مخاوف في لبنان من جر الجيش الى لعبة صراع السلطة

الجيش يحافظ على سلام متوتر في لبنان

بيروت – اغتيال ضابط لبناني كبير كان يتقدم المرشحين لتولي منصب قائد الجيش قد يجر القوات المسلحة اللبنانية الى معركة سياسية أوسع جارية بالفعل على الرئاسة.
ويشيع لبنان الجمعة اللواء الركن فرانسوا الحاج الذي قتل الاربعاء في انفجار سيارة مفخخة في بعبدا قرب بيروت مع مرافقه خيرالله علي هدوان، وسط حداد رسمي واقفال للمؤسسات التربوية.
ووصل جثمان مدير العمليات في الجيش في نعش ملفوف بالعلم اللبناني بعيد العاشرة (08:00 تغ) مع موكب التشييع الى بازيليك سيدة لبنان في حريصا شمال شرق بيروت. وحمله ضباط على وقع موسيقى فرقة الجيش الموسيقية الى داخل الكنيسة حيث علا التصفيق وبدأت التراتيل.
واعلنت الحكومة الجمعة يوم حداد وطني ورسمي مع تنكيس الاعلام، بينما اعلن وزير التربية خالد قباني اقفال المدارس والجامعات الخاصة والرسمية.
ووقف الجيش تحت قيادة العماد ميشال سليمان الذي قد ينتخب رئيسا للبنان اذا اتفق الفرقاء وجرت الانتخابات في موعدها الاثنين على الحياد بدرجة كبيرة طوال ثلاث سنوات من الاضطرابات السياسية بين فصائل لبنانية موالية لسوريا ومناهضة لها.
وينظر الى الجيش على انه قوة تعمل على توحيد البلاد والمؤسسة الوحيدة القادرة على الحفاظ على سلام متوتر في لبنان.

لكن في نهاية الامر ترغب الاغلبية الحاكمة التي يؤيدها الغرب في وجود جيش قوي يتولى المسؤولية الكاملة عن حماية حدود البلاد فور نزع سلاح حزب الله والميليشيات الفلسطينية.

وهذه لعنة تطارد حزب الله الذي تدعمه سوريا وايران والذي يقول ان أسلحته ضرورية لصد اي عدوان اسرائيلي مادامت القوات اللبنانية ضعيفة وغير كافية التسليح.

وقتل العميد الركن فرانسوا الحاج قائد عمليات الجيش في انفجار سيارة ملغومة الاربعاء وكان من أبرز المرشحين لخلافة سليمان قائد الجيش الحالي.

وقال بول سالم مدير مركز كارنيجي للشرق الاوسط في بيروت "هذا الاغتيال أضاف نغمة توتر الى مسألة من سيكون قائد الجيش القادم. انها مسألة يقتل الناس من أجلها".

"لقد أظهر على السطح قضية المهمة الموكلة للجيش. واذا كانت الولايات المتحدة وسوريا قد توصلتا الى نوع من التوافق بشأن الرئاسة فلم يمتد هذا فيما يبدو الى الجيش".

وثارت تكهنات كثيرة حول هوية وأهداف من يقف وراء مقتل الحاج بسيارة ملغومة في بعبدا وهو في طريقه الى وزارة الدفاع.

ولم يتكشف قدر كبير من الحقائق يدعم ايا من النظريات التي ترددها وسائل الاعلام عن الهجوم والذي ابتعد عن سياق الاغتيالات السابقة. فاغتيال الحاج هو تاسع حادث اغتيال منذ مقتل رفيق الحريري رئيس الوزراء الاسبق في فبراير/شباط عام 2005 وكان أول ضابط في الجيش اللبناني يقتل بينما استهدفت عمليات الاغتيالات السابقة سياسيين وصحافيين مناهضين لسوريا.

ويلقي سياسيون لبنانيون مناهضون لسوريا مسؤولية اغتيال الحريري وباقي الشخصيات السياسية الاخرى على دمشق. لكن سوريا تنفي ذلك وتحقق الامم المتحدة في هذه الاغتيالات.

