بيروت تحتفل بشعراء العراق الفائزين بجوائز الشرق والغرب

بيروت ـ من اماليد عبود
كن عراقيا لتصبح شاعرا

استحوذ العراق على معرض الكتاب العربي في دورته 51 في بيروت لهذا العام حيث احتفل النادي الثقافي العربي الراعي الأول لهذا المعرض، ودار الساقي، بفوز الشعراء العراقيين بجائزة ديوان للشعر في دورتها الثانية، حيث دعي اتحاد ديوان الشرق الغرب برلين بغداد لإقامة مراسيم توزيع الجوائز في بيروت لتكون هذه الفعالية هي الحدث الأهم والمتميز من بين نشاطات المعرض.
رحب رئيس النادي عمر فاضل بالعراق وبالشاعرة أمل الجبوري التي كانت وراء هذه الجهود التي أثمرت عن طباعة الكتب الفائزة لدى دار عريقة ومهمة وهي دار الساقي.
وأضاف أن "إرادة الحياة في العراق هي إرادة الوطن العربي لن تنكسر ولن تنكسر رغم العدوان والإرهاب ورغم سياسات التقسيم. العراقيون الذين يعبرون عن مشاعرهم من خلال الأدب بصورة عامة والشعر على وجه الخصوص يقولون إنهم مؤمنون بالحرية وبمستقبل وطنهم، نحن متضامنون معهم، إن بيروت التي ينبض قلبها بحب الأدب والشعر، وأنا أرى هنا شعراء كبار في هذه القاعة كلهم معنا يرحبون بالشعراء العراقيين، ويؤسفنا أن معظمهم لم يتمكن من الحضور وأنا أعرف كم عانت وعملت كثيرا الشاعرة الجبوري من أجل أن تتم هذه المناسبة، ودار الساقي التي أسهمت في تنظيم هذه الفعالية المهمة."
ثم تقدمت الشاعرة الجبوري قائلة "شكرا لبيروت التي لا تغذينا بمصل الحرية فحسب، ولكنها تمنحنا مصلا نقاوم فيه لحظة يأسنا نحن الذين أرادوا لنا أن نتشظى إلى طوائف وأحزاب."
ثم أضافت "إننا اخترنا بيروت لإيماننا أنها كانت وستظل العروة الوثقى لكل باحث عن الحياة وعن الثقافة، فقد هجر مبدعون عراقيون منافيهم وقرروا تحقيق مشاريعهم المهمة في هذه المدينة، على سبيل المثال لا الحصر مسرح بابل جواد الأسدي، ومركز الأبحاث للدكتور فالح عبد الجبار، وكتاب في جريدة للشاعر شوقي عبد الأمير.
اخترنا هذه المدينة التي قالت لنا بالأمس على لسان ابن الشهيد فرانسوا الحاج حينما خرج من جرحه ليقول إن والدي لم يكن ضابطا لقد كان مشروعا وهذا المشروع لن يموت، هكذا شعب لن ينحدر لا إلى الهاوية ولا إلى النسيان." ديزي الأمير: أريد ان اموت هناك كانت أولى فقرات هذه الليلة هو الاحتفاء بالرائدة العراقية القاصة ديزي الأمير من خلال منحها وسام الديوان للإبداع الثقافي، هذا الوسام الذي منح إلى أكثر من 27 شخصية أدبية وفنية رائدة من العراق على سبيل المثال لا الحصر العلامة حسين علي محفوظ، والقاص محمود عبد الوهاب، والروائي عيسى مهدي الصقر، والفنان يوسف العاني، والفنان شاكر حسن ال سعيد، والفنان خليل شوقي، والفنانة زكية خليفة، والمسرحي صلاح القصب، وآخرين، وكذلك حامل جائزة نوبل الكاتب غونتر غراس.
وقرئت شهادة الشاعر اللبناني سعيد عقل عن إبداع القاصة الأمير على الحاضرين حيث شبه كلمات الأديبة بصوت فيروز، "هذه الفنانة الكبيرة التي ليست قصصها جميعا على الحب، ولكن وراءها الشيء الكثير يغمر الوجود، إن دأبت ودون أن تخنق الهة البساطة التي هي، رفعت عباراتها إلى مستوى اللعب والقلم الأنيق، كان لنا قاصة نترجمها باعتزاز إلى كل لغة."
