ابوظبي.. فلورنسا العرب وبؤرة عصر النهضة الجديد

بقلم: د. هيثم الزبيدي
اللوفر في جزيرة السعديات، نقطة انطلاق نهضوية تحرك مياه الفن الراكدة في منطقتنا

يكاد المرء ان يتخيل الابتسامة التي ارتسمت على وجه ولي عهد ابوظبي الشيخ محمد بن زايد وهو يتصفح مواقع الانترنت او يقلب صفحات الجرائد وهي تنقل اخبار الأثر شبه الفوري للثورة الثقافية الاقليمية التي اطلقها من ابوظبي. فهذا الأسبوع شهد إعلانين متعاقبين من الرياض ودبي يؤكدان حرص العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد على ألا تفوتهما فرصة الانضمام الى صفوف "الثوار" الثقافيين.
الملك عبدالله تبنى جائزة عالمية في مجال الترجمة، تحمل إسمه وتأتي بعد "شعور خادم الحرمين الشريفين بأن فعل الترجمة في العالم العربي لم يصل بعد إلى أفقه الواعد" على حد وصف فيصل بن معمر، المشرف العام على مكتبة الملك عبدالعزيز العامة.
فالسعودية ترى أن العالم العربي "لم يستفد من دروس الماضي التي قرنت الترجمة بمشروع النهضة، وهو ما دفع بعلم الترجمة ليشهد حالا من الركود"، ولهذا فأن الجائزة الجديدة "ستدفع بالمشروعات القائمة وتمضي بالجهود السابقة إلى ما يمكن أن يكون بداية جذرية لنهضة قوية تبدأ من الترجمة."
والشيخ محمد بن راشد ينطلق من الحماسة نفسها. فعدا عن إطلاق مشروع لترجمة كتاب كل يوم على مدى 3 سنوات، فان دبي أطرت جهودها الثقافية بالامس من خلال انشائها هيئة للثقافة والفنون تتولى مسؤولية "تعزيز مكانة دبي كواحدة من أكثر المدن العالمية تنوعاً على الصعيد الثقافي حيث يتلاقى الشرق مع الغرب".
الامثلة – السبق التي تحتذي السعودية ودبي خطاها، ولا شك غيرهما من دول المنطقة، كانت سلسلة المشاريع الثقافية الرائدة التي اطلقتها ابوظبي بدءا من هيئة الثقافة والتراث مرورا بمشروع "كلمة" للترجمة ووصولا الى المدينة الثقافية في جزيرة السعديات. اما المشروعات التفصيلية الكثيرة التي تطلقها هيئة ابوظبي للثقافة والتراث، فأكثر من ان تعد. يكفي النظر، مثلا، الى الارقام المليونية لاعداد المشاهدين لمسابقتي "امير الشعراء" او "شاعر المليون".
هل نشهد اليوم ثورة ثقافية حقيقة في المنطقة؟ وهل ستقود هذه الثورة الى نهضة عربية؟
***
بدوافع المنافسة – بل والغرور – يمكن لحواضر العرب التقليدية ان تهوّن من ما يمكن لابوظبي ان تحققه من اثر ثقافي اقليمي او عالمي. سيقولون "هذه عاصمة للنفط والابراج السكنية، ما لها والثقافة؟" او "فلينعم شيوخ الصحراء بشعرهم البدوي ويتركوا الثقافة لنا" او "ماذا يمكن لعشرات الالاف من الاماراتيين ان يحدثوا من اثر في الثقافة امام سيل الملايين العربية؟".
للرد على هذا الجدل – ونحن نسمعه الآن في اكثر من ركن من المنطقة العربية – علينا العودة الى المثال الذي ينبغي القياس عليه: فلورنسا وآل ميديتشي وعصر النهضة.
آل ميديتشي بثروتهم التي وظفوها لرعاية الثقافة انطلاقا من مدينة فلورنسا الايطالية كانوا هم الذين بدأوا في اطلاق عصر النهضة في ايطاليا اولا، ثم في عموم اوروبا بعد قرون من الغرق في العصور المظلمة. ولو ان احدا قال في حينها ان هذه الرعاية المتفانية للفن والفكر والثقافة والاداب ستغير وجه الارض، لربما كان في القول مبالغة. ولكن هذا ما حدث: الغرب الذي نراه اليوم متقدما في كل شيء ابتدأ من هناك.
هذا لا يعني ان اوروبا كانت تخلو من الثقافة والفكر قبل فلورنسا وآل ميديتشي. ولكنها كانت ثقافة انقطاع وعزلة وترفيه عن النبلاء.
فلورنسا تحولت الى بؤرة ثقافية لم تلبث ان توسعت لتشمل ميلانو (آل فسكونتي وآل سفورزا) وفيرارا (آل استي) ومانتوفا (آل غونزاغا) في ايطاليا، اذ تسابقت المدن والاسر على رعاية الفن والثقافة.
ولعل أهم ما يلفت النظر الى تلك التجربة الايطالية إن رعاتها لم يحاولوا أن يقدموا أنفسهم كفنانين. فقد اكتفوا بدور الراعي الذي يخصص جزءا معتبرا من ثروته في دعم الفنون والعمارة والاداب.
