نانسي بيرنكوف توكر المساعد الأسبق لنائب مدير الاستخبارات الوطنية للمعايير والتكامل التحليلي، والذي يعمل تحت مظلة "مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في مقال نشر تحت عنوان "الثورة الثقافية في الاستخبارات"، بدورية the Washington Quarterly، العدد الثاني من الإصدار رقم 31، ربيع 2008.

معارك مبكرة وترى الكاتبة أن جهود إصلاح المجتمع الاستخباراتي قد بدأت في عام 2004 مع إقرار الكونغرس تأسيس مكتب مدير الاستخبارات الوطنية (ODNI) حيث أضحت الوكالات الاستخباراتية وكافة الأجهزة الحكومية تعمل في إطار هذا البناء المؤسساتي الجديد، وهو ما أنهى نسبياً الخطوط التقليدية لتوزيع السلطات والموارد داخل هذا المجتمع الواسع.

ورغم الجهود التي يبذلها هذا المكتب منذ نشأته، إلا أن الممارسات تكشف عن ضرورة وجود أفعال حقيقية لإحداث ثورة ثقافية كبرى داخل هذا المجتمع وليس فقط الاكتفاء بهذه التعديلات الشكلية، إذ تؤكد العديد من المنظمات المعنية ومراكز الفكر أن هناك نقص في رغبة المجتمع الاستخباراتي في تحقيق النجاح المنشود، كما ترى الدراسات الحكومية أن النتائج متواضعة للغاية حتى اليوم.

وعلى سبيل المثال، فإن تقدير الاستخبارات الوطنية لقدرات ونوايا إيران النووية الصادر في ديسمبر عام 2007، والذي جاء بنتائج مغايرة تماما لتقرير استخباراتي صدر في عام 2005، وإن أكد على أن ثمة تطبيقات واقترابات تحليلية جديدة جرى استخدامها، فإنه قد كشف عن خلل في ثقافة المجتمع الاستخباراتي العام بعد الانتقادات العديدة التي وجهت لهذا التقرير.

وتعود الكاتبة إلى المعارك المبكرة التي خاضها البيت الأبيض من أجل ألا يرتفع صوت المجتمع الاستخباراتي بأكثر من المطلوب، وترى أن البيت الأبيض قد رفض كليةً في عام 2004 فكرة ترشيح مدير للاستخبارات الوطنية من خارج فريق إدارة بوش، في استمرار للمقاومة السابقة من لدن البيت الأبيض ووزارة الدفاع لتطوير المجتمع الاستخباراتي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى هجمات سبتمبر 2001، حيث قدمت خلال هذه الفترة نحو 340 مقترحا إصلاحيا، ومن بينها استحداث منصب مدير الاستخبارات الوطنية، الذي لم يبرز للوجود إلا في عام 2004.

ورغما عن ذلك لم يحصل مكتب مدير الاستخبارات الوطنية سوى بسلطة جزئية على الأجهزة الاستخباراتية الستة عشر وموازنتها، كما عارضت وزارة الدفاع أن يدير هذا المكتب بشكل مباشر كافة الأجهزة الاستخباراتية التابعة لها، وهي "وكالة الاستخبارات الدفاعية، ووكالة الاستخبارات الوطنية للتصوير والمسح الجغرافي، ومكتب الاستكشاف القومي، ووكالة الأمن القومي، ومراكز الخدمة الاستخباراتية"، مما أدى إلى عدم الوضوح وتضارب الاختصاصات والأولويات العملياتية والثقافية داخل المجتمع الاستخباراتي.

بداية التجربة

ومن واقع خبرتها العملية لمدة عام ونصف بهذا المكتب، ترى الكاتبة أن تأسيسه قد أتاح التوقف عند القضايا الأشمل للمجتمع الاستخباراتي ومكامن الخلل التي ظهرت في عدم وجود المساواة بين الوكالات المختلفة في الموارد وتضارب الاختصاصات فيما بينها في بعض الحالات.

