العراق بين التخيير والتسيير؟

بقلم: جمال محمد تقي

المراد بالتخيير هنا، ان تكون الارادة العراقية حرة فيما تختاره بعيدا عن الاملاءات والاحاطات والتركيعات وبعيدا عن الترويضات التي تختلط فيها خيوط عناكب الاحتلال بخطوط الفصل العنصري والطائفي لمريديه ومرتزقته وكل الجاحدين للعراق كوطن جامع ومؤهل ابدا لاحتواء احشائه وتحقيق ذاته. ان ثراء وتنوع تلك الاحشاء هي ميزته وخاصته، وعلى مدى كل تاريخه الطويل الذي يعرفه القاصي والداني ـ تاريخ شعب بلاد مابين النهرين ـ انه مرجل تاريخي مادي وروحي صاهر للاصول والجذور والعروق، وكان وما يزال منتج لاكثر صمغيات الحضارة قوة، حيث يذوب فيها الاقل تطورا بالاكثر، بلاد توحدها السماء والارض والماء والخضرة والوجه الحسن!
ان اصحاب المشروع الفدرالي هم انفسهم اتباع المشروع التقسيمي الاميركي للعراق. فالمحتلون والعنصريون الطائفيون الاستقطاعيون من هدامي الوطنية العراقية ومن مقلدي مراجع المشروع الاحتلالي، هؤلاء جميعا طبعات متعددة لاصدار واحد هو قرار اعدام العراق بانهاء وجوده ككيان ودولة، وتفكيكه الى اصول متخلفة تتحلل من خلالها كل اواصر المدنية التي تتجاوز القبيلة والطائفة والقومية حيث يسهل ملاعبتها واسترقاقها وهضمها!
دعاة التقسيم هم وجوه جديدة لزمن الانحطاط العراقي، برز دورها المتكيف والنهاز مع جدية التوجه الاميركي لتنفيذ مشروعها الامبريالي العولمي، فالبعد الخارجي هنا حاسم ومسير!
ان اي محاولة جادة لقراءة الوضع العراقي الحالي، تستبعد مركزية العامل الخارجي بمؤثراته المباشرة وغير المباشرة ستفقد جديتها ومصداقيتها عند اول ملامسة لها للواقع العراقي بازمنته الثلاثة الماضية والحاضرة والمقبلة.
لم يكن عبثا مثلا ان يلوم صاحب قراءة عراقية نفسه ويعتكزعلى كلمة مستحيلة ـ لوـ اي انه لو كان يعلم ان تحرير العراق سيؤدي الى هذه الكارثة فانه ما كان ليدعمها! وهو القائل: ان اصوات القنابل الاميركية على بغداد اجمل موسيقى يرقص لها قلبه، هكذا كان يقول كنعان مكية، وها هو الان يقول: ياريت الذي صار ما صار، ولكن بعد فوات الاوان وبعد ان لعب هو ذاته دوره في الحاصل الان. اي ان القراءة الخاطئة تؤدي حتما بصاحبها الى مواقف خاطئة قد يندم عليها او يتنكر لها او يتمنى ان لا تنكشف، وهكذا ولكل حسب ما يقرأ، لكن المصيبة عندما تكون تلك القراءات غير بريئة وتتقصد التعمية والتجهيل والتغطية والتضليل، فحساب هكذا قراءات سيكون حساب مختلف، ولا يختلف عن حساب المحرض على ارتكاب الجريمة ذاتها او حساب من ارتكبها فعلا!
