القضية الغزاوية أم القضية الفلسطينية؟

بقلم: د.ابراهيم ابراش

لم يعد خافياً على أحد أن الأحداث المؤلمة في غزة أصبحت تحتل مكان الصدارة في الاهتمامات السياسية الوطنية والإقليمية والدولية وعلى المستويين الرسمي والشعبي.
فالمداولات في مجلس الأمن والمنظمات الدولية تبحث في الوضع بقطاع غزة، والمظاهرات التي تخرج في الشوارع العربية والأجنبية تتحدث عن معاناة أهالي غزة وتطالب بنصرة غزة ورفع الحصار عنها، والندوات واللقاءات الفلسطينية الداخلية تركِّز جل اهتمامها على الأوضاع في قطاع غزة وخصوصا الفصل بين غزة والضفة، وكأن الأمور في بقية الوطن على خير ما يرام أو أنها مناطق محررة أو لا معاناة فيها.
كل ذلك غيَّب الضفة الغربية والقدس بل غيّب فلسطين وغيَّب الوطن لتصبح القضية الغزاوية تحل محل القضية الفلسطينية.
لا شكَّ أن غزة جزء من فلسطين بل هي الجزء الأصيل الذي حمل الهم الوطني الفلسطيني منذ النكبة حتى اليوم، وأهلنا في غزة لم يكن لهم يوماً انتماء أو رابطة سياسية أو جنسية إلا لفلسطين، وأهل غزة لم يترجلوا عن صهوة النضال يوما، وهم الأكثر تفاعلا مع كل حدث قومي أو وطني أو ديني أو أممي، بعفوية يندفعون وبإصرار يناضلون وبصمت يعانون.
ومع ذلك، أو لذلك، فإن الشعب الفلسطيني في غزة وحسب كل المعطيات التي تنشرها المنظمات الدولية هو الأكثر فقراً والأكثر بؤساً في العالم، والأكثر تعرضاً للجرائم التي يقوم بها العدو الإسرائيلي.
ولكن السؤال:هل أن الخصوصية الغزاوية وما يجري في غزة وضد شعبها يعود لأن الجغرافيا السياسية جعلت أهل غزة أكثر اندفاعاً وصموداً وانتماءً؟
أم انه "أسلوب غـزة فی إعلان جدارتها بالحیاة" كما قال شاعرنا الكبير محمود درويش؟
أم أن مخططاً يجري حتى تغيّب غزة الوطن ولتغييب الحديث عن القضية الفلسطينية لصالح القضية الغزاوية وحتى تُستنزف إمكانياتنا وجهودنا في الصراع على من يحكم غزة وننسى القضايا الوطنية الأساسية؟
يبدو أن في غزة كل ذلك، ولذلك فإن مخططات خطيرة تجري لتختزل فلسطين بغزة أو لصيرورة فلسطين والدولة التي يتحدث عنها الرئيس بوش مجرد كيان سياسي في قطاع غزة.
لا شك أن كل فلسطيني بل كل من يحمل مشاعر إنسانية يتطلع لرفع الحصار عن غزة وليعش أهل غزة حياة كريمة يستحقونها، ولكن نتمنى على الطبقة السياسية الفلسطينية المتصارعة على السلطة والمنجذب كل قطب فيها لأجندة خارجية، أن تعمل على ألا يكون ثمن رفع الحصار عن غزة تكريساً لعملية الفصل بين غزة والضفة، وألا يتم توظيف معاناة أهل غزة وخصوصا بعد المجازر الصهيونية الأخيرة، لتحقيق أهداف سياسية لا علاقة لها بالدوافع الإنسانية.
ونتمنى على الطبقة السياسية سواء في الضفة أو في غزة أن تستدرك الأمر وتربط ما بين المحادثات الجارية في القاهرة لرفع الحصار والهدنة في القطاع مع الحوار الجاد للمصالحة الوطنية ولإعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة، فلا يعقل أن تكون الهدنة مع العدو ممكنة والمصالحة الوطنية غير ممكنة.
