فوضى تسمية الشوارع في الإسكندرية

بقلم: مصطفى نصر
العظمة لله وحده

أطول شارع في الإسكندرية في الإسكندرية شارع طويل، يبدأ من قصر ثقافة الحرية المجاور لنقطة شريف المشهورة؛ وينتهي في المنتزة، ومن الممكن أن يبدأ من أبعد من ذلك، لكن لسبب لا أدريه اقتطعوا جزءا مكملا له؛ أطلقوا عليه شارع سيدي المتولي، ما علينا.
المهم أن هذا الشارع الطويل جدا لا يزال حائرا بين أسماء عديدة، فقد كان اسمه قبل الثورة "شارع فؤاد الأول" – ولا يزال البعض يسمونه بهذا الاسم – ثم أطلقوا عليه اسم "طريق أبو قير"، ثم "طريق الحرية"، وبعد موت الزعيم جمال عبدالناصر أطلقوا اسمه عليه، لكن البعض غير مقتنع بهذا ومستكثر على زعيم عظيم بهذا الشأن أن يكون أطول شارع في الإسكندرية على اسمه، فتمسكوا بالاسم القديم؛ طريق الحرية.
فبعد أن حددوا الرموز البريدية لكل حي، علقت البلدية لافتات عليها أسماء الشوارع وتحتها الرموز البريدية؛ فعلقوا لافتة قريبة جدا من كلية الهندسة، عليها اسم طريق الحرية، وتحته الرمز البريدي. وأصبح اسم جمال عبدالناصر مقتصرا على الشارع الذي يبدأ من فيكتوريا وينتهي عند المنتزة. العظمة لله وحده في منطقة رشدي، وفي شارع يقطع طريق الحرية، أقصد طريق الزعيم جمال عبد الناصر؛ وفي عمارة كبيرة مشهورة بعمارة هيكل، في هذا المكان لافتة باسم الفريق سليمان عزت، وتحتها جملة (أمير البحار الأعظم) هذه اللافتة يمكن رؤيتها وأنت تعبر طريق جمال عبدالناصر، ولو دققت النظر من سيارتك سترى لافتة صغيرة فوقها؛ لونها أخضر مثل لون اللافتة الأصلية، ومن نفس نوع الصاج المصنوع منه اللافتة، مكتوب عليها (العظمة لله وحده)، ولو سرت في ذلك الشارع الذي ينتهي إلى البحر، ستجد العديد من اللافتات التي تحمل اسم الشارع وفوق كل لافتة؛ لافتة صغيرة مكتوب عليها (العظمة لله وحده).
ناس لم يعجبهم أن يكون سليمان عزت أميرا للبحار الأعظم، فجاءوا بسلم وصعدوا فوقه وعلقوا هذه اللافتات الصغيرة، أية فوضى هذه، ألا يذكركم هذا بما فعله إسماعيل يس في فيلم العتبة الخضرة، عندما خلع لافتة ميدان العتبة الخضرة، وعلق بدلا منها لافتة ميدان عديلة. لكن إسماعيل يس قبض عليه عسكري وسلمه لمأمور قسم الشرطة، لكن هؤلاء فعلوا ما فعلوا دون أن يعترضهم أحد.
بالشركة التي كنت أعمل بها كان غير مسموح بتعليق أية لافتات على جدران الشركة؛ إلا إذا قرأ رئيس الشركة الإعلان ووافق على تعليقه، ولافتات الشوارع متروكة لكل من يريد أن يعلق عليها.
ومعروف أن الشوارع تسمى باسم الشخص، مذكورا لقبه إذا كان موجودا، دكتورا أو حاملا لرتبة عسكرية، وقد أخبرني الصديق صبري أبو علم بأنه قابل ابنا من أبناء المرحوم الفريق سليمان عزت وسأله عن هذا اللقب، فأخبره بأن رتبة والده في البحرية، يقابلها لقب (أمير البحار الأعظم لدى الإنجليز).
لا أعرف من المسئول عما حدث، وهل من حق الناس العاديين أن يعلقوا لافتات هكذا دون إذن أو موافقة من الحكومة؟ شارعان في الإسكندرية باسم شريف كان صلاح سالم أول من مات من أعضاء مجلس قيادة الثورة، فكان لابد أن ينال الاهتمام والتقدير، فأطلقوا اسمه على شوارع كثيرة في كل مدن مصر وقراها، وغيروا اسم الشارع الذي كان يحمل اسم شريف بشارع صلاح سالم، ثم اكتشفت "لجنة تسمية شوارع الإسكندرية" أن شريف هذا كان وطنيا ويستحق أن يخلد بتسمية شارع باسمه، فجاءوا إلى شارع طويل آخر يبدأ من محطة مصر، وينتهي عند مينا البصل، وتمر فيه ترام البلد؛ وكان اسمه شارع الخديو، وأطلقوا عليه اسم شارع شريف، لكن الناس إلى الآن تطلق اسم "شريف" على شارعه القديم الذي تسمى باسم شارع صلاح سالم. المجاملة في اطلاق الاسماء على الشوارع قلت إن في الإسكندرية لجنة لتسمية شوارع الإسكندرية، تجتمع هذه اللجنة لتقرر الأشخاص الذين سيطلقون اسماءهم على شوارعها، وطبعا لديهم قواعد وشروط لهذا الاختيار، أحيانا أجدهم يعلنون عن تسمية شارع باسم شخص لا يستحق هذا، المفروض أن يكون صاحب هذا الاسم قد أدى أعمالا جليلة للوطن جعلته أحق بهذا التكريم، لكن أجدهم يعلنون عن إطلاق اسم عضو مجلس شعب في منطقة غيط العنب؛ لم أجد له عملا يستحق أن يخلد من أجله، فهو عضو مجلس شعب عادي جدا، إلا إذا اتخذت الدولة قرارا بإطلاق اسماء أعضاء مجلس الشعب على الشوارع بعد موتهم طبعا، بصرف النظر عما فعلوه من جهد لصالح الوطن.