وقد أربك الاحتفاء الكبير والمفاجيء الأديبة ديزي التي قالت عنها الجبوري إن الوسط التشكيلي الفني العراقي قد خسرها كنحاتة مهمة بشر بها معلمها الأول جواد سليم عندما كانت واحدة من تلامذته في معهد الفنون في بغداد.
فقد قالت لقد ظننت أن الجميع قد نسي حتى اسمي، العراقيون أهلي، والللبنانيون ولكنني لا أعرف ماذا أقول هذه الليلة همست في أذني حينما اقتربت منها، قالت والله أريد أن أرى العراق ولو للمرة الأخيرة وأدفن هناك. هذه أمنيتي الوحيدة في وحدتي الباردة هنا. كن عراقيا لتصبح شاعرا يا صاحبي وقد كان القدر العراقي الذي حرم الفائزين بمسابقة دبي من الحضور هو ذات القدر الذي غيب الفائزين ليلة الاحتفال، ولكنهم حضروا بإبداعهم من خلال كتبهم وأوسمتهم التي أنابت عنهم.
قرأت الشاعرة أمل الجبوري كلمة الشاعر حسن النواب الذي فاز بالجائزة الثانية حيث أرسلها من منفاه الاسترالي، وقد صفق لها الجمهور طويلا.
"هذه الجائزة التي أرى بعمقها تتويج رحلة عناء لا تتكرر لحياة باسلة عشناها جميعا نحن الشعراء الذين ابتلينا بداء الحرب التي لم نبرأ منها بعد، وكم جاهدنا وناضلنا، ومازلنا نصارع هذه الحرب عسى أن نغتال عنادها بجمر قصائدنا ذات عدم أو ذات عبث."
وقالت "يبدو إنها اللعنة أن تكون عراقيا، لأن القدر الكربلائي ظل يلاحقنا حتى قبل ولادة الحسين، ولأن الشعر كما تعرفون هو الوجه النوراني للفجيعة والألم.
اتركوا لنا أيها العرب الشعر، اتركوا لنا هذه الفرادة أعني الفرادة بالوجع، لذلك أتمنى أن لا يكون شعار الجائزة الذي اخترناه "كن عراقيا لتصبح شاعرا يا صاحبي" للشاعر الكبير محمود درويش مستفزا للبعض من الشعراء العرب."
ثم أضافت "وأعود وأقول لكم الثقافة هي الحصانة الأخيرة لنا ضد سرطان الطائفية حتى أن تعليق أحد النقاد الكبار الذي عرف أن عائلة المرحوم الشيخ عبدالله الشيخلي هي التي دعمت هذه الجائزة يؤكد ما أقوله لكم.
قال: تصوري عائلة سنية تدعم جائزة أغلب الفائزين فيها هم من "الشعراء الشيعة".
أجبته: والله لم أفكر لحظة لا أنا ولا حتى أي واحد من لجنة التحكيم، ولا حتى المثقفين العراقيين، بهذه التقسيمات البغيضة لأن الثقافة العراقية كانت وستظل خارج مملكة الطوائف."
كانت الشاعرة الوحيدة التي حضرت هي الفائزة الثالثة نجاة عبدالله التي قرأت بعض نصوصها، وسط تحية الحاضرين، ثم قرأت الشاعرة اللبنانية غريس ماضي مختارات من قصائد الشعراء الفائزين وهم كل من: داليا رياض الفائزة الأولى، والشاعر حميد قاسم الفائز الأول مناصفة، والشاعر أحمد عبدالحسين الفائز الثاني مناصفة مع الشاعر حسن النواب. والشاعر راسم المرواني الفائز الثالث، وكذلك الشاعر خضر حسن خلف.
وكانت الجبوري قد شكرت لجنة التحكيم التي تكونت من الناقدة فريال غزول أستاذة الأدب المقارن في الجامعة الأميركية، والدكتور الشاعر والناقد علي جعفر العلاق أستاذ الأدب في جامعة العين، والناقد الأردني فخري صالح، والناقد العراقي محمد الجزائري، هؤلاء المبدعون الذين بذلوا جهدا استثنائيا من أجل ترسيخ التقاليد التي أسست لها هذه الجائزة، وهي قراءة المنجز، وليس الأسماء، كما تعودت الثقافة والصحافة العربية الحالية في تعاطيها في منح الجوائز أو تقييم المبدعين، فاللجنة لا تعرف أسماء الشعراء المشاركين أو الفائزين حتى إعلان النتائج.
