مَن الضحيَّة التَّالية؟ الاحتيال يهدِّد بانهيار أي بنك في أي وقت

بوسطن (الولايات المتحدة) ـ من جيم فينكل
المتعامل العظيم محتال محتمل عظيم

رغم كل برامج الكمبيوتر المعقدة والاختبارات النفسية بل والبواعث الاخلاقية يمكن للمتعاملين المحتالين الذي يبرمون صفقات دون علم رؤسائهم أن يهزُّوا مؤسساتهم في أي وقت وفي أي مكان.

وقال مارك راش المستشار لدى شركة "اف تي اي" الاستشارية والذي كان يدير وحدة جرائم الكمبيوتر بوزارة العدل الاميركية في السابق "كل العوامل التي تصنع متعاملاً عظيماً يمكن أن تصنع محتالاً عظيماً أيضا".

بل ان راش الذي ساعد في تهدئة أسواق المال الاميركية بعد هجمات 11 سبتمبر/ايلول عام 2001 يخشى من الفزع الذي قد يتسبب فيه متعامل منفرد بأكبر بنوك وشركات الاوراق المالية في العالم.

ويقول هارفي بيت الذي كان يرأس لجنة الاوراق المالية والبورصات الاميركية عامي 2001 و2002 "ما من نظام معصوم من الخطأ. فالخوف من امكانية وجود متعاملين محتالين يلازمك طول الوقت".

وأسباب القلق جلية؛ فالمصرفيون والمنظمون والمستثمرون شعروا بالصدمة للكيفية التي تمكن بها موظف من المستوى المتوسط من ابرام تعاملات في الاسهم غير مأذون له بها أدت الى خسارة بنك سوسيتيه جنرال الفرنسي 7.2 مليار دولار وتسببت في هبوط الاسواق الاوروبية.

وقال مستشارون في ادارة المخاطر ومسؤولون سابقون ان من المستحيل استئصال كل المتعاملين الذي قد يتسببون في كوارث. لكن بوسع البنوك اتخاذ تدابير وقائية.

ويقول بيت ان هذه التدابير "يجب أن تشمل مجموعة مختلفة من أدوات الرقابة حتى اذا كان شخص قد اجتاز (من قبل) أي شكل من أشكال المراجعة".

وتحتاج الكثير من عمليات الاحتيال اهتماماً مستمراً من جانب مرتكبيها حتى يمكنهم الاستمرار في الظهور بأن كل شيء على ما يرام.

ولهذا السبب تشترط البنوك التي يوجد لديها أفضل الضوابط أن يأخذ العاملون أسبوعاً أو أسبوعين كاملين لقضاء اجازة تنقطع فيها صلتهم تماماً بمكاتبهم.

وهذه الفترة تمثل فرصة للمدقِّقين للتعرف على ما اذا كانت هناك أي مخالفات طويلة الأجل في غياب مرتكبها.

والمتعامل جيروم كيرفيل الذي أوقع سوسيتيه جنرال في المشكلة لم يكن يأخذ عطلات من العمل.

وتوجد أيضا تدابير لا تفلح في تحقيق الغرض منها.
ويتَّفق العديد من الخبراء أن من بينها الاختبارات النفسية لأن المتعامل المحتال يملك في الغالب عبقرية حسابية كما أن الاختبارات قد يكون فيها قدر من التطفل المبالغ فيه على الموظفين ومحبطة لمعنوياتهم.

وتقول لويز بورك مديرة ادارة المخاطر السابقة بشركة "ستيت ستريت كورب" ان من المستحيل التعرف على أفضل المجرمين لانهم غالباً ما يبرعون في اخفاء ما يفعلون.

وعلاوة على ذلك فان تسعة من بين كل عشرة موظفين قد يرتكبون الاحتيال في ظل الظروف الملائمة خلال احدى المراحل في حياتهم المهنية على حد قول بورك.
ومن العوامل التي تعزز احتمالات حدوث الاحتيال الضغوط من أجل النجاح في العمل والمشاكل المالية وممارسة القمار وادمان المخدرات.

