تمرد الاستخبارات

بقلم: حسن عبيد عيسى

الأجهزة الاستخبارية قاطبة تعمل بأقصى ما تستطيع في خدمة القيادات العسكرية أو السياسية (حسب المستوى التنظيمي لها) وتنفذ أوامر تلك القيادات التي تقوم بتوجيهها لجمع المعلومات والقيام بما يسميه المتخصصون "إنتاج الاستخبارات" أي النتائج النهائية التي تتضمن إجابات دقيقة وواضحة وصريحة على أجوبة القيادات المعنية بخصوص المضلات التي تهمها، ثم ترفعها إلى القيادات المعنية على شكل تقارير مؤكدة تعتمد عليها تلك القيادات في اتخاذ قراراتها الاستراتيجية الحاسمة.
من هنا يتبين إن الأجهزة الاستخباراتية مهما علا شأنها وارتفع مستواها، إنما هي آلات ووسائل تسيّرها القيادت العسكرية والسياسية وتوجهها كيفما شاءت وحيثما أرادت. ولقد كان للمثال العراقي الذي سجل أسوأ استغلال للأجهزة الاستخباراتية في التاريخ عندما استخدمت الإدارة الأميركية تلك الأجهزة بطريقة سيئة ودنيئة ومغرضة تأثير كبير على شعور تلك الأجهزة بعقدة الذنب واعتداد ذلك تجربة سيئة وعبرة لمن اعتبر. فقد كان رؤساء تلك الأجهزة يبدون دهشة وانبهار تجاه سوء الاستغلال ذاك (انظر مذكرات جورج تينت رئيس جهاز المخابرات المركزية)، إلا أن الأجهزة المذكورة ظلت تخدم وتضحي وتتحمل سوء تصرف القيادة السياسية بإنتاجها وتحويره وتزييفه لإنتاج أخطار لاصحة لوجودها كخطر العراق على الأمن القومي الأميركي ممثلا في أسلحة دمار شامل لم يثبت وجودها، وتعاون مزعوم مع تنظيم القاعدة ثبت بطلانه.
ولأن تينت كان كثير الاندهاش لما صارت إليه نتاجاته وتقاريره فإنه بُهر وهو يجلس خلف كولن باول وزير الخارجية السابق في مبنى الأمم المتحدة ليعلن للعالم أن الاستخبارات تأكدت من امتلاك العراق أسلحة دمار شامل وعرض ما زعم انه أدلة استخباراتية مؤكدة تؤيد صحة زعمه. ودهش مرة أخرى وهو يستمع إلى ريتشارد بيرل الخارج توا من المكتب البيضاوي وهو يردد بعيد تهاوي برجي نيويورك أن العراق لا بد من أن يدفع الثمن، كما يذكر تينت ذلك في مذكراته. وظل يندهش ويتعجب إلى أن ركله المحافظون الجدد ليقذفوا به خارج القافلة بعد ن أنعموا عليه بوسام الحرية لقاء تحمله أكاذيبهم وتزييفهم لتقاريره.
الآن، هناك هدف استخباراتي خطير حددته الإدارة الأميركية ووجهت أجهزتها الاستخباراتية صوبه، إلا وهو الاستعداد النووي الإيراني وكونه خطر جسيم على الأمن القومي الأميركي، وأعطت مواصفات طبيعة الهدف إلى الأجهزة الاستخباراتية لجمع المعلومات عنه وتمحيصها وتحليلها وإنتاج استخبارات توضع بيد زعماء الإدارة التي لما تضع سلاحها بعد لتقود الأمة الأميركية في مغامرة جديدة بهدي من تقارير الاستخبارات.
في هذه المرة، قررت تلك الأجهزة التمرد. فقد قامت بدورها وجمعت ومحصت وحللت ثم أنتجت "لا شيء"، أي ما يسمى "معلومات سلبية" وهو ما خيب أمل الإدارة، فالمخابرات الأميركية في عهد تينت لم تجرؤ على إظهار حقيقة سلبية النتائج في المثال العراقي في وقت ملائم لتفشل مزاعم البيت الأبيض، ما شجع الإدارة على تزييف تقاريرها، لذا رأى المسؤولون عن الأجهزة الأمنية هنا في المثال الإيراني أن يبادروا ويبصّروا الأمة والكونغرس إلى أن النتائج كانت سلبية، وان إيران لا تشكل خطرا يهدد الأمن القومي الأميركي، مما أسقط بيد الإدارة المتعطشة إلى مزيد من التخويف والحروب، فهي فقدت فرصتها على تزوير تقارير تلك الأجهزة لإقناع الشعب الأميركي ونوابه وشيوخه بصحة توجهها الحربي. فنحن هنا أمام حشد من الأجهزة الاستخباراتية التي لا يقل حرصها على الأمن القومي الأميركي عن حرص بوش والطبقة المحيطة به. فهذا الحشد المتألف من ست عشرة وكالة إن إيران علقت أنشطتها النووية التي من شأنها تصنيع الرعب النووي منذ العام 2003.
لقد كان ذلك الإعلان بمثابة إجهاز على خطط الرئيس بوش ومحافظيه الجدد كونها شهادة لا يرقى إليها التشكيك أو الطعن، ما دعى هذا الرئيس الذي كان يأمل بايجابية النتائج الاستخباراتية، أو سرّيتها ليتاح له تزييفها كما فعل من قبل، إلى أن يتصدى للتقرير المدعم بالحقائق ليعلن من جهته إن إيران خطر (بالثلاث) على الرغم من تقرير الحشد الاستخباراتي المذكور، خصوصا وان إيران بدأت ترسل إشارات إلى أنها تطالب بتعويضات نتيجة اتهامات بوش التي كذبتها أجهزته الاستخباراتية، لا بل إن الرئيس الإيراني الذي يسعى إلى تحسين صورته في نظر الغربيين، عد تقرير الاستخبارات الأميركية الأخير بأنه نصر كبير لبلاده في حربها الباردة التي قد تتطور بين عشية وضحاها فتصير ساخنة والتي تخوضها مع الإدارة الأميركية،فهو هدية قدمتها له أجهزة الاستخبارات الأميركية المتمردة على قياداتها العسكرية والسياسية. حسن عبيد عيسى
كاتب وخبير عسكري عراقي