كان هذا الدور كافيا لاستقطاب أهم الفنانين والمعماريين في ايطاليا وأوروبا الى "المؤسسة" الثقافية التي خلقها آل ميديتشي. فرعايتها واهتمامها منح ليوناردو دافينشي ومايكل انجلو ورافاييل الفرصة ليقدموا للبشرية أفضل ما أنجز من فنون.
أسس آل ميديتشي لمشروع النهضة في مدينتهم ليجدوا أن الاخرين يحاكونهم؛ في ايطاليا أولا، ثم في بقية أنحاء أوروبا.
بقية قصة عصر النهضة معروفة، تأريخاً ونتائجَ.
***
شيءٌ مشابه يحدث في ابوظبي: انه تأسيس للمشروع الثقافي من خلال تبنيه ورعايته.
لا يوجد ما يمنع من أن يكون آل نهيان بناة لمشروع نهضوي في عالم الفن والثقافة في بلدهم والمنطقة العربية، بل ان تطلعاتهم الحضارية تجعلهم أكثر تأهيلا من غيرهم، ولا شيء يبرر الإعتراض على ان تكون ابوظبي فلورنسا العرب.
الفن والثقافة في الخليج كانا حتى وقت قريب شيئا استعراضيا اكثر منهما مشروعاً ثقافيا: مهرجانات وشعراء ومدائح تُنسى ما ان تنتهي ايام الاستضافة والانعقاد؛ ثم تعود الأمور الى سابق عهدها في انتظار الموسم القادم.
والطريف إن أغلب منْ يذهب الى تلك المهرجانات يؤكد إن قائمة المشاركين والحضور لم تكن مختلفة عن السنة التي قبلها أو التي سبقتها.
ثم وصلت حمى مهرجانات التسوق التي كانت تراهن على انبهار الزائرين بالابنية والاسواق والزجاج والفولاذ والكونكريت. واضيف لاحقا الى قائمة المناسبات، مهرجانات الغناء التي تستقطب الباحثين عن الترفيه.
هذه الظاهرة استمرت لاكثر من عشرين سنة دون ان تحقق أي تأثير ثقافي أو فكري يذكر. وبدلا من أن يكون ثمة مشروع متواصل للمنطقة، كان ما يحدث أشبه بنتف من الأحداث تتقطع دون أن يكون هناك جامع لها.
ابوظبي كانت السبّاقة الى تكسير هذا النموذج غير البناء في العلاقة مع أبناء المنطقة والزائرين. فكل ما يحدث فيها مؤخرا من مناسبات ثقافية هو قطعة بلون آخر من موزاييك صورة كبيرة وواضحة: مزادات اللوحات الفنية العالمية ليست بهدف الربح فقط، بل بدافع تعليم أبناء المنطقة كيف يتذوقون الفن؛ إستضافة كبار الموسيقيين ليس للعزف وحسب، بل لتأسيس مدارس رفيعة لتعليم هذا الفن الراقي؛ معارض التحف والاثار غير محصورة بالشهير – الاوروبي - منها فقط، بل يُقدم للاماراتيين نماذج من ثقافات الشعوب الاسيوية والافريقية على بساطتها.
ومثلما لم يذهب دافينشي ومايكل انجلو الى فلورنسا من اجل المال والربح فقط، فأن المعمارية الاكثر شهرة زها حديد وعازف العود الأشهر نصير شمّة لم يذهبا الى ابوظبي لانها بلد الفرص والثروة. ولا شك أن كليهما كان قد حقق الكثير من المال والشهرة في اوروبا والعالم العربي قبل ان يذهبا الى هناك.
وثمة نظرة ايجابية في ابوظبي للتعامل مع الآخر القادم ليعرض المختلف وغير المألوف اقليميا. فهناك إدراك بأن الدماء الجديدة، حتى تلك القادمة من ثقافات مختلفة، ستنشط الجسم الثقافي المحلي والعربي. هذه حقيقة تضيع دائما في زحمة النظرة الشوفينية التي يمارسها المغرورون بثقافتهم ومعارفهم. وهم ينسون انه لولا انفتاح الحضارة الفارسية على دين الفاتحين العرب، لما افادت تلك الحضارة من الكثير مما حمله القادمون من لغة وآداب وأبقي على التعامل معهم كغزاة. ولولا التداخل بين التسامح والفكر الاسلامي مع التراث القوطي، لما شهدنا روعة الاندلس. وحتى بالمقاييس المعاصرة والفردية، فان اللمحة الغربية التي ادخلها مثلا الموسيقار المصري محمد عبدالوهاب على الموسيقى العربية منحتها روحا جديدة وخلاقة.
فهل يوجد ما يمنع ان يكون متحفا اللوفر وغوغنهايم في جزيرة السعديات نقطة انطلاق نهضوية تحرك مياه الفن الراكدة في منطقتنا؟
***
كل اللوحات التي صورت لورينزو آل ميديتشي، الأشهر في رعاية الفن والثقافة والعمارة من أسرته، قدمته رجلا يبتسم. ربما كانت الابتسامة مرتبطة باحساسه بالسعادة بعد توارد الاخبار بأن مشروعه الثقافي لمدينة فلورنسا صار مشروعا ايطاليا وأوروبيا وإن أقرانه من حكام وامراء المدن الايطالية والأوروبية صاروا يرعون بدورهم الفن والفنانين. د. هيثم الزبيدي