عملية القدس وتوازن الرعب

بقلم: د.خليل حسين

أعادت عملية القدس الاستشهادية إلى الأذهان السبل الكفيلة لإيجاد توازن الرعب بين "إسرائيل" وقوى المقاومة في فلسطين المحتلة، سيما وان هذا النوع من العمليات تعتبر من الوسائل الأكثر إيلاماً للاحتلال "الإسرائيلي" والدولة العبرية بشكل عام، إضافة إلى أن حدودها لا تتوقف في الأراضي المحتلة عام 1967، بل تصل إلى عمق الكيان "الإسرائيلي".
كما تعتبر امتداداً لسلسلة طويلة لأعمال فدائية قام بها المقاومون منذ الانتداب البريطاني على فلسطين، إلا أن حَّدتها وآثارها اشتدت على "الإسرائيليين" في أعقاب مجزرة الحرم الإبراهيمي سنة 1994 إثر استشهاد أكثر من أربعين مصلياً على أيدي مستوطن متدين، الأمر الذي جعل حركات المقاومة تبدأ هذا النوع من العمليات، على قاعدة "العين بالعين".
ومهما تكن فاعلية وآثار بعض أنواع العمليات المنفذة ضد قوات الاحتلال "الإسرائيلي" تبقى العمليات الاستشهادية رمزاً من رموز شدة التمسّك بصوابية وأحقية الفعل المنفذ باعتباره يمثل قمة العطاء المقاوم في وجه الاحتلال بل إن جدواها تمتد لتصب في عمق قضية المقاومة، وتحرز لها مكاسب لا توازيها أي وسيلة أخرى.
ويمكن حصر أهم آثار ومفاعيل هذه العمليات في مسار الصراع الفلسطيني – "الإسرائيلي" فيما يلي:
- تعتبر هذه العمليات من ابرز الأسلحة الفاعلة والمؤثرة في مواجهة المجازر المتتالية التي ترتكب يومياً بحق الشعب الفلسطيني الذي ترك وحيداً دون معين، وثبت بالقرائن أن أياً من الخيارات التي تنفي العمل العسكري لم يكن قادراً على الدفاع عن الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال، الذي قتل وشرد ودمر وزرع الموت والخراب في الأرض والمدن والقرى والمخيمات، وأن هذه العمليات هي الوسيلة الوحيدة التي أجبرت المحتل على إعادة حساباته في كثير من الأحيان.

- شكَّلت هذه العمليات نوعاً من توازن الرعب والردع مع المحتل، فاستهداف المدنيين الفلسطينيين قابله استهداف المدنيين "الإسرائيليين"، على الرغم من أن ميزان الفعل مختل لصالح الاحتلال بحكم الترسانة العسكرية والقدرات الحربية الضخمة، فإن مدى الرعب والفزع الذي ينجم عن العمليات الاستشهادية حين حدوثها، يظهر بوضوح الردع الذي تحدثه في الوسط "الإسرائيلي" على اختلاف مستوياته، وبالتالي باتت العمليات الاستشهادية الخيار الأكثر أهمية أمام الشعب الفلسطيني في مرحلة من المراحل، لمنع "إسرائيل" من جني ثمار ميل ميزان القوى العسكري لصالحها، ذلك أن "الإسرائيليين" فقدوا الأمن، مقابل افتقاد الفلسطينيين للشعور عينه.

ـ تتميز هذه العمليات بأنها السلاح الوحيد الذي لا يمكن مواجهته والتصدي له، فالأمر لا يتعلق بتقنيات تكنولوجية يمكن مجابهتها بنفس الأسلوب، بل بكتلة من الإرادة التي تريد التفجر في سبيل تحقيق هدف منشود.
فقد فشلت كل المحاولات التي استهدفت تغييب هذا الأسلوب عن واقع الصراع مع المحتل، ويكفي اعتراف "إسحق رابين" رئيس الوزراء الأسبق بالعجز في مواجهة الاستشهاديين والعمليات الاستشهادية، قائلا لمنتقديه: ماذا يمكن أن تفعل لإنسان يريد أن يموت؟