إن اقتصار المحادثات على حركة حماس والجهاد الإسلامي وممثلين عن مصر وأميركا وإسرائيل وغياب مفاوض عن الرئاسة ومنظمة التحرير، يثير القلق، حيث كنا نتمنى لو سبقت المصالحة الداخلية التهدئة التي ستتحول لهدنة قد تطول.
لا نريد لأهلنا في قطاع غزة أن يدفعوا ثمن غياب استراتيجية عمل وطني للمقاومة، وغياب استراتيجية سلام حقيقي وثمن تعطل مسلسل التسوية، ولكننا لا نريدهم أيضاً أن يكونوا حقل تجارب للسياسات الأميركية بالمنطقة، سواء كانت سياسة (الفوضى البناءة) أو تعميم نموذج بئيس للديمقراطية أو سياسة المحاور.
وفي المقابل لا نريدهم أن يكونوا حقل تجارب لكل مستجد بالعمل السياسي والجهادي، ولمن يريد تأسيس دولة الخلافة أو الإمارة الراشدة.
إن المهمة الرئيسة لشعب يخضع للاحتلال أن يحرر وطنه ويقيم دولته الوطنية بجهود كل قواه الوطنية ومكوناته الطائفية، لا أن يتجاوز الوحدة الوطنية والمشروع الوطني الذي عنوانه الدولة الوطنية، من أجل مشروع هو من اختصاص مليار وثلث المليار من المسلمين الذين يعيشون في دول مستقلة.
ولا ندري أيها أكثر قابلية للتحقيق: دولة وطنية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف أم دولة الخلافة المنشودة؟
وحتى مع افتراض أهمية وشرعية أن يكون الفلسطينيون في مقدمة المجاهدين من أجل دولة الخلافة، فأيهما سيخدم هذا المشروع: شعب فلسطيني تحت الاحتلال أم شعب حر بدولة مستقلة؟
لا نريد لأي شيء أن يحول دون رفع الحصار عن أهلنا بالقطاع حتى وإن كان ثمن ذلك ترسيخ سلطة حركة حماس في القطاع فهي حركة منتخبة وشريك سياسي، ولكن دعونا نفكر ما دام الأمر الواقع يفرض نفسه شئنا ذلك أم أبينا، كيف نحافظ على المشروع الوطني وعلى وجود قيادة وطنية واحدة في ظل وجود حالتين سياسيتين هما نتاج لجغرافيا سياسية يكرسها الاحتلال وتغذيها أجندة خارجية ؟
ليست هذه دعوة لتكريس الفصل بل دعوة لوضع حد لحالة العداء والتحريض الداخلي، محاولة الحفاظ على وحدة الشعب والمشروع الوطني ضمن سياقات جديدة تقول بوجود حالة سياسية في القطاع وأخرى في الضفة الغربية، وخصوصا أننا نتحدث عن مشروع وطني، والمشروع هو ما قبل التحقق والإنجاز.
ولا أعتقد أن حكماء فلسطين سيعجزون عن إيجاد صيغة ما للمشروع الوطني أو تقاسم وظيفي وطني يخرج النظام السياسي والمشروع الوطني من حالة الانحدار بل والاندثار لحين إنجاز التحرر الوطني والدولة المستقلة على كامل الأراضي المحتلة عام 1967 وعودة اللاجئين.
إن لم تخرج الطبقة السياسية من حالة الصمت بل التواطؤ على الحقيقة حيث الجميع يعرف أن الفصل يسير بخطوات سريعة، فإنهم يتحملون المسؤولية ليس فقط على فصل غزة عن الضفة من أجل السلطة، بل مسؤولية تعاظم حالة العداء بين القوى السياسية وأبناء الشعب الواحد. د.إبراهيم ابراش Ibrahem_ibrach@hotmail.com