لا يمكن تصور التكرلي ميتا!

بقلم: حسن عبيد عيسى
كان يكتب ويشطب ويمزق

خصص الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق اصبوحته الاسبوعية الاخيرة (الاربعاء13/2/2008) لاستذكار وتأبين القاص والروائي العراقي الراحل فؤاد التكرلي الذي توفي في عمان يوم الاثنين 11/2/2008. وأدار الجلسة الشاعر ابراهيم الخياط مسؤول الاعلام في الاتحاد، الذي نعى الى الحضور فقيد الادب في العراق مسلطا الضوء على جوانب من سيرته.
ولد الراحل في بغداد سنة 1927 وفيها أكمل دراسته الابتدائية والثانوية وتخرج من كلية الحقوق عام 1949 ثم عمل كاتب تحقيق فمحاميا فقاضيا ثم مستشارا. وكان قد انجز اول أعماله الروائية قبل تخرجه، إلا أنه لم يظهرها بسبب جرأتها الطاغية. نشر أولى قصصه القصيرة عام 1951 في مجلة الاديب اللبنانية، ليتوالى بعد ذلك مسلسل ابداعه. وعرف النقاد أدبه بأنه إنساني اجتماعي يهتم بالانسان في محيطه السياسي والاجتماعي. وهو أحد أبرز كتاب الخمسينات من القرن الماضي.
ثم قدم الشاعر الخياط الادباء اذين أعدوا شهادات بحق الراحل ونتاجه الادبي، فكان الاول هو القاص ابراهيم الحريري الذي تربطه بالفقيد علاقة صداقة عمرها أكثر من جيل من الزمان.
بدأ الحريري شهادته بقوله أنه لايستطيع تصور فؤاد التكرلي ميتا..فهو يرى ان التكرلي سيبقى بيننا. ليس لما خلفه من أدب سامق، ولكن بسبب الاثر الحسي الذي تركه في نفوس اصدقائه.
وقال "انه يذكرني بنجيب محفوظ. فهما موظفان جادان ومثاليان، إذ كان التكرلي يرتدي البذلة الرسمية باستمرار، والرجل أساسا ميسور الحال فهو من أسرة ثرية، إلا أنه كان يفاجئنا بشخصية أخرى بعيدا عن الحزم المكمل لمظهر القاضي.. لقد كان في لقاءاته الشخصية ممتلئا بالحياة تماما محبا للنكتة يسمعها بفرح غامر ويحفظها ويرويها لاصدقائه. كان متواضعا دمث الاخلاق لا تعرف العدوانية الى نفسه سبيلا، وهو بحق معلم لاجيال من كتاب القصة والرواية من العراقيين."
واضاف الحريري "كان لقائي الاول به سريا وذلك عام 1969 عندما كنت محكوما غيابيا على وفق قضية سياسية، ثم زرته مرة أخرى في مكتبه الرسمي وقد كان قاضيا في مدينة الثورة ببغداد عام 1970واستمرت اللقاءات حيث التقيته في باريس منتصف الثمانينات وفيما بعد في عمان."
أما شهادة القاص أحمد خلف فقد بدأها بأن إثنين حملاه على إرتقاء هذه المنصة هما الناقد فاضل ثامر رئيس الاتحاد العام للاداء والكتاب في العراق والثاني الراحل فؤاد التكرلي.