وقالت بورك "الشخص الواحد قد يكون عرضة لارتكاب الاحتيال في أجواء مختلفة وفي أوقات مختلفة من حياته".

واذا أسفرت المراجعات العادية عن اطلاق صفارات الانذار فيمكن للبنوك متابعتها بأي اجراء يبدو مناسباً سواء بتوسيع نطاق عمليات الاشراف أو باجراء تحقيق كامل.

وتتجاوز كلفة اجراء تحقيق كامل 100 ألف دولار لذلك فان اللجوء اليها يقتصر على الحالات التي يكون البنك شبه واثق فيها من وجود مخالفات.
وهنا يتم استدعاء خبراء الكمبيوتر لفحص جهاز الكمبيوتر الخاص بالمتعامل موضع الشبهات وجهاز البلاكبيري الخاص به ويستخرجون منهما الادلَّة.

وقال بيت "اذا أردت البقاء فيجب أن تتأكد من أنك تحاول أن تسبق الاشرار دائماً بخطوة على الاقل".

ومع اتضاح تفاصيل ما حدث في بنك سوسيتيه جنرال سيسعى العديد من البنوك الى فحص نظمها لرصد نقاط الضعف.

وعلى هذه البنوك أن تتحرك بسرعة لان المحتالين يتعلمون من أخطاء الآخرين.

وقال سانديب فيشنو العضو المنتدب لشركة بيرينغ بوين للاستشارات وادارة المخاطر ان محاولات تقليد ما حدث تتزايد.

وعلى البنوك أيضاً أن تجري مراجعة وافية لنظم الكمبيوتر المصممة للتعرف على التعاملات غير العادية.
وربما تحتاج هذه النظم لاعادة ضبطها لزيادة درجة حساسيتها للسلوك غير المعتاد.

وربما يكون النظام أيضاً عرضة لسوء الاستخدام من جانب آخرين مطَّلعين على أسلوب عمله.
فالمتعامل الفرنسي كيرفيل على سبيل المثال كان يعمل في المكاتب الخلفية للبنك قبل أن يصبح متعاملاً مما أتاح له الاطلاع على نظم الكمبيوتر المستخدمة في مراجعة تعاملاته.

وقال متعامل في عقود الخيارات في بنك بنيويورك له خلفية تشبه خلفية كريفيل انه يعلم عن حالات لم ينقطع فيها متعاملون عن استخدام أجهزة الكمبيوتر التي كانوا يعملون عليها للتدقيق في التعاملات حتى بعد أن انتقلوا من المكاتب الخلفية الى صفوف المتعاملين.

وحتى عند سحب هذه الادوات التي يتعرف بها نظام الكمبيوتر عليهم مثل كلمات السر يمكن لهم بسهولة اقتحام النظم التي يفترض فيها أنها مأمونة.

وأضاف "ربما يكون بامكاني أن أفعل ذلك".

وهذه هي الثغرات التي يبذل العديد من البنوك جهوداً كبيرة لرصدها وسدها.
وتنفق البنوك ملايين الدولارات على نظم ادارة المخاطر ونظم الكمبيوتر الخاصة بتشغيلها للتعرُّف على عمليات الاحتيال المحتملة.

وتفعل البنوك ذلك في الغالب من تلقاء نفسها وبنصيحة من مجموعة مختارة من المستشارين لكي تزيد صعوبة معرفة عمليَّاتها على الغرباء.
وتعتبر البنوك إدارة المخاطر أيضاً جزءاً من الوصفة السرية التي تمنحها ميزة على منافسيها.

وقال فيشنو "سيوجد من يقولون لدينا الثقة في ضوابطنا وهذا حدث هناك ولم يحدث لنا. وفي رأينا أنهم هم السذَّج".