الأزمة المذهبية في السعودية (2): في ماهية الأزمة وحدودها

بقلم: محمد الشيوخ

أزمة المذاهب الإسلامية في السعودية هي أزمة محلية الصنع تتصل بشكل مباشر بعقائد المواطنين ودرجة مواطنتهم، مما ينعكس تأثيرها سلبا على حرياتهم الدينية وممارساتهم الوطنية وعلى توافقهم الداخلي وأمنهم ومستوى استقرارهم في هذا الوطن.
تتلخص هذه الأزمة في فعل الإقصاء والتهميش والتغييب والإلغاء والتمييز العمدي والقسري الذي يمارس بحق أتباع المذاهب المختلفة عدا أتباع المذهب الحنبلي وهو المذهب الرسمي في البلاد، وذلك وفق مسوغات دينية ومذهبية وسياسية، ما يؤدي بطبيعة الحال إلى إضعاف العلاقة البينية بين كل المكونات المذهبية.مع ملاحظة أن نسبة تلك الأفعال المنتمية إلى المفاهيم الاقصائية السابقة متفاوتة من مذهب لأخر بحسب حدة المماحكة وشدة الكراهية وسعة الاختلاف!
لعل أحد ابرز مظاهر الإلغاء والقسر، ما تقوم به المؤسسات التعليمية من تلقين للطلاب عبر مناهج التدريس الرسمية على كل ما من شأنه التشكيك وتكفير المختلفين عقديا ومذهبيا مع المذهب الحنبلي وخصوصا التفسير الوهابي للدين، ومن ثم التعامل معهم باعتبارهم كفارا ومشركين أو منحرفين أو مبتدعين يجب أن يتوبوا أو يقتلوا، ولا يختلف الحال كثيرا عن الكتابات السلفية المتطرفة التي تنشر وتروج بدورها ثقافة الكراهية للمسلمين ولغير المسلمين في أنحاء مختلفة من العالم.علما بأن المذهب الحنبلي هو المذهب الوحيد الذي يتم تلقينه وتدريسه رسميا عبر المناهج الدراسية ويستحوذ على كل الوسائل الإعلامية ويستفرد بالقضاء والمؤسسة الدينية ويمارس أتباعه أنشطتهم الدينية الرسمية وغير الرسمية وكذلك طقوسهم وشعائرهم المذهبية دون عوائق تذكر!
وبناء على ذلك، فأن جميع أتباع المذاهب الإسلامية في السعودية يتلمسون هذه الأزمة ويستشعرون أضرارها وخطورتها ويتطلعون إلى إيجاد حل نهائي وعاجل لها، خصوصا في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة وفي أجواء الحراك الداخلي والخطوات الإصلاحية الطفيفة الجارية في البلاد.
جراء تلك الأزمة يشكوا أغلب المواطنين بنخبهم الفكرية والثقافية ورموزهم الدينية من ضيق مساحة الحرية المتاحة لهم لممارسة طقوسهم المذهبية، وكذلك حرية ألتعبير عن معتقداتهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية.هذه الشكوى ليست وليدة اللحظة كما أنها ليست مقصورة على شكل محدد أو فعل معين، وإنما تأخذ أشكالا وصورا مختلفة بحسب حدة الأحداث ونوعية الوقائع والممارسات اليومية الصادرة من المؤسسة الدينية تجاه أتباع المذاهب الإسلامية المغايرة لرؤيتها.كل الوثائق والعرائض الشعبية التي صيغت ووقعت من أطراف تنتمي لكل أو بعض التكوينات المذهبية في المملكة مجتمعة أو منفردة وتم رفعها للسلطة السياسية في السنوات الماضية كان القاسم المشترك فيما بينها المطالبة بتوسيع مساحة الحريات العامة ومن بينها الحريات الدينية والمذهبية، والتأكيد على احترام المذاهب الأخرى، بل الاعتراف الرسمي بكل التكوينات المذهبية في البلاد أسوة بالمذهب الحنبلي[1].
أذن يمكن القول وبضرس قاطع أيضا أن أزمة المذاهب في المملكة لا تقف عند حد عدم قدرة أتباعها على التعبير عن معتقداتهم وحرية ممارسة طقوسهم بشكل رسمي وقانوني فحسب، وإنما تتعداه إلى الفعل الأكثر إيلاما وأشد تعقيدا المتمثل- وكما أسلفنا- في إصرار المؤسسة الدينية الرسمية على فرض المذهب الحنبلي ذي النزعة السلفية المتشددة بالقوة والإكراه، بطريقة مقصودة أو غير مقصودة، سواء على المقيمين من أتباع الديانات المختلفة أو المواطنين المغايرين للمذهب الحنبلي في الانتماء، وفي المقابل توجد نزعة ازدراء شديدة يصاحبها قمع مزمن لأي تعبير أو ممارسة مذهبية مغايرة، خصوصا إذا أخذت طابعا جماهيريا علنيا، كما هو الحال حين ممارسة شيعة المنطقة الشرقية لشعائرهم الدينية المرتبطة بحدث عاشوراء أو بعض الأنشطة المرتبطة ببقية مناسباتهم الدينية.ولا يختلف الحال كثيرا بالنسبة لنسبة الحرية المذهبية المتاحة لدى أتباع المذاهب الأخرى كالشافعية والمالكية والحنفية في الحجاز أو الزيدية والإسماعيلية في جنوب المملكة.
عدم وجود أي فرصة لبروز أي مذهب سوى المذهب الحنبلي بكل قراءاته وتصوراته المتحجرة والمتطاولة على الآخرين عبر وسائل الإعلام الرسمية في البلاد، أو خلو المناهج التعليمية من المواد المعرفة للمذاهب الأخرى، بل تضمينها عبارات التكفير والتبديع والإساءة والتطاول على معتقدات البعض, وإكراه المقيمين من غير المسلمين على إقامة الصلاة مثلا ونحوها..يعد ذلك كله تعديا صارخا على الحريات الشخصية والعامة للآخرين. وإذا ما تزامن هذا مع لجوء بعض الجهات الرسمية في البلاد إلى محاولات الاستدعاء والاستجواب والاعتقال والتهديد الذي يطال أتباع المذاهب الأخرى لمجرد ممارستهم لعقائدهم الدينية وطقوسهم المذهبية، وفق اجتهاداتهم، فان الصورة ستصبح أكثر سوداوية ومأساوية أيضا. محمد الشيوخ
باحث سعودي M_shayook@hotmail.com
***
الهوامش:
[1] كعينة من تلك الوثائق يمكن الرجوع إلى وثيقة شركاء في الوطن مثلا.

ملاحظة: ألقي ملخص هذا البحث في حلقة نقاشية حول كتاب "الحوار المذهبي في المملكة العربية السعودية" الصادر عن مركز آفاق للأبحاث والدراسات.