ولذا فقد بذل مدير الاستخبارات الوطنية العديد من البرامج الإصلاحية لتطوير مستوى الأداء التحليلي ووضع معايير تحليلية قياسية وإيجاد برامج مشتركة مرتفعة الجودة من التدريب. وتعمل هذه البرامج في إطار مكتب المعايير والتكامل التحليلي. ومن الجهود التي بذلها مدير الاستخبارات الوطنية ما يلي:ـ

ـ العمل على تطوير مشروع "دليل المصدر التحليلي" وهو ما سمح للمتخصصين من تحديد 17 ألف اسم يمكن الاستعانة بهم كمؤهلين لحل بعض المشكلات داخل المجتمع الاستخبارتي. وقد ركز هذا الدليل الضوء على أن لا شخص يعرف تحديدا كيف يعمل المحللون في الوكالات المختلفة في حالات معينة مثل أفغانستان والعراق والإرهاب.

ـ العمل على دعم جهود تشارك المعلومات بين الأجهزة المختلفة من خلال: مكتبة الاستخبارات الوطنية الجديدة، وتحويل رئيس وحدة الموجز اليومي "المعلوماتي" إلى معاون للوكالات المختلفة وليس تابعا فقط لوكالة المخابرات المركزية السي أي ايه، وتوسيع عمل مركز المصادر المفتوحة ليشمل تقييم المواد المعلوماتية الخام وتصنيف ما لم يجر تصنيفه منها حتى الآن، واستحداث وحدة التحليل بعيد الأمد لدعم البحث المشترك وتبادل الخبرات بين الوكالات المختلفة.

ويساهم مكتب "المعايير والتحليل التكاملي" في وضع أسس موضوعية جديدة للمحللين واستخدامهم لاقترابات بديلة بمقاييس أكثر وظيفية وحيادية، تتجنب الاعتبارات السياسية حول قضايا مختلفة ترتبط بإيران والصين والإرهاب. ويقدم المكتب أيضا تقارير دورية للوكالات الاستخباراتية وتقرير سنوي إلى الكونغرس.

ويمكن القول أن تقرير الاستخبارات الوطنية الأخير حول برنامج إيران النووي، والذي قيمًه مكتب المعايير، قد استند في تحليله على استخدام اقترابات بديلة وأعاد تعريف المفاهيم والافتراضات السابقة وأخذ بعين الاعتبار الفجوات المعلوماتية القائمة وشفافية المعلومات ومصادرها. وقد أجرى المكتب تقييمه ليس بناءً على وضع أحكام ما، ولكن أيضا من خلال وضع معايير للثقة بهذه الأحكام.

صدمة ثقافية

إن الكفاح عبر العقود الماضية لتغيير المعايير القديمة وإحداث ثورة حقيقية في ثقافة المجتمع الاستخباراتي لا ينبغي أن يتوقف عند هذا القدر، لأن هناك آلافا دخلوا العالم الاستخباراتي في السنوات الحديثة، ولا يزال العديد منهم يعمل وفق عقلية محافظة رغم أنهم أكثر انفتاحا على التكنولوجيا الابتكارية ويقرءون بشغف المعلومات المصنفة والمتاحة.

ويذكرنا هذا الأمر بمقولة الرئيس جون كيندي، بأننا "نفترض دائما أن من يعملون في مجال العسكرية والمخابرات أفراد ذوي مهارات لا تتوافر لأناس عاديين.. لكن ليس صعبا أن تخلق أفرادا لديهم وعي بحسابات صنع القرار والمؤمنين بتقاليد الدفاع". وبالتالي فالمطلوب هو التأكيد على ثقافة التشارك والقفز على التحيزات عبر إيجاد أشخاص أكثر تحملا للمسئولية، يساعدهم في ذلك مدير استخبارات وطنية نال القدر الكافي من التدريب عالي المستوى والكفاءة.

وتعد الدورة التدريبية المعروفة باسم "التحليل 101" والتي أجريت عام 2006، إحدى المحاولات الجادة لإعادة تأسيس فكر جديد للمتدربين، إذ تم بحث اقترابات تحليلية جديدة، وجرى تعزيز ثقافة التشارك الجماعي حيث اجتمع محللون من الوكالات الاستخباراتية الستة عشر في قاعة واحدة للعمل على إعادة بناء الثقة وتعلم الاقترابات والأنشطة لدى كل وحدة وخلق شبكة لتسهيل العمل المستقبلي المشترك، كما ناقش الطلاب في هذه الدورة معايير التحليل الاستخباراتي، نظريةً وممارسةً.

