حتى لا يأتي هدم 'الجدار' بما تشتهي إسرائيل!

بقلم: جواد البشيتي

هَدَمَ الفلسطينيون جداراً، ففرحوا وابتهجوا وانتشوا، ثمَّ أصابتهم الغُصَّة، فخَلْف الجدار جدار.. وجُدُر.
لم يكن كـ "جدار برلين"، في سبب وجوده، أو هدفه وغايته، ولا في الدافع الذي دفعهم إلى هَدْم أجزاء منه، وإنْ بدا كذلك في طريقة هَدْمِه، فالجموع الثائرة الغاضبة من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة هي التي هَدَمَتْهُ عن جوع، أو عن رغبة في تفادي الموت الجماعي جوعاً أو مرضاً..، وليس عن رغبة في الوحدة القومية مع أشقائهم المصريين، فالأمَّة في زمن تجزئة وتفكيك ما تجزَّأ وتفكَّك منها، ما عادت تَنْظُر إلى وحدتها القومية، على اشتداد حاجتها التاريخية إليها الآن على وجه الخصوص، إلاَّ بوصفها علامة من علامات يوم القيامة.
"المشهد"، على ما يثيره الدافع إلى صنعه في نفوسنا من شعور بالألم والغضب والمرارة والحزن، كان في منتهى الجَمَال والرَّوْعَة، فجموع الشعب، الذي أمْعَن الاحتلال والحصار والصمت الدولي الرهيب المريب.. واقتتال الأخوة الذين أعماهم هذا الوهم أو ذاك في هَدْم وجوده القومي والسياسي.. والإنساني، خرجت من أجداثها، وشرعت تَهْدِم أحد أسوار السجن الكبير الذي سُجِنَت فيه مُذْ أخرجت إسرائيل كل مستوطنيها وجنودها من قطاع غزة، ومُذْ وَقَع ما وَقَع في منتصف حزيران الماضي، والذي شرع يتحوَّل من سجن جماعي كبير إلى مقبرة جماعية كبيرة مع قرار إسرائيل، التي أثبتت أنَّ "الأسوأ من الاحتلال" يمكن أن يبدأ مع "إنهاء احتلالها" هناك، مَنْع الكهرباء، وغيرها من الطاقة، عن قطاع غزة وأهله، وكأنَّها لم ترَ من حلٍّ لما تسميه "مشكلة استمرار إطلاق الصواريخ على سديروت (وغيرها)" سوى إلقاء ما يشبه "قنبلة هيروشيما" على الشعب الفلسطيني هناك!
سوء الحال، أو الأحوال، العربية، والتي يشقُّ على المرء أن يُثْبِت أنَّها أقل سوءاً من الحال، أو الأحوال، الفلسطينية، هو ما شجَّع إسرائيل على أن تتوقَّع أن تَمْنَع مصر، بالحديد والنار، وبما يشبههما من وسائل، الفلسطينيين الذين هدموا الجدار الإسرائيلي في رفح من العبور إليها لشراء الطعام والوقود والدواء من أسواق رفح المصرية والعريش، وكأنَّ جُدُراً إسرائيلية في عمق الأراضي المصرية يجب أن تُقام لمنع الفلسطينيين من أن يقطفوا ولو قليلاً من الثمار الطيِّبة لهدمهم جدار الاحتلال في رفح الفلسطينية.
مصر كانت أكبر، وأكبر بكثير، من التوقُّع الإسرائيلي، الذي تحوَّل إلى طَلَبٍ إسرائيلي مشتَرَك مع الولايات المتحدة؛ وما كان ممكناً أن تقف القاهرة غير الموقف الذي وَقَفَت، والذي يسعى الحليفان الاستراتيجيان (إسرائيل والولايات المتحدة) إلى هَدْمِه بما يملكان ويستعملان من أسلحة ووسائل الضغط المختلفة.
ويكفي أن تتحسَّن، ولو قليلاً، الوسائل القتالية الدفاعية للفلسطينيين في قطاع غزة حتى يصبح الموقف الإنساني ـ القومي الجيِّد الذي وقفته مصر هو "السبب"، بحسب المزاعم الإسرائيلية، لـ "اشتداد ساعِد الإرهاب الفلسطيني"، وحتى تصبح القاهرة متَّهمة، إسرائيلياً، بالدعم المباشِر، أو غير المباشِر، لهذا "الإرهاب"، ومُنْتَهِكة، بالتالي، لمعاهدة السلام مع إسرائيل.

على أنَّ شيئاً من نتائج وعواقب هَدْم الجدار الإسرائيلي بين قطاع غزة ومصر، وإنْ كانت غير مرئية حتى الآن، يُظْهِر ويؤكِّد أنَّ وراء الأكمة ما وراءها، فإسرائيل، التي لا تُمانِع في استئناف واستمرار "مفاوضات الحل النهائي" مع الفلسطينيين ما دامت ذرَّاً للرماد في العيون، تعمل من تحت طاولة "مفاوضات السلام" على جَعْل الفلسطينيين (في قطاع غزة والضفة الغربية) في واقع موضوعي يَمْنَعهم (أكاد أن أقول منعاً باتاً) من جعل دولتهم القومية حقيقة واقعة.

