مليون ونصف شهيد والوطن شاهد

بقلم: أمير المفرجي

نجح الاحتلال الغاشم على العراق في توظيف الانقسامات الطائفيّة والمذهبيّة عن طريق مؤامرة تغيير لخارطة الوطن من الداخل. حيث اختفت وطنية الدولة وأصبحت في خبر كان ولم يبق في البلد سوى ذكريات الماضي لأن عراق ما بعد الاحتلال بدولته الجديدة يتم بناءه من منطق التفتيت واللامركزية. فلازال الاحتلال يصر على إعطاء المحافظات صلاحيات طائفية وعرقية. وعلى سبيل المثال أصبحت مدينة البصرة ومدن الجنوب مركزاَ لميليشيات وطوائف وحسب فكرة المركزية الإدارية لكل عشيرة حقها في التمتع بفوضى الاحتلال وغياب الادارة المركزية. نفس الشيء هو ذاك الدور الذي أخذت تلعبه ميلشيات مجالس الصحوة في ثلاث محافظات في المنطقة الغربية المحيطة بالرمادي والمدن القريبة منها ناهيك عن بعض المناطق الأخرى في بغداد وغيرها من مراكز العراق المهمة. وهنا وجب على كل من له بصيرة وشعور وطني الوقوف والتأمل عن اليوم الذي سيقرر به الاحتلال من استغلال هذه الظاهرة وتفجيرها عن طريق دفع كل هذه الميليشيات التي سلحها ودعمها ليل نهار للتحارب فيما بينها بحجة الدفاع عن الطائفه أو العقيدة ليكمل المهمة وينهي بهذا كل ما تبقى من الصمود الوطني العراقي الموجود في عمق كيان الإنسان العراقي.
كل عوامل التخريب والقتل والفتنة هذه أرادوها من أجل تفتيت العزم ومساعدة الاحتلال المندحر سواء ان انسحب أو أعاد نشر قواته التي يريدون وضعها في مناطق آمنة بعيداً عن حروب القبائل السياسية التي ابتكروها لنا لقتلنا من الداخل. سلاح الاحتلال إثارة الاحتراب والاقتتال الطائفي وسلاح المقاومة هو وحدة الوطن وشعبه لقد أظهرت الدلائل والوقائع الدائرة في المشهد العراقي اليومي، بأن الاحتلال يستخدم سلاح الفتنة بين الشعب الواحد وكذلك نفس السلاح بين الطائفة الواحدة ولم يبق في موضع المتفرج بل بات يغذيها ويضربها سوية.
السؤال: هل استوعبت القوى المقاومة في العراق هذه الأهداف التي يتطلّع الاحتلال الأميركي إلى تحقيقها؟ هل فهم الإنسان العراقي عمق الكارثة التي نعيشها بعد أن "تشرذم" العراق طائفيّاً ومذهبيّاً، وبات منقسماَ بغياب حكومة وطنية وبقيادة ميليشيات وصحوات تعمل بمعزل عن الدولة ومؤسساتها؟ هل فهمت نفس هذه القوى - ولكي أكون أكثر وضوحاَ - بأن الاستمرار في "تشرذم" العراق يعني استمرار وبقاء الاحتلال لفترة بعيدة الأمد وبالتالي استمرار نزيف الإنسان العراقي دون استثناء؟
أن على الكل أن يعلم بأن عراق 2003 وفي غداة احتلاله لم يعد يشبه إطلاقاَ عراق 2008. لقد غير الاحتلال الموازين بالحديد والنار وأشعل الطائفية والاختلاف بين العراقيين وهي الكارثة التي لا يريد البعض قبولها بل وحتى رؤيتها.
ان أحداث العراق لم تكن هينة ووجب معالجتها بشرف ومسؤولية الانتساب للوطن ولا بديل عن الوطن ومرجعيته. لا مجال للتفكير بغير هذا. لا لقائد أو رئيس... لا لمرجع ديني أو دنيوي.
