'التراث الشعبي' العراقية واحة الزمن الجميل

كتب ـ حسن عبيد عيسى
تقريب العامية من الفصحى

في زمن عراقي مؤلم، عز فيه كل ما يشيع السعادة والبهجة في النفوس، تجد أن مجلة "التراث الشعبي" التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة، والتي تدرج نحو عامها الأربعين، تعيدك إلى زمن مضى مازلنا نراه جميلا ونستمتع بإجتراره، فيه البراءة والأمان والهناء، والتآلف الاجتماعي والاطمئنان.
جاء العدد الجديد من هذه المجلة الفصلية، وهو العدد الأول لسنة 2008 حافلاً بمساهمات هامة شارك فيها حشد من الأكاديميين الكبار والمؤرخين الأعلام والكتاب المشهود لهم والموثوق بهم.
ومع افتقادنا للافتتاحية التي عوَّدَنا قاسم خضير عباس على أن تكون نجوى بين هيئة التحرير والقارئ، نجد أن د. إبراهيم الحيدري أعد دراسة عن مجموعة شعرية شعبية عمرها أكثر من قرن ونصف هي "عتابات ومواويل"، كان المستشرق الألماني إدوارد زاخلو جمعها خلال رحلاته العديدة إلى العراق وسوريا.
تعدى الباحث مهمة التعريف بالمجموعة إلى تفصيل نشأة الشعر الذي نسميه شعبيا مع شرح لخصائص القصيدة الشعبية، وتعريف واف بالمستشرق المذكور وجهوده البحثية، مُفَصِّلاً لوني العتابة والموال.
أما الأستاذ د. حسين علي محفوظ فإنه حاول (تقريب العامية من الفصحى) كما جاء عنوان بحثه، فهو يرى أن الفصحى هي "رابطة قوية متينة أمينة، فلابد من لزومها، والمحافظة عليها، وتوريثها، والسعي لتقريب العامية منها."، ثم قَدَّم نظرة في العامية العراقية، أرجع فيها الكثير من المفردات العامية إلى أصولها وخاصة العربية، ليخلص إلى أن العامية العراقية هي الصورة الباقية من آثار لغات سكان العراق من أقوام وأمم منصهرة في بوتقة العرب." وهي "الأقرب إلى الفصحى".
تضمن هذا العدد القسم الثاني من بحث د. حسين سرمك حسن "التحليل النفسي للأمثال الشعبية العراقية". ثم تناول د. نجاح هادي كبة "توظيف اللغة المحكية في شعر السياب" معللا لجوء السياب إلى الاقتباس من العامية إلى محاربة السياب للتقليدية في الشعر فهو شاعر واقعي. فهو بعد أن يستحضر نماذج من شعر السياب وردت فيها كلمات من المحكية، ثم يأتي على مقاطع هي عبارة عن مقاطع عامية حَوَّرها السياب لما يلائم طبيعة شعره، مثل ذلك الذي يقول فيه: وتلوب أغنية قديمة في نفسها وصدى يوشوش ياسليمة، ياسليمة
نامت عيون الناس آه.. فمن لقلبي كي ينيمه.
وهذا بلا شك مأخوذ من الأغنية الشعبية التي يشير إليها الباحث والتي تقول: سْلَيْمَة يا سْلَيْمَة..
نامت عيون الناس..ﮜﻠﺑﯽ شينيمه
عرج د. محمد حسن علي مجيد على تفصيل (أسماء بغداد وأوصافها) عاد في ثتاياه إلى أمهات كتب التراث العربي من التي بُهِرَ مؤلفوها وشُغِفَ ببغداد عمرانا وجوا وسكانا.
وبسبب طبيعة جو بغداد وما يفرضه من اشتراطات لتحسين المعيشة والتأقلم مع تقلباته، فإن د. حيدر كمونة، بحث في "أهمية الشناشيل في تحسين بيئة المسكن العراقي التقليدي".
ولأن داء السرطان أعيا الأطباء، فإن د. محمد الحاج قاسم الباحث في تاريخ الطب العربي الإسلامي عرض علينا "الوسائل غير الدوائية لعلاج السرطان في الطب العربي الإسلامي".
وإظهارا للقدر الكبير من تمسك الإسلام بالحرية، وأنه حرب على كل من يحاول إهانة الإنسان، فقد أعد د. حسين أمين بحثا بعنوان "دعوة الإسلام إلى تحرير الرقيق" لم ينس خلاله التعريج على رق الاستعمار الذي هو أخزى أنواع الرق وأشنعها.
"بيوولف" قصيدة ملحمية تعد من أروع ما وصلنا من الأدب الانجليزي العتيقة، قدم د. حميد حسون بجية ترجمة لبحث يعرف القراء بتلك القصيدة التراثية. وضمن ذات الاتجاه ترجم ناطق خلوصي بحثا عنوانه "الأسطورة في الدراسات الفولكلورية والانثروبولوجية" للباحثة ميري ماكوليك.
