مجد الاحتلال الأميركي في العراق: أسفل الحضيض قبل أعلاه

بقلم: د. فهمي الفهداوي

دائما يسلك الاحتلال الغريب أساليب الالتواء وعدم الوضوح، في كل إرهاصاته وانفعالاته وممارساته، حتى وإنْ توهم بعض الناس البُسطاء، من أبناء الشعوب الواقع عليهم ذلك الاحتلال، في لحظة من العفوية والضرورة والاضطرار، بأنَّ ثمة تسهيلات معينة، تصبّ في فائدتهم آنياً ومرحلياً، لما يسدُّ عوزهم اليومي، وحاجتهم في المعيشة وتدارك الأحوال، وهذا السلوك من جهة الاحتلال، هو ما كان عليه الاحتلال الاستعماري القديم، والوصف الإيجابي له، يمكن أن يكون في أحسن صورته: بأنَّه سلوك في أعلى الحضيض وقمته.
وإذا كان محتلو العراق بفصيلة تابعيتهم الأميركية، يؤدون اليوم أدوراً مظهرية لخدمة مناطق معينة، من مناطق الشعب العراقي، خاصة تلك المناطق التي كانت ساخنة، وعُرفت بنشاطات المقاومة سابقاً وقبل شهور، من خلال إشاعة ما يمكن تسميته للسخرية ( ثورة البوليش أو الصبغ ) أي صبغ الواقع المنكسر بألوان وقتية زائلة، دون فائدة مرجوة، وبالتالي يصدق على المحتل مقولة : إنَّك لا تجني من الشوك العنب...! لأنَّ هذا السلوك، وحتى مع افتراض بقاء الوصف الإيجابي له، لا يمكن أن يكون في أحسن صورته : بأنَّه سلوك في أعلى الحضيض وقمته، بقدر ما يكون في درك الحضيض الأخير وأسفله، بوصفه سلوكا احتلالاً أجنبياً، جمع بين حضيض الاستعمار القديم، وحضيض الاستعمار الحديث..؟ وبذلك فهذا الاحتلال الأميركي المعاصر للعراق، له عار الحضيضين معاً.
إنَّ نظرية تلميع المظاهر وصبغ الأرصفة، وطلاء جدران الشوارع وأبواب المحلات التجارية بالألوان الزاهية، لهي واحدة من فروع نظرية المؤامرة Conspiracy Theory التي تقضي حشد الكيانات والمراكز التحكمية بالقرارات وإمضاء المصالح، التي تخدم الأعوان حصرا دون الغالبية، وتجعل من عموم الناس ضحية لمنظومة الحسابات الخفية، التي خطط لها المحتلون، وشاءوا تنفيذها، تدميرا للعقول الرافضة، والاستخفاف بالذهنية العراقية والوطنية.
إذ جعلوا أبناء المجتمع العراقي لاهثين وراء حياة يومية قاسية، مليئة بالنواقص الضرورية والاحتياجات المهمة، طارحين أنفسهم عند هذه النقطة الحساسة، ليكونوا مُهتمين بتلبية الخدمة العامة للناس، من خلال القيام بمبادرات مشبوهة، تستغل ضعف الحال عند بعض الفقراء والبسطاء، وتستقوي من خلال هذا السلوك الفاضح على ذوي الكرامة والإباء.
فمنذ متى يشفق الذئب بالغنم، والمحتلون دخلوا العراق بالصواريخ والطائرات والحرب؟ وما الذي تغير في أحوالهم، إلاّ لكونهم قد أدركوا رائحة هزيمتهم؟ فقرروا أنْ يحتالوا على الحقيقة هذه، بانتحال سلوكيات الوداعة، والتباكي بدموع التماسيح، ورفع راية التغرير وتشابك المواقف، وإتباع إستراتيجية مقايضة المال والنفط العراقي بالشعب العراقي، عوضا عن فشل إستراتيجية العراق بثرواته مقابل قتل جنود الغزاة من قبل المقاومة العراقية.
فتارة يقدّم المحتلون المولدات الكهربائية، بطريقة دعائية لمجموعة محدودة جدا من البيوت، فاتحة باب الغيرة وزعزعة الثقة والقناعة بين الناس وكثرة القيل والقال، وتارة أخرى تقتحم دورياته بعض الدور عنوةً، لتسأل ربّ الدار عن المشكلات، التي تصادفه في حياته اليومية ضمن المنطقة، بدعوى الجدية في تحسين الأحوال، وتوزع على أفراد أسرته حلويات يابسة، مسروقة أصلاً من دكان مجاور تمَّ كسر أقفاله من قبلهم! ومرة ثالثة تمضي تعليمات المحتلين، وعبر دوائر الصحة، على تعويض ذوي الشهداء، الذين استشهدوا على أيديهم الملطخة بالدماء، بمبالغ مالية بسيطة جداً، لا تعادل مصاريف عائلة بسيطة لمدة شهرين، مقابل إصدار شهادات وفاة جديدة، توحي بأنَّ سبب الوفاة كان على يد الإرهابيين.
إنَّ أميركا العظمى، وكما يحلو لبعض الجاهلين تسميتها هكذا، قد مرَّغت (عظمتها) بالحضيض، من خلال أفعالها، التي لا تتناسب وعظمتها المزعومة، وعلى المزايدين المكابرين في تأكيداتهم على عظمتها، أنْ يخرسوا تماماً، وأن يكفوا عن هذه الأكاذيب، وإلاّ فإنَّهم سيكونون محسوبين على جوقة الأصوات النشاز، التي تمتَّ صفقات بيعها لصالح الغزاة، وهرعها بأسلوب ميكانيكي للدفاع عن سيدها المشتري، وبالتالي لا يوجد ما يمنع الوطنيين العراقيين، من إطلاق الاحتقار تلو الاحتقار، لمثل تلك الأصوات، كلما كان ذلك لازماً وضرورياً.
فأميركا المحتلة للعراق اليوم، تتاجر في قضية عوز الفقراء والمحتاجين، وتعمد إلى خلخلة البناء الاجتماعي للعراقيين، تتاجر في قوت الناس والوقود والوظائف ولقمة العيش والماء والكهرباء والمرض وحتى الهواء، وبذات الوقت هي السجن والسجان والقاضي، وتريد أن تتغلغل في جميع البيوت والدوائر والمؤسسات، جاعلة من الجميع، بمثابة عملاء لها ومُحبّين لتواجد جنودها بين حياة العراقيين، بفعل سحر المال وشيطنة الأفعال.
ونحن هنا نؤكد على أهمية المحافظة على الصوت الوطني المقاوم للاحتلال، خاصة وأنَّ منهجية العدوان عملت دائماً، بما يضمن لها مضاعفة ذلك الاندحار المقصود، لتقويض الصوت الوطني الرافض لأميركا احتلالاً واحتيالاً، ذلك الصوت المثقف، الذي أعطى الشهداء والمغدورين بطلقات الاحتلال، وقد انهالت عليه اليوم سفالة الغزاة والعملاء، بالطعن والإقصاء والتهميش والمحاربة، والاتهامات بالأكاذيب والإرهاب، وعدم استساغة الاستماع لصوته الواثق، في إدانة الغزو وسرقة البلاد، ولا التجاوب مع دعوة ذلك المثقف، ورسالته الوطنية العامة، في ضرورة تطويق الغزاة، بعزلة المقت ومخاشنتهم في السلوك، ومقاومة مشاريعهم المدمرة، كي يحملوا رموز خيباتهم ويعودوا من حيث جاءوا، أذلاء منكسرين.
فأميركا ذلك الخنجر المسموم الذي لا يكفُّ عن تمزيق الجسد الاجتماعي للعراقيين، وعلى العراقيين بكافتهم، أنْ لا يشككوا في ذلك تحت أية ذريعة، وأن لا يكونوا نصل ذلك الخنجر ولا المطعونين به، بقدر ما يكونوا أداة كسره وانكساره، للتأكيد بأنَّهم ذلك الشعب الحيّ، الذي مرغ أنف أميركا العظمى في أسفل الحضيض قبل أعلاه. د. فهمي الفهداوي