انهيار أوهام الاحتلال في العراق

في الوقت الذي أعلنت فيه لندن انسحاب قواتها من البصرة في جنوب العراق بعد احتلال دام أكثر من أربع سنوات معللة ذلك بنجاح مهمتها، حركت القيادة الأميركية وحدتين قتاليتين من مشاه البحرية تعداد جنودهما 3500 جندي نحو حاضرة الجنوب العراقي في تكذيب عملي للإدعاءات البريطانية. ويتم ذلك وسط لغط في واشنطن عن تحسن الوضع الأمني لقوات الإحتلال وعملائها، في حين ان التقارير تتكاثر مرة أخرى عن تصاعد عمليات المقاومة وفقدان الجيش الأميركي وحلفائه السيطرة على أكثر من ثلثي العاصمة بغداد رغم العمليات الهجومية الواسعة التي نفذت منذ نهاية الصيف الماضي. وهكذا يتبين مرة أخرى ان الإدارة الأميركية غارقة في بحر الأكاذيب، وان الرئيس بوش ومناصريه من المحافظين الجدد يحاولون تحسين صورتهم خاصة وأن العد العكسي للانتخابات الرئاسية قد بدأ.
وقد أصر البيت الأبيض مع نهاية سنة 2007 على توريط الأميركيين أكثر في المستنقع العراقي حيث نجح في الحصول على مصادقة الكونغرس على مشروع ميزانية الدفاع البالغة 696 مليار دولار رغم ما تشكله هذه المصاريف من خطر على التوازنات الداخلية.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه الرئيس بوش عن تحسن فرص نجاح مشروعه في بلاد الرافدين وجه اليه القائد العسكري البريطاني في أفغانستان حاليا البريجيدير أندرو مكاي صفعة، ففي تصريحات نشرتها صحيفة "الديلي تلغراف" أكد ان غزو العراق كان يمثل معركة خاسرة منذ البداية، وإن الجيش البريطاني لم يتمكن من ان يتفادى "القضايا المتعلقة بالشؤون الخاصة بـ "مشروعية الحرب" في العراق في عام 2003.
وأضاف هذا القائد العسكري قائلا "انه كان من الواضح بالنسبة لي انه خلال خدمتي في العراق لأكثر من تسعة أشهر ان الشعب البريطاني لا يدعم هذه الحرب خاصة ان غزو العراق كان ملطخا منذ البداية بالدعاية وملف أسلحة الدمار الشامل المزعومة التي اذاعتها حكومة بلير السابقة لتبرير الحرب ولكن اتضح فيما بعد عدم صحة المزاعم الواردة فيها وكذلك خلو العراق تماما من هذه الأسلحة وإصرار شعبه على رفض الوجود الأجنبي."
من جانبه اعترف وزير الدفاع البريطانى دز براون بأن وقع العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان اقترب من مرحلة إلحاق ضرر دائم بالقوات البريطانية، وكشف عن أن قادة الجيش نصحوه بأن خفض عدد القوات البريطانية في العراق يمثل فرصة للتخفيف من حجم الضغوط التي يواجهها الجيش البريطاني.
وقال براون في مقابلة مع صحيفة "صندى تليغراف" إن مستشاريه نصحوه بأن الجيش البريطاني بحاجة إلى العودة للتدبير على الحرب العامة، واعترف بأن الأزمتين في العراق وأفغانستان والتي أودت بحياة 260 جنديا بريطانيا حتى الآن "اقتربت من الإضرار بالجيش البريطاني".
وأضاف أن خفض عدد القوات البريطانية في العراق في أعقاب تسليم محافظة البصرة للعراقيين "سيساعد في التخفيف من حجم الضغوط على القوات البريطانية ويسمح للجيش بتجديد نفسه".
واشار إلى أنه تلقى نصيحة تحذر من أن استمرار وقع العمليات العسكرية على مستواها الحالي "سيحط من القدرات القتالية للقوات البريطانية، ومن أن الجيش بحاجة للعودة إلى التدريب قبل وقوع الضرر".
في نفس الوقت نقلت صحيفة "يو إس ايه توداي" عن تقرير لمكتب المفتش العام في وزارة الدفاع "جيشنا منهك ونحن نحتفظ في مسرح العمليات بجنود فعل فيهم الإعياء أفاعيله‏.‏ لكن يبدو أن الإعياء لم يفعل أفاعيله فقط في العسكريين بل وايضا في السياسيين والعقول الاستراتيجية الأميركية‏.‏
مؤسسة راند كوربوريشن، وهي من أهم مراكز الفكر الأميركية، أعدت دراسة تحت عنوان خيارات العراق‏:‏ إعادة تقويم،‏ قدمت خلالها ثلاثة حلول للأزمة الأميركية في العراق من أجل تجنب الحل الأهم وهو الانسحاب الكامل وتمكين العراق من استقلاله الوطني‏.‏ هذه الحلول هي‏:‏ استعمال المزيد من القوة العسكرية، أو الحل التقسيمي أو اختيار منتصر في حرب أهلية ترغب واشنطن في فرضها،‏ أي الانسحاب من خارج المدن وانتظار من يخرج منتصرا من الحرب الداخلية ثم الانحياز إليه ودعمه، ومواصلة السيطرة علي العراق من خلاله‏.‏
إدراك الإدارة الأميركية والمخططين لسياستها ان الإنسحاب خارج المدن وترك العراقيين يسوون خلافاتهم بأنفسهم لن تفرز سوى نجاح المقاومة الوطنية العراقية في سحق المليشيات المدعومة من طرف واشنطن أو القوى الإقليمية الجارة، وبالتالي ترجيح فرص عودة حزب البعث الى السلطة يجعلها في ورطة خاصة وان الخيارين الأولين جربا ولم يحصدا سوى الفشل.