ان التسليم بقدرية وحتمية وضرورة الاحتلال كوسيلة لتحقيق هدف وطني، هو التيه الذي يبعث على الافلاس بعينه، فالمحتل له مشروعه المناقض بالصميم للمشروع الوطني وبالتالي ستكون شعاراته المعلنة لا تعدو عن كونها شعارات للاستهلاك المحلي والدولي، لكن دوافعه مغايرة ويستحيل التوفيق بينها وبين المشروع الوطني، فالتبعية وباي شكل من اشكالها هي مناقضة للمشروع الوطني، والوجود الاحتلالي بحد ذاته هو فعل مناقض للمشروع الوطني، ان مجرد تغيير انظمة الحكم بالقوة وبواسطة قوى غازية هو فعل لا شرعي ولا تقره الاعراف والقوانين المحلية والدولية، فكيف الامر مع احتلال جاء متعمدا لتقسيم البلاد والعباد ووضع يديه على قرار الحكم والتصرف بالطاقة الحيوية التي تسبح عليها ارض الرافدين؟
لو خير العراق، فانه سيختار حتما طرد المحتلين ودون ابطاء، وابطال مفعول كل اجراءات عمليته السياسية العقيمة، ليقيم محلها حكومة مؤقتة مستقلة من المتخصصين الوطنيين بمجلس مرجعي يجمع فيه كل ممثلي القوى التي ناهضت الاحتلال مع ممثلي للاطياف العشائرية والدينية المقارعة للمحتلين وممثلي المقاومة العراقية والجيش العراقي، لينفذ الجميع برنامج انقاذ وطني يعمل على اساس فترة انتقالية لا تتجاوز السنتين يجري فيها تهيئة الاجواء الدستورية والوطنية والامنية لانتخابات تشريعية على اسس وطنية وبرنامجية لاعادة بناء العراق واستعادت دوره وعافيته، وتبني وفورا هيكلة القضاء العراقي وتشكيلاته وضخه بكل الامكانيات المتاحة واعتماده كاساس مرجعي لكل الاجراءات القانونية والامنية تحديدا لتكون سلطة القضاء وكلمتها هي العليا، يلغى قرار حل الجيش العراقي وتشكيلاته ويتم استرداد ممتلكاته، ثم يجري التعامل مع التشكيلات العسكرية النظامية التي شكلها الاحتلال بروح من المسؤولية بحيث يجري ضم ما يصلح منها للعراق المحرر، الابقاء على كل تشكيلات الشرطة والحدود التي لا تعادي التوجه الجديد ويجري العمل بما هو ملائم من كل القوانين التي سبقت الاحتلال ولغاية انتخاب مجلس تشريعي جديد.
لقد اتضحت كل النوايا الاميركية من وراء الحرب على العراق واحتلاله واقامة نظام ضعيف تابع فيه، تتنازعه الطوائف والعنصريات، الهدف هو التمكن من ثرواته النفطية ولاجل غير مسمى، ولاجل ضمان ذلك الهدف يجري العمل على تقسيمه الى ثلاثة او اربعة دويلات لكل واحدة جيشها وعلمها ودستورها، وما الاجراءات الاميركية الاخيرة التي تندرج تحت عنوان الاستراتيجية الاميركية الجديدة في العراق الا لتسريع الاتجاه نحو الهدف الذي بات اكثر من معلن، حيث ستستند تلك الاجراءات على سحب تدريجي للقوات المقاتلة ـ سيسحب منها 5 فرق قتالية بعد النصف الثاني من عام 2008 ـ وعلى استبقاء قواعد محدودة لا تتجاوز عدد اصبع اليد الواحدة للتدخل السريع ولفرض الهيمنة بالقوة وستكون هذه القواعد فعالة لكنها ليست على تماس مع المدن العراقية، اي ستكون ساكنة في البراري متأهبة لاي طاريء يفسد عليها سطوتها الكلية التي لاتحيد عن تفاصيلها التشكيلات العسكرية العراقية ـ جيش وشرطة واستخبارات ومخابرات ـ فكل هذه الاجهزة ركبت بطريقة تتناسب والمشروع الاميركي ذاته اضافة الى وجود سيطرة ورقابة عليها من خلال المستشارين الاميركان!