- تشكل هذه العمليات في جانبها البشري أسلوب المقاومة الأكثر يسراً وسهولة مقارنة مع الأساليب الأخرى، إذ أن الأمر لا يتعدى توفير الشخص اللازم لتنفيذ العملية، وتزويده ببعض التوجيهات والإرشادات، دون أن يتطلب الأمر تدريباً حقيقياً على استخدام السلاح، أو التزود بمهارات نوعية، أو اشتراط خبرات معينة لإنجاح المهمة.
كما أثبتت الإجراءات الإسرائيلية عدم جدوى مواجهة هذه العمليات في ضوء اليسر والسهولة التي تتمتع بها، وقد أدى هذا الفشل الذريع إلى أن يصف رئيس الشاباك الأسبق "يعقوب بيري"، تجربة شارون لمنع العمليات الاستشهادية بأنها "قصة فشل ذريع في مجال الأمن!.
ويقول ضابط آخر: إن الفلسطينيين باتوا يدركون أن الهجمات "الانتحارية" سلاح إستراتيجي، يحقق التوازن مع التفوق التقني والعسكري الإسرائيلي، إن الفلسطينيين قرروا استخدام هذا السلاح بطريقة منظمة، وهو يحقق لهم ما لم يحققه أي سلاح آخر، فقد منحهم القدرة على إنزال خسائر غير مسبوقة بإسرائيل، وقرب لهم تحقيق التعادل الإستراتيجي مع "الجيش الذي لا يقهر".

- تعتبر هذه العمليات التي تصيب العمق الإسرائيلي، أفضل الوسائل لإيقاع أكبر وأفدح الخسائر بالاحتلال؛ لأن إمكانية حدوثها في أماكن مختلفة تعج بالإسرائيليين تعطي مؤشراً واضحاً على حجم القتلى والجرحى الذي تحدثه في صفوفهم، ولعل الأرقام التي تمخضت عنها هذه العمليات تحمل أبلغ الدلالات في هذا السياق.
ودفعت برئيس جهاز الشاباك السابق ووزير الأمن الداخلي الحالي "آفي ديختر" للقول بأن العمليات الاستشهادية حصدت معظم القتلى، وبلغة الأرقام فقد تسببت بسقوط 55% من القتلى والجرحى، على الرغم من أنها تشكل 5% فقط من مجموع العمليات الفدائية، مما جعلها تشكل تهديداً إستراتيجياً للدولة.
إن اللافت في مثل هذه العمليات أن "إسرائيل" لم تواجه مشكلة إستراتيجية معقدة مثلما تواجهه أمام العمليات الاستشهادية، ولم تفهم هذه الظاهرة حتى بواسطة علماء النفس، ولم يتم التوصل لأجوبة بعد.
فقد وصلت نسبة هذا النوع من العمليات في منتصف الانتفاضة إلى 6% فقط من مجمل الأعمال الفدائية ضد إسرائيل، فيما وصلت نسبة الخسائر التي أوقعتها 50% من مجمل الخسائر الإسرائيلية.
كما أن فشل الاجتياحات الإسرائيلية للضفة والقطاع في وقف هذا النوع من العمليات، وبات الفلسطينيون يشعرون أن إسرائيل دخلت مأزقاً إستراتيجياً، ويصفون الأعمال الفدائية الجديدة بـ"قنبلة فلسطين النووية".
لقد أتت عملية القدس في خضم حملة إسرائيلية منظمة لابادة الشعب الفلسطيني لا القضاء فقط على حركات المقاومة في غزة أو الضفة، وهي لم تألُ جهدا في ذلك في تاريخ تنفيذها للمجازر الموصوفة والمبرمجة، ولم تلتفت في يوم من الأيام إلى صوت العقل.
إن أولى النتائج البارزة لهذه العملية ما تناقلته مصادر إسرائيلية مختلفة من اوامر قد أعطاها رئيس الوزراء "الإسرائيلي" ايهود اولمرت بوقف القصف الجوي والتوغلات في قطاع غزة وسط أنباء عن وسلطات للتهدئة تصل إلى حدود هدنة غير معلنة.
ومهما يكن من أمر صحة أو عدم صحة هذه التوجهات فان لغة المقاومة هي اللغة الوحيدة التي توجع "إسرائيل" وتفهمها وبالتالي الوسيلة الأنجع لإيجاد نوع من توازن الرعب الذي يحمي أطفال فلسطين من آلة الإرهاب "الإسرائيلية".

د.خليل حسين: أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية