اغتيال أنثى: تشتيت الشعر في نثر مسجوع

بيروت
هناك دائما مسافات فاصلة بين الفنون الابداعية

مجموعة الشاعرة اللبنانية جميلة حسين على ما فيها من سمات دفء وجمال تشكل مجالا لطرح تساؤلات عن الحدود بين المجاملة والنقد ومدى المرونة والطواعية التي قد يكون مقبولا أن تكون عليها هذه الحدود.

وتبرز تساؤلات كهذه في شكل صارخ عندما تتحدث اسماء أدبية بارزة معروفة عن عمل جديد لشاعر أو شاعرة من جيل الشباب فلا يأتي الكلام مقنعا في جديته وموضوعيته ولربما جاء متناقضا مع صفات عرفت عن الكاتب الناقد ونظرته إلى الشعر.

كتاب جميلة حسين هو مجموعة شعرية بعنوان "اغتيال انثى" كتب مقدمتها شاعر وكاتب وناقد ادبي واجتماعي معروف هو جورج جرداق. ووردت المجموعة في 110 صفحات متوسطة القطع اشتملت على ما يزيد على 60 قصيدة يحتاج تصنيفها إلى عرض بعضها.

صدرت المجموعة عن "دار الحداثة" في بيروت وبلوحة غلاف للفنان اللبناني شربل فارس.

لا بد في البداية من عرض بعض ما قاله جرداق في مقدمة المجموعة. يبدأ بداية عامة وبعمق وألم فيقول "في محيط هذه الاستهلاكية الطاغية التي تجتاح العالم وفي زمن صحر فيه الإنسان كما صحرت الأرض لا يزال في الناس من يتشوقون إلى تقديس الحياة".

ويستمر في الكلام العام فيقول "ومن كان هذا الاهتمام مدار سيرته يدرك تلقائيا ان صوت الفن يعلو كل ما عداه من أصوات لارتباطه الوثيق بالحياة والحب والجمال وبالذات الإنسانية".

ويضيف "ويلفت النظر في هذا الباب ان اصحاب الموهبة التي تؤدي إلى هذا الواقع يكثر في صفوف الحسناوات أو القصائد التي تلبس اجسادا انثوية جميلة (...) ومنهن جميلة حسين".

ننتقل بعد ذلك إلى اسلوب الشاعرة أو ما يسميه "أداة التعبير" فيتحدث جرداق -الكلاسيكي في شعره ومفهومه الشعري والذي غنت له السيدة أم كلثوم- عن مشاعر الشاعرة الدافئة وافكارها. وفي قوله عامة كثير من الصحة.

يقول "اما من جهة أداة التعبير في أدب جميلة حسين فان طريقة الكاتبة في التعامل مع اللغة هي الطريقة التي يلجأ إليها أهل الصدق والعفوية من حملة الأقلام ومن عناصرها اللغة البسيطة المعبرة التي تحل محل اللغة المجازية وتدل على صدقية الكاتبة".

"فصاحبة هذا الكتاب لا تلهث وراء الحشد اللفظي الفارغ والتراكيب الغريبة والتعابير المعقدة والمصطنعة التي لا تعبر عن شيء كتلك التي نراها في معظم ما يصدر في أيامنا هذه من منشورات موصوفة بانها شعر حديث. ويا للغرابة ان صاحبة هذه المجموعة تنسج قصيدتها المنثورة من خيوط الذاتية ولا تضع ريشتها في محابر الموضة الدارجة التي يلبس جلبابها الاخرون".

لكن هذا مستغرب على شاعر كلاسيكي الاسلوب يعرف عنه انه يأخذ على الشعر الحديث تفلته مما سارت عليه التقاليد الأدبية. فالشاعرة لم تكتف بالخروج على أركان القصيدة الكلاسيكية العربية فحسب بل خرجت على مألوف قصيدة النثر. فهي لم تكتب قصيدة عمودية ولم تكتب قصيدة تفعيلة متعددة الأوزان والقوافي ولا كتبت قصيدة النثر العادية.

لقد كتبت قصيدة نثر وجردتها من أهم ما تقوم عليه وهو الخروج من اسر بعض ما يعتبره شعراؤها "قيودا" ثقيلة لا مبرر لها. لقد قيدت نفسها بقافية هنا وهناك فكانت قوافيها تقضي أحيانا على دفق المشاعر وما تبدو عليه من عفوية. انها بعملها هذا اضحت كأنها "لا هنا ولا هناك" وجعلت مشاعرها الدافئة وشاعريتها الحقيقية تنحصر في ما هو أقرب إلى "نثر مسجوع".

نقرأ القصيدة الاولى وعنوانها "طيف" حيث تقول الشاعرة "طيفه يلاحقني.. ومن بعيد يناديني، يرتسم امامي.. احتضنه في عيني وعليه اقفل جفوني، حرك دمي واختصر احلامي.. حتى بات وحده يمتلكني اتحسسه اتوهمه ابتسم له، ويرافقني في منامي، بعد ان زينت احلامي وكسرت وحدتي وخاطبت حرماتي.. وفي العيش بعثت له رغبتي، انت نخلة في صحرائي.. وغيمة تبلل جفائي".

ننتقل إلى نموذج اخر هو قصيدة "عيناك" فنقرأ مع جميلة حسين اذ تقول "عيناك عتمة ليل بعد مساء.. وغيوم كثيفة تنذر بالبكاء، عيناك ضفائر بدوية سمراء.. وشامة تلمع على خد فتاة".

ونقرأ مطلع قصيدة "يوم السفر" حيث تقول الشاعرة "وجاء يوم السفر.. والدمع غزيرا على وجهي انهمر، والغصة خنقت الكلمات في صدري.. ولم اعد اعرف ما ادري".

هذه القيود المفتعلة تقضي على الشعري وتحوله إلى نثر بل إلى نثر غير سوي تماما.

مقابل ذلك -بل نقيض ذلك- نجده في بعض ما كتبته جميلة حسين متفلتة من هذا السجن الاختياري حيث تدفقت قدرتها الشعرية منسابة مؤثرة وذات موسيقى داخلية. وكانت القافية المصطنعة تقضي على كل ذلك أو تشوهه. نقرأ قصيدتها الأخيرة "أيام من خشب" وفيها تقول "حينما تسقط من اكمامك كل الاقمار.. وتنهار تحت قدميك كل السلالم، وتذوي الاحلام كما العمر.. وتتلاشى الامال والأحلام الجميلة، وحين تهشمك مخالب الخوف.. وتتبعثر عائلتك في الاصقاع، وتدفنين شبابك في حقل الانتظار.. وتلفك العتمة كل الاوقات وتعيشين اياما من خشب".