انها نفس الأوهام التي قادت واشنطن الى المستنقع العراقي. إنهيار الإمبراطورية أن الإنكسار الاميركي في المستنقع العراقي أصبح أمرا مسلما به ولا فائدة من محاولة إنكاره، والنقاش المحتدم في الاوساط الاميركية ومهما كان الضجيج العلني مخالفا، يدور عن ورطة خيارات الهزيمة وجميعها مر فلا سبيل للخروج من المستنقع العراقي بعد اربعة سنوات ونصف سوى عن طريق الاعتراف بالهزيمة، وتأكيد مقولة سحق العدوان على أسوار بغداد.
غير أن مثل هذا الإعتراف سيكون كارثيا لحلم الإمبراطورية الأميركية.
اذا كان الكثيرون يؤكدون ان لا مخرج للولايات المتحدة سوى بالإنسحاب من العراق، فإن المشكلة انه ليس في البيت الأبيض رئيس مستعد لينفذه. ان كل ما تفعله إدارة بوش حاليا هو محاولة كسب الوقت بتعديل هنا وتغيير هناك زيادة قوات تارة وسحب جزء منها تارة أخرى. وهذا يعنى كما قال زميل صحفي ان البيت الأبيض يحاول "إدارة المأزق" و"إصلاح أعطاله" وليس التخلي عن اللعبة كليا. والفرق بين "إدارة المأزق" وبين التخلي عن اللعبة، واسع بوسع المسافة بين الأرض والسماء، وهذا التخبط وتأجيل الإقرار بالهزيمة وضرورة الإنسحاب السريع الى من سيخلف بوش هو الذي سيضخم حجم الضرر الذي سيلحق بالإمبراطورية الأميركية وقدراتها المستقبلية على المغامرة عسكريا ضد خصوم آخرين. طريق التراجع في مؤلفه المهم بعنوان صعود وانهيار الامبراطوريات الكبري في العالم، صاغ عالم التاريخ الأميركي الشهير بول كيندي ما يمكن وصفه بأنه قانون سياسي حاكم للتوازن بين القدرات والالتزامات بما يضمن استمرار الدولة قوية ومتماسكة وقادرة علي مواصلة الصعود، ولكن عندما تتجاوز الالتزامات ومستويات الانفاق العام داخليا وخارجيا‏ القدرات‏ المادية والعسكرية والمعنوية،‏ فإن الدولة أو الامبراطورية في تلك اللحظة تضع قدميها علي طريق التراجع والانهيار‏.‏ ويبدو أن هناك فجوة واسعة بين المعرفة بالشيء وإدراكه والوعي به، أو فلنقل أنه مكر التاريخ وإغراءاته، فالأميركيون افتقدوا بأسرع مما كان متصورا درس التاريخ في الاتحاد السوفيتي، وبأسرع ما يمكن أيضا قفزوا إلي المنحدر باختيارهم متجاوزين أيضا درسا شديد القسوة تعلموه في حربهم ضد فيتنام، حيث صاغ الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون المبدأ السياسي الحاكم للسياسة الخارجية الأميركية في عهده والذي حمل اسمه أي مبدأ نيكسون‏.‏
كان هذا المبدأ يقضي بمنع الولايات المتحدة من التورط في أية حروب خارج الأراضي الأميركية، وعدم إرسال أي قوات أميركية إلي الخارج إلا في حالات الضرورة القصوى التي عرفها نيكسون في كتابه الفرص السانحة بـ المصالح الحيوية، ودعا وقتها هذا المبدأ إلي الاعتماد علي قوة أقليمية صديقة يجري تسليحها وتدريب قواتها لتقوم بمهمة الدفاع عن المصالح الأميركية في الاقليم الذي تنتمي إليه هذه القوة، وقد حدث هذا مع إيران في الخليج العربي عندما تحولت في عهد الشاه، وابتداء من عام ‏1971‏ أي بعد الانسحاب البريطاني الرسمي من الخليج، إلي ما عرف بـ شرطي الخليج الذي يملأ فراغ الانسحاب البريطاني ويدافع عن المصالح الأميركية ضد كل مصادر التهديد حينذاك خاصة الاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية العالمية والقوى القومية الناصرية والبعثية‏.‏ عمر نجيب