بيد أن كافة هذه الجهود تواجه مقاومة بسبب ما يراه البعض شكوكا حول دور مدير الاستخبارات الوطنية ورؤيتهم لمكتبه باعتباره وكالة متخصصة فقط، وبين من يخشى تطوير جماعة تفكير تحليلية تقود لتغيير ما هو معمول به منذ عقود.

أجندة لإحداث ثورة ثقافية

وبناء على ما سبق، يرتبط التحول المأمول في أداء المجتمع الاستخباراتي ودور مدير مكتب الاستخبارات الوطنية، بالبدء تواً في إصلاح ناجح يرتكز على بعض العناصر، هي:

أولا: توثيق أكبر للعلاقة بين الوكالات الاستخباراتية وأعضاء الكونغرس، وخاصة بعد أن بات الكونغرس أكثر جدية في الرقابة على هذا المجتمع منذ هجمات سبتمبر 2001. ولكي تكون هذه الرقابة بناءة، يجب أن تخف حدة النبرة العدائية من لجان الرقابة والإشراف بمجلسي الشيوخ والنواب، ويجب ألا يتعامل مسئولو المجتمع الاستخباراتي مع أعضاء الكونغرس بذات المنطق. فالكونغرس يمتلك قطع التمويل في حين يمتلك المجتمع الاستخباراتي المعلومات المؤثرة، وتقتضي الشراكة الجادة قضاء وقت أطول من أعضاء الكونغرس في قراءة التقارير المقدمة من المجتمع الاستخباراتي، وعلى قادة هذا المجتمع والعاملين به أن يكثفوا حضورهم للكونجرس ومناقشة مختلف القضايا مع أعضاء الكونغرس ولجان الرقابة.

ثانيا: يجب تأسيس جامعة مستقلة للاستخبارات الوطنية، للتأكد من حصول أعضاء الأجهزة الاستخباراتية على أفضل الممارسات التعليمية والتدريبية التي تشعر الجميع بأنهم متساوون في الفرص. ويجب أن تعمل هذه الجامعة تحت مظلة وكالات خاصة بحيث تعتمد ثقافة جديدة وطرق منهجية حديثة ولا تخرج نطاق التحيز المعرفي عن المصالح القومية الاميركية.

كما يجب دعم برامج التدريب مثل التحليل 101، فهذا ما يخلق التشارك ويوجد اقترابات فكرية وتحليلية مبتكرة ومستوى عال من المبادئ والممارسات لتعزيز المشاركة بين الوكالات المختلفة خاصة بعد أن وضح أن الفشل في تبادل المعلومات بين هذه الوكالات كان اللحظة الاستثنائية في التاريخ الاميركي، والتي سمحت بتنفيذ هجمات 2001.

ثالثا: لا يتطلب الإصلاح الاستخباراتي فقط البحث عن اقترابات تحليلية جديدة، لكن يستلزم كذلك تطوير مفاهيم أكثر إنتاجية في البيئات الاستخبارية. ولن ينتج هذا بشكل عشوائي أو عبر التجارب السابقة فقط. فالطبيب ورجل الأعمال يتعلمان معرفة مطلقة في الجامعة، لكنهما بعد سنوات من العمل والممارسة يفعِلان أدوات تحليلية جديدة ويطوران مهارات لم تكن موجودة.

رابعا: لا يكفي في كل الأحوال أن تؤسس المراكز البحثية ومحللي المجتمع الاستخباراتي لمعرفة أوسع بالعالم الخارجي فقط، بل ينبغي على مجلس الاستخبارات القومية أن يكون أكثر ديناميكية في القضاء على القيود الموجودة بالداخل خاصة الإجراءات الأمنية المتكاملة.

إن امتداد العمل الاستخباراتي لا يقف عند حدود القدرة على تجنيد متخصصين بالخارج لشغل بعض النطاقات الجغرافية والوظيفية حول العالم، بل يشمل القدرة على بلورة الصورة بشفافية أمام الجمهور ووسائل الإعلام والكونغرس والآخرين، على حد تعبير وزير الدفاع الحالي ومدير المخابرات المركزية سابقا "روبرت غيتس"، وذلك مع حفظ السرية وحماية مصادر المعلومات، إذ لا يجب أن تكون السرية عاملا يؤدي لوقف جهود الإصلاح الاستخباراتي.

خامسا: يجب أن تحظى عملية إعادة تصنيف السجلات بأولوية، إذ يجب أن يصل أعضاء المجتمع الاستخباراتي بسهولة إلى المعلومات التاريخية والحديثة حتى يمكن الوقوف على إخفاقات الماضي ونجاحاته. ولا ينبغي أن يستخدم الآخرون ذلك أكثر من الاميركيين إذ يحصلون على مزايا لدى التعامل مع واشنطن.

وعلى سبيل المثال لم يتم حتى الآن توثيق نهائي يعود إلى انقلاب محمد مصدق عام 1953 في إيران أو لماذا أقام الشاه رضا بهلوي علاقات وثيقة مع الاميركيين، كما أخذ توثيق حادثة ضرب اليابانيين لميناء بيرل هاربر في عام 1941 نحو 36 عاماً من جمع النسخة المكتوبة يدويا من لدن "روبرتا وليستر" محللة شئون الأمن القومي بعد اكتشاف أهمية توثيق هذه الحادثة التي استخدمت فيما بعد في تحليل الفشل الاستخباراتي.

وعلى الرغم من تأسيس مدير الاستخبارات الوطنية لمركز الدروس المستفادة بناءً على طلب الكونغرس، فإن خطوات المشروع لا تزال بطيئة للغاية ولا توجد أجندة واضحة لعمل هذا المركز.

سادسا: يجب إيجاد حلول خلاقة لحل مشكلة ضعف فاعلية فريق عمل مدير الاستخبارات الوطنية، إذ هناك اختلاط في طبيعة عمل الوكالات وفي وجود هيكلية غير داعمة لالتزامها العمل الاستخباراتي وتنفيذ مهماته وممارسة قواعده.

ويبدو عمل هذا المدير مقسم بين القيادة والتنسيق، فهو يؤدي مهمات ترتبط بالعمليات والتحليل والتواصل بين خطوط الوكالات المختلفة والتطوير التكنولوجي من جانب، ويعمل كمنسق عام للمعلومات مع مراكز مكافحة الإرهاب ومنع الانتشار من جانب آخر.

ويرى غالبية المراقبين أن هذه الشجرة البيروقراطية المعقدة وعدم التناغم بين الأنشطة المتباينة تحتاج إلى فريق عمل كبير للعمليات والتحليل وإلى كادر صغير العدد يمارس الرقابة ويعزز التعاون المشترك، وهو الأمر الذي أدى إلى صرف 70% من ميزانية الاستخبارات على عقود خاصة للاتفاق مع أشخاص وهيئات تتمكن من أداء هذه الأعمال كما تفعل الأجهزة الحكومية الأخرى. وهنا يضيع وقت طويل في التفاوض وإتمام العقود التي تعد مؤقتة بطبيعة الحال، كما لابد وأن يقدم رئيس الاستخبارات الوطنية تقريرا سنويا مفصلا للكونغرس بالعقود الخاصة بكل وكالة استخباراتية.

ومن جانب آخر، فإن أبرز المعوقات التي تحول دون الإصلاح الجاد هو استمرار اعتماد مكتب مدير الاستخبارات الوطنية على قواعد العمل والتنظيمات والإجراءات المعمول بها في وكالة المخابرات المركزية (السي أي ايه)، وهو ما أدى بالمكتب لأن يظل أسيرا ً لعدم الفاعلية بالنظر إلى اختلاف التخصصية بين السي أي ايه وبقية الوكالات الأخرى. (تقرير واشنطن)