وقبل أن تبدأ الشاعرة بالقراءة قدمتها الشاعرة الجبوري وذكرت قصة أدهشت الجميع، قالت "لقد أقصى العراق غريس ماضي عن الشعر عندما تعرفت إليها عام 1984 وكانت بصحبة الشاعر الراحل نزار قباني في مهرجان الأمة، هذه الشاعرة الساحرة وقع في غرامها شاعر لا أريد أن أذكر اسمه وهو شاعر عراقي ذهب إلى صدام متوسلا إليه أن يقوم بخطبة الشاعرة غريس من والدها الذي كان كظلها يرافقها أينما ذهبت في أروقة المهرجان، فكان من والد الشاعرة أن رفض بشدة طلب صدام، وهربت بعد ذلك من العراق ومن الشعر، واليوم العراق نفسه يعيدها مرة أخرى إلى القصيدة بعد هذا الغياب الطويل."
ثم قرأ الشاعر الكردي اوات حسن مجموعة من قصائده، وتحدث عن منجز عربي للثقافة الكردية حققه ديوان الشرق الغرب، وذلك بطبع أول أنطولوجيا للشعر الكردي "ارواح في العراء" التي ضمت أكثر من مائة شاعر وشاعرة، قام بإعدادها وترجمتها الشاعر عبدالله طاهر البرزنجي، وقدم لها الشاعر علي الفواز.
ثم اختتمت الشاعرة غريس قراءة الشعر بقصيدة الشاعر الشهيد رعد مطشر الذي اغتالته يد الإرهاب قبل إعلان نتائج المسابقة التي كان أحد المشاركين فيها.
وتكريما لتضحيات المثقفين العراقيين قام الديوان بطبع هذه المجموعة مثلما طبعت من قبل مجموعة الشاعر الشهيد أحمد آدم الذي قتل أيضا على يد السفاحين الجدد في الدورة الأولى.
وفي ظل الغياب الرسمي العراقي حيث غابت السفارة لا بشخص سفيرها فحسب، ولكن حتى بشخص مستشارتها الثقافية، أو باقة ورد تحية لمبدعين العراق الذين وجدت سفارات بلدهم لخدمتهم أولا وأولا، حيث عرفنا أنهم قد استلموا دعوة الحضور، ولكن باقات الورد التي تسلمها الحاضرون من بعض البعثات العربية والألمانية قد خففت الحسرة كما عبرت عن ذلك الشاعرة نجاة عبدالله التي قالت:
"ما يهمني من يحضر أو المعاناة التي واجهتني وأنا أصل بمخاض مر إلى مطار بيروت، المهم أنني رفعت اسم بلادي ورفعت رأسي بالعراق الذين نحن رسل الثقافة نمسك بوحدته بأحداق أعمارنا ومانكتب لكي يظل العراق حاضرا في الضمائر والعيون."
امتلأت القاعة بالكتاب الكبار من اللبنانيين والعراقيين المقيمين في بيروت إضافة إلى رئيس معهد غوته في لبنان ورئيس الجالية الألمانية وبعض الشخصيات الدبلوماسية العربية، وعدد كبير من القنوات التلفزيونية العربية والعراقية واللبنانية.
ثم اختتمت ليلة الثقافة العراقية بالفيلم الوثائقي من برلين إلى بغداد الذي يحكي قصة سلب المتحف العراقي وحرق المكتبة الوطنية.
يذكر أن الشعر العراقي لهذا العام كان صائد الجوائز الأول في أكثر من محفل عربي وعالمي حتى أن الكاتب الأميركي جون لي اندرسن علق في واحدة من حواراته مع ناشريه العرب، وهو فرح بصدور ترجمة كتابه "سقوط بغداد" إلى العربية من قبل دار ديوان والذي منعه المرض من الحضور إلى حفل التوقيع قائلا "لقد دخلتم موسوعة غينيس أيها الشعراء بسبب داء العراق ودواء الشعر."
موقع الجائزة الإلكتروني:
www.diwanprize.com