لقد حاصرت الفلسطينيين في قطاع غزة الفقير حتى انفجروا يأساً وغضباً، فَفَجَّروا الجدار (الإسرائيلي) الحدودي بينهم وبين مصر، فَلِمَ لا يتحوَّل هذا الذي حَدَث إلى علاقة جديدة ودائمة بين مصر وقطاع غزة؟ هذا ليس بسؤال أو تساؤل وإنْ بدا كذلك، فهو هدف إسرائيلي استراتيجي.

إنَّ مصر، بحسب المحاولة الإسرائيلية، يجب أن تغدو هي المسؤولة عن "إطعام" الفلسطينيين هناك، وأن تتحمَّل، أو أن تُحَمَّل، بالتالي، مسؤولية كل رصاصة أو صاروخ يُطْلَق من القطاع على أراضيها. وهذا إنَّما يعني أن تنهي إسرائيل كل صلة اقتصادية لها بقطاع غزة وأهله، فَتُغْلِق حدودها معه إغلاقاً تاماً ودائماً، وتَقِفُ تراقب عواقب استمرار الصراع بين "حماس" المسيطرة والحاكمة و"فتح" التي فَقَدَت السيطرة والحُكم، فهذا الشرخ يجب أن يستمر ويتعمَّق بما يبقي الرياح الفلسطينية تجري بما تشتهي السفينة الإسرائيلية.

قد تنجح القاهرة في مسعاها لحل أزمة معبر رفح بما يؤدِّي إلى نتيجتين: وقف "الفوضى الحدودية" التي جاء بها هَدْم "الجدار"، والحيلولة بين إسرائيل وبين التسبُّب في إغلاقه متى تشاء.

ويكفي أن تنجح مصر في إنجاز اتِّفاق جديد يُنَظَّم بموجبه عمل المعبر، ويُفْقِد إسرائيل ما منحه لها الاتفاق القديم من سلطة للتحكُّم في عمل المعبر، حتى تتَّخِذ من هذا النجاح ذريعة لقطع كل صلة اقتصادية لها بالقطاع وأهله، ولـ "تصدير" أزمتها هناك إلى مصر.

مصر قد تنجح في إنجاز اتفاق بين "حماس" و"فتح" يسمح بإدارته إدارة مشترَكة بين مصر والفلسطينيين فحسب، فلا يبقى فيه من وجود لـ "الكاميرات الإسرائيلية"، وغيرها من أوجه ومظاهر النفوذ الإسرائيلي. وقد يشتمل هذا الاتفاق على أن تأتي القوَّة الأمنية والإدارية التابعة للسلطة الفلسطينية، والتي ستتولى السيطرة على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، من الأراضي المصرية، وأن تؤدِّي عملها بدعم وحماية رجال الأمن المصريين على الجانب الآخر (المصري) من المعبر، وكأنَّ بداية الحل للأزمة بين "حماس" و"فتح" في قطاع غزة يمكن ويجب أن تكون بهذه "السيطرة الرمزية" لسلطة الرئاسة الفلسطينية على معبر رفح.

إذا نجحت هذه التجربة في قطاع غزة، في بُعْدِها الإسرائيلي الذي ليس مرئياً بما يكفي من الوضوح حتى الآن، فقد تستسهل إسرائيل تجريبها في الضفة الغربية، فـ "الجدار الأمني" قد يكتمل بناءً، فيتعرَّض الفلسطينيون شرق هذا "الجدار"، الذي ستُغْلِق إسرائيل معابره وبوَّاباته، إلى ما تعرَّض له أشقاؤهم (من قبل) في قطاع غزة، وتتغيَّر العلاقة بين الأردن والفلسطينيين هناك، أي شرق "الجدار"، بما يشبه التغيُّر الذي طرأ على علاقة مصر بقطاع غزة بعد، وبسبب، هدم الجدار الحدودي بينهما.

عندئذٍ، تضم إسرائيل إليها غرب "الجدار"، الذي تقع فيه القدس كلها ومراكز الاستيطان الأساسية، وتُغْلِق معبره وبوَّاباته. وعندئذٍ، أيضاً، تَقِفُ تراقب نتائج وعواقب استمرار الأزمة في العلاقة بين "فتح" و"حماس" غرب "الجدار".

ولن ينشأ عن هذا الوضع الجديد وذاك، أي عن الوضع الجديد في قطاع غزة والوضع الجديد في الضفة الغربية شرق "الجدار"، ما يُثير لديها القلق، فأراضيها تفصل فصلاً تاماً بين شطري "الوطن الفلسطيني"، أي بين القطاع والضفة؛ ولن يكون بالأمر الممكن واقعياً أن يتَّحِد الشطران في دولة واحدة ما دام هذا الحاجز الجغرافي ـ السياسي (الاستراتيجي) الإسرائيلي قائماً.

إذا حَدَثَ ذلك، وقد يَحْدُث، فإنَّ من الحماقة السياسية بمكان أن نلوم إسرائيل وكأننا نتوقَّع أن تكون لها سياسة غير التي تُقرِّرها، وتُقرها، مصالحها وأهدافها الاستراتيجية، فـ "الضحية"، أي الفلسطينيون، هي وحدها (أو في المقام الأول) التي يجب أن تُلام، وأن يُلام العرب جميعاً معها، فاستسهال الفلسطينيين أن يمزِّقوا بأياديهم وحدتهم القومية، في مقاومة إسرائيل أو مفاوضتها، هو ما سهَّل على الدولة اليهودية أن تبتني لها مجداً من حجارة الحقوق القومية للشعب الفلسطيني. جواد البشيتي