'حساب يكون'

يقلم: علي الصراف

هل يمكن للجريمة أن تنتصر؟
هذا السؤال ليس موجها لما يسمى بـ"نائب رئيس الوزراء العراقي" برهم صالح وحده، بل الى كل زملائه الذين ربطوا أنفسهم بالغزو الأميركي للعراق.
ففي دافوس (حيث يعقد المنتدى الإقتصادي العالمي)، وبين "علية القوم"، فقد وجد الامعة فرصة للتباهي بما تفعله حكومته، قائلا انه "اذا انتصرنا في الانبار فسننتصر في العراق". وزاد بالقول: ان العنف الذي يعاني منه العراق منذ اجتياحه العام 2003 يبقى باهتا بالمقارنة مع "الاهوال التي عاشها تحت نظام صدام حسين".
كل ما فعلوه، حتى الآن، "باهت".
يقول مثل شعبي عراقي بصيغة حوار بين إثنين يحاولان شتم أحدهما الآخر بما تفعله أمه:
"قال: إبن أم الرجولة. فقال: حساب يكون".
فهل نحسب؟
وإذا كل هذا "باهت"، فهل بقي ما يمكن فعله أكثر؟
على أي حال، فلو لم يرتكب أركان النظام العراقي الراهن جرائمَ حرب وانتهاكات وأعمالا وحشية ضد ملايين العراقيين، لكان الكثير من مزاعمهم عن "الديمقراطية" قد أصبح مقبولا، ولكانت انتقاداتهم لـ"جرائم النظام السابق" قابلة للفهم. ولكن أن يدين المرءُ جريمةً ثم يعود ليرتكب أسوأ منها، فانه في أفضل الأحوال مجرم على سوية المجرم الذي يدينه، إن لم يكن أسوأ ويستحق عقابا أشد.
ونحن نعرف، مسبقا، نوعية الذين استظلوا بظلال الدبابات الأميركية لتخريب العراق. ونعرف من أي مستوى وضيع (ثقافيا وسياسيا وإنسانيا) جاءوا. وكان من الواضح انهم سيرتكبون كل ما يمكن ان يضمه "كاتولوغ" الجرائم من أعمال وانتهاكات. وقد فعلوا. ثم أثبتوا بالدليل الملموس انهم لم يكونوا معارضين للنظام السابق، وانما معارضين للعراق نفسه ككيان موحد، مزدهر، مستقل وذي سيادة.
وحسنا فعلوا. فهذا الأمر يترك للشرفاء والوطنيين فرصة ثمينة، ربما تكون الأخيرة، لكي يجعلوا من النظام البديل قائما على قواعد الحرية والعدالة والمساواة.
ولكن بما ان أركان النظام الراهن إعتقلوا وعذبوا وأعدموا معظم أركان النظام السابق، وما يزالون يلاحقون القليل من البقية الباقية، فالى حد كبير يمكن القول انهم انتقموا، وحققوا "العدالة" (مع الإعتذار للكلمة) التي يرغبون بها.
ممتاز. مبروك.
ولكن بقي أن ينتقم ملايين العراقيين من كل الذين تلوثت أيديهم بالجرائم التي أرتكبت وما تزال ترتكب في ظل الإحتلال. وبقي أمام العدالة ان تتحقق حيال كل "امراء الحرب" من قادة المليشيات والعصابات الحاكمة في بغداد.
ما يمكن أن نطمئن برهم صالح فيه، هو ان العدالة لا تتجزأ. وجرائم الحرب لا تسقط بالتقادم. وأبناء وأحفاد ملايين الضحايا لن يغفروا للقتلة والمجرمين ما فعلوه على إمتداد سنوات الإحتلال. والدنيا دولاب يدور. ولو دامت لغيركم، ما وصلت إليكم. الأمر الذي يعني ان دماء الضحايا لن تذهب هدرا، وإذا كان هناك من سبب لكل أعمال العنف الدائرة في العراق اليوم، فهو ان الثأر والانتقام ما يزال، ومن المفيد أن يظل، محركا لإحقاق عدالة المقهورين.
وقد "ينتصر" العملاء في الأنبار، وفي كل مكان يرغبون، ولكن الجريمة لن تنتصر.
العراقيون لم ينسوا حساب أي جريمة أرتكبت بحقهم من قبل. وهم لن ينسوا من بعد أيضا. ومثلما أراد العملاء أن ينتقموا، فقتلوا وعذبوا واغتصبوا حتى فاقت أرقام الضحايا الملايين، فان الوطنيين سينتقمون أيضا. ولا شك ان رحلة تعليق المشانق لن تتوقف. وما لم يهرب بما خف حمله، فسيأتي يوم لكي نرى كل العملاء الذين ركبوا موجة الغزو وتورطوا بجرائمه يتأرجحون عليها.
هل هذا حلم؟
لا.
أولا، الجريمة لم تنتصر في أي مكان الى الأبد.
ثانيا، الطبيعة الإجتماعية للعراقيين، تقوم على الغيرة والشرف والشهامة والوطنية. هذا ما يجذبهم. وهذا ما يتحلقون حوله. ولو بقي شريف واحد (واحد فقط) فانه سيكون قادرا على جذب الأفئدة والضمائر حوله. ومن سوء حظ أركان النظام الراهن، انه ما يزال هناك ملايين وملايين، بينهم 200 ألف مسلح على الأقل. وعندما تقول استطلاعات الرأي ان أكثر من 80 في المائة من العراقيين يريدون زوال الإحتلال فورا، فان برهم صالح وأركان عصابات نظامه يفهمون ماذا يعني ذلك (هم الذين يتوسلون الإحتلال أن يبقى ليحميهم).
ثالثا، جرائم النظام لن تتوقف، بكل ما تنطوي عليه من وحشية وقبح، لانها جزء من طبيعته بالذات. مما يعني ان الحساب ما وني يكبر.
رابعا، عصابات الحرامية التي تحكم في بغداد ستظل تتنازع، فيما بينها، وفي داخل كل منها، مما سيُبقي نظامها هشا.
خامسا، المقاومة المسلحة ضد الغزاة، وأتباعهم، لن تتوقف. ويعرف برهم صالح انه عندما يبلغ الأمر حد ان تقوم النساء بعمليات انتحارية ضد مأجوري النظام، فذلك يعني ان سيل القهر قد بلغ الزبى، وانه، طال الوقت أم قصر، سيجرف الكثير من الرؤوس. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com