هل كان مقتل الحاج ثأرا معلقا بعد ان لعب دورا كبيرا في الحملة التي شنها الجيش على متشددين يستلهمون نهج القاعدة في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان في وقت سابق من العام؟
وقتل في الحملة 168 جنديا ونحو 230 متشددا من جماعة فتح الاسلام مما أثار شكوكا في تورط الجماعة الاسلامية المتشددة في تفجير الاربعاء.

ويقول اخرون ان اغتيال الحاج هو من تدبير سوريا وينطوي على تحذير للجيش حتى لا يميل نحو الولايات المتحدة او ينهي تسامحه مع الانشطة المسلحة التي يقوم بها حزب الله.

وهناك نظرية مغايرة تماما تقول ان الحاج سقط ضحية قوى لا تريد ان ترى الجيش تحت قيادة ضابط على علاقة ودية بحزب الله ومقرب ايضا من زعيم المعارضة المسيحي ميشال عون.

وتحدثت دمشق عن يد اسرائيلية في اغتيال الحاج الذي نسفت سيارته عام 1976 حين رفض الانضمام الى ميليشيا موالية لاسرائيل في مسقط رأسه قرية رميش بجنوب لبنان.

أو ربما قضى عليه خصومه السابقون في ميليشيا مسيحية سابقة كانت تعرف باسم "القوات اللبنانية" حتى لا يصبح قائدا للجيش.

وحين سئل عن امكانية وقوف متشددين اسلاميين وراء التفجير الذي أودى بحياة الحاج وحارسه قال مصدر أمني "هذا واحد من بين عدة احتمالات كثيرة. لا نستبعد شيئا".

ومن الاسئلة المحيرة كيف تمكن المهاجمون من نصب هذا الشرك في بعبدا الحصينة التي يوجد بها مقر القصر الرئاسي والسفارات الاجنبية والمقار الدبلوماسية.

وقال هلال خشان استاذ العلوم السياسية في الجامعة الاميركية ببيروت "من المفترض ان تحظى شخصيات الجيش بأفضل حماية. لكن المهاجمين كانوا على علم بتحركات الحاج".

ويرى خشان ان اغتيال قائد عمليات الجيش (54 عاما) هو شأن داخلي نفذ داخل الجيش او من قبل جماعات على صلات وثيقة بالجيش.

وقال "انه انقلاب داخل الجيش".

لا تبدو اي فكرة مستغربة لدى اللبنانيين الذين تسيطر على افكارهم نظرية المؤامرة لكن الاكثرية تأمل ان تؤدي صدمة اغتيال الحاج الى دفع الزعماء اللبنانيين الى اتخاذ القرار والاتفاق على طريقة لتعديل الدستور للسماح لسليمان بتولي الرئاسة.

ورغم توافق الاراء منذ أسبوعين على انتخاب سليمان رئيسا ليشغل المنصب الشاغر منذ انتهاء فترة اميل لحود الرئيس السابق في 23 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي الا ان الخلافات مازالت مستمرة بشأن تعديل الدستور.

ويجب ان يتولى الرئاسة وأيضا منصب قائد الجيش شخصية مسيحية مارونية وفقا لنظام التقسيم الطائفي للسلطة في لبنان.

وقال الفرقاء المتناحرون ان اغتيال الحاج يظهر الحاجة الى انهاء الازمة الرئاسية المستمرة منذ أشهر والتي تعتبر أسوأ أزمة سياسية تشهدها البلاد منذ الحرب الاهلية التي استمرت بين عامي 1975 و1990.

وأعلن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في بيان الاثنين ان انتخاب الرئيس اللبناني تأجل للمرة الثامنة الى 17 ديسمبر/كانون الاول لاعطاء الجماعات المتناحرة فسحة من الوقت للاتفاق على تعديل دستوري ضروري للسماح لسليمان وهو موظف عمومي بالترشح لمنصب الرئيس.

لكن يقول محللون ان هذه النغمة التصالحية قد يكون عمرها قصيرا.

ويقول سامي البارودي من الجامعة الاميركية الذي يلقي المسؤولية على المعارضة "هناك ادراك متنام بأن هذه الازمة يجب ان تحسم. لكن ليس مقدرا لنا ان نحظى برئيس الاسبوع القادم".

"السياسيون يدلون بالتصريحات لتفادي غضب الشعب لكن بعدها يعود كل فريق الى موقفه (الاصلي)".