أو ما حدث عندما تدخل مسئول في محافظة الإسكندرية؛ فجعلهم يطلقون اسم والده على شارع مشهور في منطقة الحضرة، والده كان مستشارا عاديا في المحاكم، مثله مثل مئات المستشارين والقضاة، والأمثلة على ذلك كثيرة ومثيرة. شارع دانينوس في غيط العنب دانينوس مهندس من أصل يوناني كان يعيش في حي غيط العنب مثل الكثيرين من اليونانيين الذين اعتبروا أنفسهم مصريين، وكانوا يعيشون في الأحياء الشعبية، خاصة في الإسكندرية. ذلك المهندس كان له الفضل في إقامة المشروع العظيم، السد العالي.
ويقول محمد أنور السادات في كتابه "البحث عن الذات"، "وعندما تعود ذاكرتي إلى تلك الأيام، أرى أمام عيني المهندس اليوناني الأشعث الشعر، الزائغ العينين الذي كان يتردد علينا في القيادة في أي وقت وبدون سابق ميعاد، كان اسمه على ما أذكر (دانينوس)، وكان في كل مرة يقتحم مقرنا؛ يتفوه بعبارات محمومة، فحواها دائما فكرة واحدة وهي أن النيل عند منطقة أسوان يجب أن يغلق بسد عال."
هذا الرجل الرائع لم تطلق محافظة الإسكندرية اسمه على واحد من شوارعها، رغم ما قدمه، (بصراحة ألا يستحق هذا أن يطلق اسمه على شارع من شوارع الحي الذي كان يعيش فيه - غيط العنب - بدلا من عضو مجلس الشعب الذي مات دون أن يفعل شيئا يذكر؟) المهم أن أناسا تبرعوا وعلقوا لافتات مكتوبة بخط عادي جدا باسم دانينوس.
وحكى لي الصديق صبري أبو علم بأنه في تجواله بحي غيط العنب فوجئ بهذه اللافتات، فاستدعى البير أبو القاسم الذي وهب عمره كله من أجل تخليد اسم دانينوس صديقه، فرافق صبري أبو علم ليرى ما حدث. وقرر ألبير أن يقدم مكافأة لمن فعل هذا. فذهبا إلى بقال معلقة بجوار دكانه لافتة من هذه اللافتات، وسألاه: من فعل هذا؟ فصاح البقال في خوف وارتعاش: والله يا بك أنا ماليش دعوة مش أنا إللي عملت كده.
فشرحا له موقفهما وأنهما غير غاضبين مما حدث، وإنما هما يباركانه. لكن الرجل ظنها محاولة من قبل المسئولين للإيقاع به، وجعله يقوله ما عنده، وأصر الرجل على موقفه، وأكد بأنه لا يعرف شيئا عما حدث؛ وعادا دون فائدة.
ولا تزال اللافتات التي كتبها الأهالي لتخليد اسم صاحب فكرة بناء السد العالي معلقة فوق جدران البيوت هناك. موسوعة تراجم الأعلام أصدر المرحوم يوسف فهمي الجزائرلي كتابا باسم "موسوعة تراجم الأعلام الذين تحمل شوارع الإسكندرية أسماءهم"، على غرار موسوعة شوارع باريس، وقد وجد أن أسماء الشوارع عددها يزيد عن أربعة آلاف وخمسمائة تتناول مجموعات مختارة من قادة الفكر: عرب وفرنجة إلى جانب عظماء الإسكندرية ومشاهير رجالها عبر الأجيال.
للأسف لم ينشر من هذه الموسوعة العظيمة والمهمة سوى جزء واحد، وصدر في واحد وثمانين صفحة فقط، ولم يتجاوز حرف الألف من أسماء الذين تحمل شوارع الإسكندرية أسماءهم.
ويقال إن المرحوم يوسف فهمي الجزائرلي قد أنجز الكثير جدا من أسماء الشوارع التي تكفي لمجلدات كثيرة، ومات الرجل دون يكمل موسوعته. وأن الدكتور يوسف زيدان والأديب جمال الغيطاني قد تحدثا مع الراحل الدكتور سمير سرحان في طبع هذه الكراسات في الهيئة المصرية العامة للكتاب التي كان يرأس مجلس إدارتها، ورحب الدكتور سمير بالفكرة، لكن أتضح أن بعض هذه الكراسات قد ضاع من الورثة. لقد فكرت مذيعة في الإسكندرية في عمل برنامج عن شوارع الإسكندرية، وطلبت من ورثة الأستاذ يوسف فهي الجزائرلي هذه الكراسات، فقدموها إليها دون أن يحتفظوا بصورة منها، وقدمت المذيعة البرنامج، وعندما طالبها الورثة بالكراسات وجدوها ناقصة.
لماذا لا يتكفل قسم التاريخ بكلية آداب الإسكندرية ويكمل ما بدأه هذا الرائد العظيم، وأن يجند أساتذة التاريخ الحديث بجمع المعلومات عن الذين تحمل شوارع الإسكندرية أسماءهم؟ مصطفى نصر ـ الإسكندرية