ولأن عددا خاصا من المجلة عن الأهوار كان قد تقرر إعداده، أو على الأقل إصدار ملف خاص ضمن أحد الأعداد، إلا أن دراستين فقط عن الأهوار تيسرتا لهيئة التحرير ليرفدوا بها هذا العدد، مما يعني أن ذلك لا يكفي لإصدار عدد خاص أو ملف، لذا فقد نشرت الدراستان في هذا العدد بعد أن وشي غلافه بصورة تدلل على تلك النية.
الدراسة الأولى للباحث التراثي جبار عبد الله الجويبراوي بعنوان "الأهوار في كتابات الأوربيين والساسة الإنكليز"، ومع إن نيبور وديلافيلا وتافرينييه ليسوا من الإنكليز، ولكنهم كانوا مفاتيح الباحث لاستهلال بحثه، فالإنكليزي الأول الذي مر بالأهوار هو جون جاكسون الذي وصف سنة 1797 أسلوب إعداد نساء الأهوار للخبز حتى أن ﮜﺎفن يوﻨﮓ علق على ذلك بقوله "لقد نسي جاكسون شيئا واحدا فقط هو طعم الأرغفة اللذيذ"، كما يستعرض الباحث الجويبراوي، ثم جاء وليام هود سنة 1817، ومضت أكثر من مائة سنة قبل أن يقدم إنكليزي آخر هو بيلي فريزر الذي أكد أن أناسا يعيشون بين الأهوار والمستنقعات هم أصلب العرب قاطبة وأكثرهم وسامة وجمالا.
ثم يستعرض الجويبراوي أسماء رحالة وسياسيين إنكليز لامعين زاروا المنطقة من أمثال جورج كيبل والاثاري الأشهر لايارد، بينما حفل القرن العشرون بعدد غفير منهم، مثل: بكستون ودامسون والليدي دراورز التي كتبت فصلا بعنوان "عرب هور الحويزة" وغيرهم كثيرون.
الدراسة الثانية عن الأهوار هي التي أعدها حسن عبيد عيسى بعنوان "الجاموس أمير حيوانات الهور"، أكد فيه على أن الجاموس ذي الدرجة الرفيعة بين حيوانات بيئة الأهوار، كان شريكا للسومريين في تقاسم شظف العيش في تلك البيئة، وأن اسمه جاء كما ينقل عن الجاحظ، من الفارسية التي هي لغة وصفية، حيث تسمي هذا الحيوان (كاو موش) وكاو تعني البقر، وموش تعني الضأن فهو ضأن بقري، وعلى هذا المنحى، نحى ابن منظور، ثم يسرد الخرافة التي تربط بين اسم الجاموس والنبي موسى عليه السلام.
وبعد رحلة تاريخية مع هذا الكائن البليد الخامل، يصل الباحث إلى طبيعة مربي الجاموس وبيئتهم الخاصة والمشاكل التي يكابدونها في مجال عملهم الشاق، ثم يعود إلى مجال الخرافات والأساطير حيث يستحضر بعضا مما سطر عن الجاموس في مجال الأسطورة.
استعرض زين النقشبندي (سوق الكتبيين في بغداد) أو ما كان يعرف بسوق الوراقين، وأنه كان خارج سور بغداد، مع التطرق إلى بدايات تكون سوق السراي في مكانه الحالي في العهد العثماني، وأنه لم يكن مختصا ببيع الكتب، وإنما كان سوقا خاصا ببيع الطرابيش والشارات العسكرية، إلا أن عبدالرحمن أفندي الدلال، وهو خطيب جامع الوزير أعلن في جريدة الزوراء (العدد 260 - 20/6/1872) عن "وجود كتب معتبرة ونفيسه لديه فعلى راغبي الشراء من العلماء الأعلام والمأمورين الكرام الحضور إلى المزاد الذي سيجري نهاري الجمعة والثلاثاء في دكانه قرب الجامع المذكور من الساعة الثانية عشرة صباحا إلى الرابعة."
وتكرر ظهور الإعلان في الأعداد (264 و274)، وبعد متابعة لنشوء هذه المهنة الشريفة في السوق الذي تحول أصحاب الدكاكين فيه إلى مزاولتها، يعرج الباحث على توسع المكتبات وغزوها الشارع المجاور (شارع المتنبي) الذي شهد اعتدائين إرهابيين استهدفا عشاق الكتاب وأصحاب المهنة التي لا يعرف قيمتها إلا من غاص بين مكوناتها الورقية بحثا عن لآلئ الفكر ويواقيت الكلم.
تتحفنا المترجمة المتميزة فضيلة يزل بمقال مترجم عن ظاهرة "قوس قزح وألوانه وميثولوجيا العلم" كتبها فيرف ساراباك، تضمن استعراضا لثقافات أوروبية مختلفة اختزنت في مخيالها الشعبي حكايات طريفة عن هذه الظاهرة الخلابة.
أما الباحث عبد الحميد الرشودي فقد أرخ لرحيل الأديب (حسين حاتم الكرخي 1926-2007) الذي كان من الكتاب المرموقين الذين رفدوا هذه المجلة بنتاجاتهم القيمة، والذي أسهم بإعداد بعض أجزاء ديوان الشاعر العراقي الشعبي الأشهر (الملا عبود الكرخي). حسن عبيد عيسى ـ بغداد