لقد كانت تفاهمات بوش المالكي الاخيرة خطوة بهذا الاتجاه الذي يريد اكساب البقاء الاميركي المهيمن شرعية دستورية وسياسية عراقية، حيث ستنهي تلك التفاهمات مفعول اجراءات مجلس الامن ورقابته التي تتطلب موافقته على تمديد وجود القوات الاجنبية في العراق، وفعلا اعلن زيباري انها المرة الاخيرة التي يطلب العراق فيها من مجلس الامن لتمديد وجود القوات حتى نهاية عام 2008، وقد بدأت معظم القوات المحتلة من غير الاميركية التهيئة لمغادرة العراق ـ البريطانية والاسترالية والبولندية والكورية ـ ومن جهة اخرى تتعمد السياسة الاميركية على ابقاء القدرات العسكرية للتشكيلات العسكرية العراقية النظامية ضعيفة بل اضعف من قدرات الميليشيات المرخصة ـ البيشمركة والصحوة وبدر ـ وبالتوازي مع هذه الاجراءات الامنية والعسكرية هناك خطوط سياسية وعملياتية تسهر الاستراتيجية الاميركية على فرضها ليسير عليها العراق دون امكانية للفكاك منها، كتمرير قانون النفط والغاز الجديد، وحسم موضوعة الاقاليم بطريقة تخدم التواجد الاميركي طويل الامد في العراق، وانجاز ما يسمى بمشروع المصالحة الوطنية الذي ما هو الا محاولة اميركية لانتزاع توافق من كل الواجهات العراقية على مشرعها هي، مقابل ضمانها لتقاسمهم مغانم السلطة المفككة، بهذا الاتجاه جرت اجتماعات البحر الميت وايضا يجري التحضير لمؤتمر للمصالحة في القاهرة خلال هذا العام!
ان السياسات الاميركية ومصالحها هي صاحبة اليد الطولى في العراق المحتل حتى لو تم سحب 100 الف جندي اميركي من العراق وحتى لو خلت شوارع العراق من جنود الاحتلال الاميركي والبريطاني والاسترالي، هي من وضع خط السير لكل معالم العراق الجديد وسيبقى نفوذها متواصلا لحرسة خط السير هذا، فالقواعد والاتفاقيات والتوازنات والميدان الذي نجحت بتدجيجه بكل عوامل التنازع الطائفي والمناطقي والاثني، عبر الدستور وفتنة الفدرالية كلها كفيلة بتسيير الوضع في العراق ومستقبله الى حيث المصلحة الاميركية!
لكن من الخلاصة ايضا ان نقول : ان الشعب الذي اجبر الاميركان على السير بطرق لم ترحهم ولم يتوقعوها قط قادر على افشال واحباط تقفيلتهم تلك وقلب الطاولة على كل الاعبين عليها، فاكره ما عند اهل العراق ان يكونوا مسيرين والاختيار لديهم عقيدة لا يغادروها حتى لو غادرها المعتزلة كل المعتزلة وعبر التاريخ كله!
ان سلسلة الحملات العسكرية المتسارعة على المدن العراقية ومحاولات ترويضها وتركيعها الواحدة بعد الاخرى باستخدام مفرط للقوة بل وتخريبها لارهاب اهلها وتهجيجهم وجعلهم يفرون بحياتهم بجعل ارضهم محروقة بناسها هو واحد من الاستراتيجيات الاستباقية لما قبل مرحلة سحب واعادة نشر القوات، فما جرى في مناطق عرب الجبور وديالى والرمادي وسامراء وصلاح الدين وبغداد ثم الاستعداد لاستباحة الموصل الحدباء يؤكد ما ذهبنا اليه والقادم يشي بجرائم جديدة وجماعية، خاصة في الموصل حيث تتزاوج الاجندة العنصرية للحزبين الكرديين مع اجندة الاميركان وجماعة بدر للانتقام من عروبة ومقاومة اهل الموصل الابرار!
لقد طفح الكيل والارض حبلى، وسوف لن يخسر اهل العراق الاخيار غير قيودهم، عندما يطيحون بجبروت الاحتلال واعوانه، فالعراقي مختار بطبعه والتسيير عنده مذلة وعبودية. جمال محمد تقي