التقرير الأميركي لحقوق الإنسان: غيرة الذِّئب على الحمَل من مفترسه

بقلم: د.خليل حسين

فيما كانت وزارة الخارجية الأميركية تنشر بيانها السَّنوي حول انتهاكات حقوق الإنسان في العالم، كانت نفسها تجاهد في مجلس الأمن الدولي لمنع صدور قرار يدين "إسرائيل" على مجازرها المتلاحقة في غزة، ولم تمضِ ساعات حتى عادت ووضعت ثقلها في المجلس نفسه لإدانة عملية القدس التي أتت رداً على الجرائم ضد الإنسانية التي تمارسها حكومة أيهود اولمرت بحق الشعب الفلسطيني.
فأين الولايات المتحدة من حقوق الإنسان وقانونه الدولي؟
لقد دأبت الولايات المتحدة على تصنيف دول العالم في مراتب ومستويات بحسب ما تراه خرقاً للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، والمفارقة في تقريرها عن العام 2007، ما شمله من تركيز واسع على مسائل ودول، فيما التغاضي كان واضحاً عن كيانات ودول تعتبر مواطن أصيلة لانتهاكات موصوفة من الصعب القفز فوقها أو عدم الإشارة إليها، فضلاً عن الممارسات التي تقوم هي نفسها بها.
وإذا كانت بعض الدول التي طالها التقرير لا يعفيها من المساءلة عما يوجه إليها، فإن ما يمكن أن يوجَّه إلى واشنطن نفسها يفوق التصور في هذا المجال.
وعلى أية حال ثمة عنوان أساسي في هذا المجال وهو ازدواجية المعايير في التعاطي مع تلك المسائل على الصعيد الدولي وواشنطن مسؤولة قبل غيرها عن ذلك نظراً لسجلِّها الحافل في إعاقة عمل الكثير من المنظمات الدولية والإقليمية والأهلية المهتمة في هذا الشأن.
فأين حق الشعوب في تقرير مصيرها وهو حق أساسي في كافة الشرائع الدولية؟
ففي العراق حيث تعتبر الولايات المتحدة دولة احتلال وفقاً لتوصيف وتكييف القانون الدولي، ما الذي فعلته في سجن أبو غريب مثلاً؟ وما هي الإجراءات العملية التي قامت بها عدا عن بعض المحاكمات الصورية؟ ومن الذي يثبت أو ينفي ما يحدث حالياً في هذه السجون أو غيرها؟ وما الذي يجري حالياً من تنظيم لقاءات عراقية - أميركية لتنظيم وشرعنة الاحتلال الأميركي للعراق الذي سيمتد بحسب بعض المصادر الأميركية نفسها لأكثر من ربع قرن قادم؟ ألا يعتبر هذا العمل انتهاكاً فاضحاً لحق شعب بكامله؟
وفي المقلب الآخر من العالم وفي خاصرتها الرخوة ماذا يجري في سجن غوانتنامو وما تفعله هناك؟ هل هو المكان الصالح لسجن كائنات بشرية؟ وماذا عن التقارير التي نشرتها منظمات أهلية أميركية عما يجري في هذه البقعة من العالم والتي صوَّرتها واشنطن على أنها المكان اللائق لعتاة الإرهابيين المفترضين؟ وماذا عن حقوق الإنسان في الولايات المتحدة نفسها التي تعتبر الأولى في العالم بدءاً من التقدم التكنولوجي وانتهاء بالفقر المدقع والجريمة المنظمة الناجمة عن انتهاكات حق المواطن الأميركي في حياة كريمة؟
وماذا عن السجون الطائرة والمتنقلة في أصقاع العالم؟ ألا يعتبر انتهاكاً للقوانين المحلية والدولية؟ وماذا أيضا عن سلوكها ومنهجها في مكافحة الإرهاب الدولي الذي بات عنواناً لمحاكمة الشعوب والأديان؟ وماذا عن تدخلها في شؤون الدول الداخلية وتنظيم الثورات الملونة بحجَّة حماية الأقليات والحرية والديموقراطية؟ وماذا عن معايير الدول المارقة والفاشلة ومحاور الخير والشر؟
لقد نظمت "إسرائيل" حفلات الهلوكوست في غزة ورقص جنودها على جثث أطفال فلسطين الذي بلغ تعدادهم في حفلة الابادة الأخيرة أكثر من خمس وثلاثين بعضهم لم يتجاوز العمر شهراً واحداً، ماذا فعلت الولايات المتحدة لحقوق هؤلاء الأطفال قبل حقوق الإنسان؟ وماذا ورد في التقرير هل وردت عبارات الإدانة أم الإشادة؟
