المشهد الاخير: فيلم فلسطيني عن عبادة الكراسي

بقلم: تيسير مشارقة
الكرسي عندما يتحول الى عرش

فيلم "المشهد الأخير ـ 2006" للفنان التشكيلي محمد حرب، وتصوير خليل المزيّن من الأفلام التي تخلق جدلاً وحواراً بين ثنائيات متعددة في الواقع المعاش. فعلاقة الإنسان بالكرسي علاقة جدلية، وهذه العلاقة سرّية وسحرية وغريبة وعجيبة كأن روح الإنسان متعلقة بأربعة أقدام خشبية أو حديدية.. أو خشبية مطعّمة بحواف حديدية كأنها حقيبة أو قطعة حلوى. العلاقة حيوانية وكأنها تدب على أربع. هناك من يعتقد بأنه يكبر بكرسيه الفاخر، وآخرون يرون أنهم يضيفون معنى للكرسي.
أفول السيادة وسقوط المرء عن كرسيه لا يعني خسارة كبرى كارثية كما حدث في الحالة الفلسطينية. فالمسألة أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) تخلّت عن كرسي السلطة عن طيب خاطر وتركت الميدان لحميدان (والمقصود هنا حماس) التي أمسكت بالكرسي غير مصدقة ما يحصل وتغوّلت وتغطرست وانفلتت العنجهية من عقالها وكأن "الدنيا ـ الأرضية" التي عافتها الأنفس لصالح "الدنيا الآخرة" صارت حلماً وجنّة مبتغاة. فطول انتظار الآخرة لم يفض إلا إلى كراسي أرضية ومتع كبرى وجاه ونسب وحسب.. فكيف يتم التخلّي عن هذه البهجة كبرى. وصدق من قال: إذا ما قعد محروم على كرسي، فلن يتركه لأحد إلا وهو حطام .. أو يموت دونه.
ومن خلال التشكيل البصري واللوني، وباستخدام الضوء والظلال، النور والعتمة، استطاع الفنان محمد حرب بمعونة المصوّر المبدع خليل المزيّن أن يقدم لنا الكرسي بطريقة فنية ذات دلالات هامة إنسانية وثقافية.
علاقة الإنسان بالأشياء نطلق عليها باللاتينية "فيتيشزم" fetishism وهي علاقة مرضيّة وحزينة بحيث يتشابه المرء أحياناً بأشيائه التي يعشقها..تماماً كالعلاقة بالحيوان فيتطابق المرء بسلوكيات ومظهر حيواناته، ونرى الإنسان شبيهاً بكلبه أو قطته أو أرنبه.
الفيتيشية – أو الفتشيّة fetishism حسب منير البعلبكي في قاموس المورد هي: البدّية، أي الإيمان بالأفتاش والبدود، أي التقديس الأعمى، وهي انحراف يتمثل في تركيز الشهوة الجنسية على جزء من الجسد، كالقدم مثلاً، أو على حذاء أو جورب أو خصلة شعر أو ثوب تحتيّ.
أما الفتش، البدّ، فهو شيء كانت الشعوب البدائية تعتبر أن له قدرة سحرية على حماية صاحبه أو مساعدته، وهو صنم أو معبود وفي الأمر ولع أو تعلق شديد، وهو طقس ديني عند الأفتاش.
فالعرش عن الأصوليين مرتبط بالكرسي، وان يجلس على الكرسي أو العرش يكون إلوهياً [وليس ربّانياً] أو قريباً من الذات الإلهية. ومن يجلس على الكرسي يستحق التقديس ولا تجوز إزاحته أو تنحيته حتى يموت على كرسيه وكأن الكرسي من الله، وهبه للمخلصين من أوليائه الصالحين وأي مطالبة لهم بالتنحية هو معصية لإرادة الخالق.
لهذا السبب يفتري الأصوليون عندما يجلسون على الأرائك والكراسي. فتتغيّر ملامحهم وتسمن أبدانهم وتبرز كروشهم وتختفي رقابهم، وكأن الله وعدهم بالكراسي للراحة والاستمتاع بعد طول عناء من الفقر والحرمان والزهد في متاع الدنيا.
كل من عليه (على الكرسي) فانٍ. والصراع على الكرسي عبثي أحياناً، وقد جمد الفنان محمد حرب الشخص المتكرّس على كرسيه في صورة صنمية في آخر مشهد من شريطه مما أوحى لنا بأن العلاقة صنمية بالمنصب الكرسوي.
قدم لنا الفنان محمد حرب عدة أنواع من الكراسي، خشبية وحديدية ـ جلدية. وظهر في الفيلم أن المواطن الذي هبط عن كرسيه يهبّط رأسه أكثر وأكثر بينما هناك أناس كثيرون يحومون حول الكرسي ويدورون حوله سبع لفّات كما الحاج الذي يدور حول الحجر الأسود سبع مرّات. الكعبة المشرّفة في مكّة يدور الناس حولها سبع مرّات في طقس تقديسي ديني هكذا كان الأمر بالكرسي في شريط "المشهد الأخير" للفنان محمد حرب، ولو أن الفيلم لم يصنع في العام 2006 لقلنا أن هناك نبوءة كرسويّة في الصراع حول الكرسي وقع أو تنبأ الفنان بوقوع هذا الصراع في قطاع غزة.
أظهر الفنان حرب الأقدام التي تحوم حول الكرسي وتترقبه وتنتظره والكرسي في عليائه يقف راسخاً هناك..بعيداً بعيد. تيسير مشارقة mashareqa@hotmail.com