وقال "ترى كيف سأتكلم عن فؤاد التكرلي هذا العلم الثقافي الرائع الذي كان معلما رائعا تعلمنا منه ومن رهطه النبيل والرائع من الكتاب المعنيين بالسرد القصصي والروائي الكثير. إسم فؤاد الكرلي يكفي عندما نريد ان نتكلم عن القصة العراقية. لقد جعلني إبداع فؤاد التكرلي اكتشف مبكرا أن القصة القصيرة لم تعد حكاية عابرة ترويها إمرأة متخمة بالطعام الجيد. فالقصة موقف وليست مجرد حكاية، وعلى يده اكتشفت وتعلمت أن القصة القصيرة هوية وطنية.. ولا عجب أن عشرات من كبار الادباء المصريين كانوا يسألوننا عنه باستمرار. ولعل من بين الذكريات التي تحضرني عن الفقيد، اننا وقد كنا في القاهرة عام 2005 مدعويين لحضور مؤتمر للابداع الادبي، طلب مني ان نذهب سوية لمقابلة جابر عصفور ونطرح عليه مشروعا للارتقاء بالابداع الأدبي الشبابي العراقي.. طلبنا منه أن يساعد على طبع نتاجات الادباء العراقيين من الشباب ممن لم تتح لهم فرصة نشر ابداعهم بسبب طبيعة الظروف التي مر بها العراق. تلقى عصفور افكارنا بترحاب كبير، مع ان شيئا من ذلك لم يتحقق، وعلاوة على ذلك فإن الراحل التكرلي كان الاوفر حظا لنيل جائزة نجيب محفوظ، إلا أنها صرفت عنه في اللحظات الاخيرة لصالح الطيب صالح، فكيف يراد لمشروعه الطموح في طبع نتاجات الادباء الشباب ان يتحقق؟"
واضاف "عموما فان ذلك ليس غير بعض من مساعي الراحل في خدمة الادب والثقافة في العراق. لقد نقّى فؤاد السرد من الترهل والخواطر، انه لا يكتب بناء على خاطرة أو فكرة عابرة. فلو تعمقنا في كشف أسرار هذا الاديب الكبير لوجدنا انه يشتغل على وفق دراسة حصيفة ليست للشخصيات الرئيسة في عمله الادبي فحسب وانما لمناطق أساسية في الرواية ..ويبقى كل ما قلته في هذه الشهادة قطر في بحر هذا الاديب الرائع."
قرأ رئيس الجلسة بعد ذلك رسالة وردته من الشاعر جبار سهم السوداني يطلب فيها من كل الادباء الحضور ممن يعرف دلالة لقب الراحل التكرلي وماذا تعني ان يدلنا عليها. ولم يتقدم احد للادلاء بمعلومة عن ذلك.
قدم رئيس الجلسة بعد ذلك الناقد فاضل ثامر رئيس الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق، ليس بصفته رئيسا للاتحاد ولكن بصفته ناقدا معروفا، فبدأ ثامر شهادته بقوله أن وفاة الاديب التكرلي تعد خسارة كبيرة، "انه رمز ثقافي وأدبي كبير، كان علما متميزا ومؤثرا وفاعلا، لقد علم أجيالا كثيرة تتلمذت بحب ووعي على هذه الخبرة الفذة."
واضاف "كان الراحل متأنيا بالكتابة فلقد كان يكتب ويشطب ويمزق.. كان صبورا وكان يتحدث بوعي عميق عن مشكلات فنية. تعرفت عليه وأنا طالب في كلية الاداب وقبلها عندما كنت تلميذا في اعدادية النضال في منطقة السنك، كنت وقتها أرتاد مقهى البرازيلية وكان التكرلي وعبد الملك نوري من جلاسها، لم نجرأ على خوض نقاشات معهم، كنا نتعلم منهم بإنصات قصد الفهم. قدر لي فيما بعد أن أعمل معه في الاتحاد العام للادباء والكتاب، وكان يمثل اليسار، ثم كلف برئاسة تحرير الاديب المعاصر وكنت محررا معه، ثم انيطت به مهمة تمثيل الادباء العراقيين في مجلة (لوتس)، كان لقائي الاخير معه في مهرجان المدى حيث جرى الاحتفاء به وبالفنانة ناهدة الرماح. كان شاحبا ونحيفا، توقعت انه لن يعيش سنة أخرى ومات ضمن سقف نبوءتي. لقد كان ذا سلوك انساني نظيف كان يمقت الانظمة التسلطية والشمولية، خالفت زملائي النقاد الذين رأوا انه امتداد للتجربة الواقعية، فكنت أرى انه مركب على التجربة الوجودية. كان يمتلك وعيا دقيقا لمفاهيم الكتابة القصصية."
وقال "انتقل الراحل في فنه من القصة القصيرة الى الرواية، فكان كاتب رواية كبير، له لمسات وجودية خاصة ولا نبالغ بصفتها الثورية، فيها كثير من الاشياء المغيبة أشرت اليها في دراساتي النقدية المنشورة. كانت روايته جريئة، وكما حرم من حقه في جائزة نجيب محفوظ كذلك حرم من جائزة عراقية قبل سنوات وذلك في اللحظة الاخيرة عندما صدر قرار رئاسي بمنحها الى أديب مصري. كان لذلك أثر سار ومفرح للجنة الجائزة التي قال احد أعضائها، لو أن الجائزة منحت الى التكرلي لدخلنا السجن بعد أن يقرأ المسؤولون روايته بعمق وتحليل. أما عن مهنيته القضائية، فقد كان معروفا عنه انه يتماهى مع المتهمين السياسيين وخاصة اليساريين ممن يقوم بمحاكمتهم." حسن عبيد عيسى