ثمة فشل مزمن من جانب المجتمع الدولي في ردع انتهاكات حقوق الإنسان ما اتاح لواشنطن التغاضي عن أفعال إسرائيل. وشكَّل ذلك عاملاً مشجعاً لها (قوة الاحتلال العسكري) للإمعان في تحدِّيها للقانون الدولي والتصرف كدولة فوق القانون تحظى بحصانة سياسية وقانونية خاصة، والمضي قدماً في جرائمها وانتهاكاتها ضد المدنيين الفلسطينيين بل وتصعيدها إلى مستوى غير مسبوق.
إذ شملت هذه الجرائم والانتهاكات الاستخدام المفرط للقوة وجرائم القتل العمد والإعدامات خارج إطار القانون، والتوسع الاستيطاني وضم الأراضي والاستمرار في تدشين جدار الضم، وتدمير الممتلكات المدنية، وفرض العقوبات الجماعية بما فيها الحصار وفرض قيود مشددة على الحركة والتنقل، والتعذيب وسوء المعاملة، وإنكار العدالة للمدنيين الفلسطينيين بما في ذلك حرمانهم من التعويض عن الجرائم التي تقترفها قوات الاحتلال بحقهم بل عدم التحقيق في الآلاف من تلك الجرائم.
وقد أسفرت هذه الإجراءات عن أزمات إنسانية حادة وتدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة والفقر، فهل ورد كل ذلك في تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول انتهاكات حقوق الإنسان؟.
وما ينطبق على الفلسطينيين ينسحب أيضاً على اللبنانيين والعراقيين؛ فلبنان الذي عانى الأمرين من الانتهاكات الإسرائيلية وبخاصة ما يتعلق بالأسرى وحقول الألغام والقنابل العنقودية التي نشرت منها مليوناً ومئتي ألفا في العدوان الأخير، فهل وجدت لها مكاناً في التقرير؟
لقد نصَّبت الولايات المتحدة نفسها رقيباً على حقوق الإنسان في العالم وراحت تكيل بمكيالين إذا تعلق الأمر بإسرائيل وبأطفال فلسطين وبالغارات على جنوب لبنان واحتلال الجولان.
أما بالنسبة لإسرائيل فتوصف بالدولة الديمقراطية المتمتِّعة بحقوق الإنسان وبالحريات المختلفة وتستفيد سنويا من 12 مليار دولار ومن الأسلحة الأميركية المتطورة لقتل الأبرياء وتحطيم البنية التحتية لفلسطين.
والحرب على أفغانستان والعراق ولبنان والسودان حيث أصبحت قناة "سي ان ان" هي الوسيلة الإعلامية الوحيدة في العالم المسموح لها بتزويد البشرية جمعاء بما تراه، وفي مقابل ذلك تمنع العديد من المحطات من البث؛ فأين هو حق الاتصال وحق المعرفة وحق الإعلام؟
ما يمكن قوله ان حقوق الإنسان وتقاريرها أصبحت أداة ضغط في يد القوى لفرض برامجها على الضعفاء، وأصبحت سلطة تمارس وتوظَّف في لغة السياسة والدبلوماسية وأصبحت تستعمل كوسيلة ضغط على عدد كبير من الدول التي تخرج عن سيطرة صانعي قرارات النظام الدولي.
إن إشكالية حقوق الإنسان معقَّدة وأصبحت في عصر العولمة والحرب على الإرهاب وسيلة ضغط في يد الدول القوية ومبرراً للتدخل في الشؤون الداخلية للدول وللتحكم في مسار العلاقات الدولية وفق مصالحها وأهدافها.
ومن أهم المتناقضات التي يعيشها العالم بشأن حقوق الإنسان أن دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية المدافع الأول عن حقوق الإنسان لا تعير اهتماماً لهذا المبدأ في داخلها إذا تعلَّق الأمر بالأقليات مثل السود والهنود والأقليات الأخرى ومنهم العرب.
ونلاحظ كم من مواطن عربي اتُّهم وسُجن وطُرد من أميركا بدون محاكمة وبدون أدلة قاطعة وبدون سند شرعي.
وما ينسحب على أميركا ينسحب على معظم الدول الأوروبية والدول المتقدمة، التي تبتعد كلياً عن حقوق الإنسان.
إن التقرير الأميركي لحقوق الإنسان للعام الماضي لا يختلف عما سبقه ولن يختلف عما سيخلفه، والفارق الوحيد هو تغيير أرقام السنوات ليس إلا.
صحيح أن ثمة العديد من المسائل والقضايا اللافتة في مجتمعاتنا تستحق التوقف عندها، لكن الصحيح أيضاً أن غيرة واشنطن على حقوق الإنسان في بعض دولنا هو كغيرة الذِّئب على حماية الحمل من مفترسه!

أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية www.drkhalilhussein.blogspot.com