إن ما نحتاجه جميعا كعراقيين هو فهم الحقيقة التي تخصنا كمجموعة واحدة بعيدا عن الأيديولوجية أو الانتماء الديني والسياسي لصالح انتماء واحد ألا وهو الانتماء لمرجعية العراق وهي الكفيلة بإنقاذنا جميعاَ وحجر أساس الوحدة الوطنية لشعبنا، وإبعاد فيروس الطائفية والموت المجاني والصراع الأهلي والتفتيت والتقسيم.
لنكون في المحصلة سواسية في المساواة والتنمية والحياة الحرة الكريمة. مليون ونصف المليون شهيد عراقي مسؤولية ثقيلة ودين في عنق كل عراقي ما يحصل يوميا للشعب العراقي منذ أكثر من أربعة عقود متواصلة من قتل وإبادة منظمة هو جريمة لم يبق مجال للسكوت عليها. إن ما يتطلبه الواجب ويفرضه الشرف هو رد اعتبار الوطن. أليس للدم العراقي حرمته وقدسيته عند العراقيين؟ أليس من حق الوطن أن يطالبنا في ان نرد اعتبار أطفاله اليتامى وأرامله الذين شردتهم جرائم الاحتلال؟ أليس من واجبنا كعراقيين من أن نثبت لهم حقيقة جوهر المقاومة العراقية على إنها مقاومه عراقية وطنية لإرجاع السيادة والحرية وليست مقاومة أحزاب وتنظيمات سياسية يعمل قسم منها من أجل الرئيس "فلان" وأخرى دينية عصبية عمياء كسواد عمامة "فلتان".
أن العراق الذي نصبوا إليه هو عراق الجميع والخالي من أي شهادة امتلاك شخصية لحزب أو لمرجعية سياسية أو دينية. وبمعنى أخر عدم شرعية أي جهة أي كان حجمها ونفوذها. إن العراق العزيز علينا جميعا هو ليس مُلكا صرفا بيد الاحتلال يباع وتشترى بخيراته ضمائر العراقيين عن طريق التلويح بذات الوطن ان يكون يوما لهذا وغدا سيكون لذاك. لا فرق بين عراقي وأخر إلا بدرجه إخلاصه وعمق ارتباطاته وتضحياته. إن من يبني الشخصية الوطنية العراقية ومن يعطيها مصداقيتها هو صدق مسيرتها وسجل نظافتها ومقدار حرصها على وحدة العراق وشعبه.
لقد آن الأوان لكي تصحو القوى السياسية وتصحح المسيرة بالعمل والتركيز على موضوعية المعركة وجعل هدفها الأول هو طرد الأجنبي أي كان شكله وأطماعه. في نفس الوقت وجب على مرجعيات العراق من القيام بواجبها التوجيهي الواضح في لم صفوف العباد ولكن بعيداُ كل البعد عن أي تدخل في شؤون العراق السياسية بما فيها ميول بعض الهيئات الدينية وعلماءها أو مراجع الدين الأخرى وساداتها. إن دماء المليون ونصف من ضحايا شيعة وسنة العراق والطوائف الأخرى تطلب منا جميعاَ رد الاعتبار وإرجاع الحق لهم. لا مجال ولا شرعية خاصة لغير الوطن وحرمته. لا مجال ولا فداء ألا للأرض التي سُرقت.
العالم يتفرج والامة العربية سكتت أو اُسكتت. أما العراقيون فلم يبق لهم الكثير من الخيار امام هذا الدمار والانقسامات الطائفيّة والمذهبيّة التي قتل به الاحتلال هذا العدد الكبير من أهلنا... أنهم أكثر من مليون شهيد لحد ألأن... ! وسيحاكمنا بسببه أيتام العراق والاجيال القادمة. أنهم ضحايا المليون ونصف شهيد وسيكون لهم الوطن على من أجرم بحقهم شاهدا. امير المفرجي