تضاؤل الدور الاستراتيجي لدول الخليج

بقلم: أحمد شهاب

تمتلك دول الخليج 24 في المائة من معدل إنتاج النفط في العالم و40 في المائة من صادراته، إضافة إلى ما يقارب 46 في المائة من احتياطيات البترول المثبتة في العالم، وتقدر الدراسات المختصة دخل دول مجلس التعاون من النفط بحوالي 360 بليون دولار سنويا، كما يبلغ حجم رؤوس الأموال الخليجية في الأسواق الدولية 105 تريليونات دولار حتى نهاية سنة 2006 .
وتتسم الأحوال السياسية في دول الخليج بنوع من الاستقرار مقارنة بالدول العربية الأخرى، ويدار الحكم فيها بأسلوب أبوي، يقترب من القبلية الحديثة، الذي ينجح أحيانا في تحقيق مآلاته ويخفق أحيانا أخرى.
لكن أنظمة الخليج نجحت وإلى حد كبير في ترسيخ قناعة لدى شريحة واسعة بأنها النظام الأسلم للحكم، ولا سيما عند فئة التجار وأصحاب النفوذ الاجتماعي والطامحين من السياسيين الجدد الذين لم يألفوا السياسة من قبل، ولكنهم دخلوها وفق معطيات الدولة الحديثة، حيث ربطهم الحكم بمصالح ومنافع وعلاقات متشعبة يصعب الفكاك منها.
وفّر هذا الوضع أمام دول المجلس جانبا من الهدوء السياسي والاستقرار الداخلي الذي تشوبه بعض التوترات لأسباب سياسية أو اقتصادية أو دينية، لكنه لا يلبث أن يستقر من جديد. وإن كنت أظن أن هذا الاستقرار كان أمرا مألوفا نظرا لطبيعة شعوب المنطقة السلمية والتي تميل بصور عامة إلى التفاهم والحلول الودية للاختلافات، وهي بالتأكيد تعتبر من الفرص الثمينة أمام الحكومات لكي تعيد ترميم أخطائها قبل أن تنحو الأمور إلى المزيد من التوتر الذي لا يهدأ بفعل التغيرات التي بدا أنها تخلخل النسيج الاجتماعي والثقافي لدول المجلس.
من المفيد الإشارة إلى أن معظم التوترات التي عانت منها دول الخليج هي إرهاصات الصراعات الإقليمية والدولية المحيطة بها، وهي في معظمها توترات داخلية جرت بفعل ارتداد شارات من الخارج كان بالإمكان تجنبها وعزلها، لكن تقاعس أنظمة الخليج عن تحصين الجبهة الداخلية حوَّلها إلى ساحة جذب للأزمات المنظمة، ولا يبدو بعيدا عن الذهن العام كيف تأثرت دول الخليج بالاستقطاب الطائفي الذي اشتد مع انطلاق أول رصاصة في الجبهة العراقية الإيرانية. ولحقها بروز ظاهرة الأفغان العرب وتيار العنف الديني، وهذا لا ينفي أن بعض دول المجلس تحول في وقت ما إلى مُصدّر ومُفرّخ للعنف وللفكر المتطرف وتفخيخ الأسواق العامة ودور العبادة، وتشكيل تنظيمات متشددة داخل العراق خير دليل وشاهد، وكان في إمكان دول الخليج أن تتجنب الأزمات المفتعلة وتستوعب مواطنيها، لكنها تباطأت على قاعدة "الإهمال والتساهل" فدفعت الثمن غاليا.
وتتأثر دول الخليج إيجابا وسلبا بحال المنطقة وأوضاعها، فكلما كانت المنطقة أكثر استقرارا وأقل توترا انعكس ذلك بصورة ايجابية وتنموية على دول الخليج، التي تساعدها حالة الاستقرار الاقليمي على تدعيم الشأن السياسي الداخلي، والمضي في مشروعات البناء والتنمية، فمن شأن الاستقرار السياسي أن يشجع على زيادة الاستثمار وتدفق رؤوس الأموال إلى دول المجلس، وهو ما يدعم الجانب الاقتصادي، ويرفع من مستوى دخل المواطن الخليجي، كما من شأنه أن يخفف اعباء الضغوط الأجنبية على الدولة ،بخاصة فيما يتعلق بالتسليح الإجباري وميزانياته الضخمة ، ويوقف ابتذال أسواق الخليج لمصلحة الأسواق الغربية .
وعلى الرغم من أهمية استقرار المنطقة بالنسبة الى دول مجلس التعاون، ومع كل الإمكانات والموارد التي تمتلكها هذه الدول إلا أنها لم تخطُ حتى الآن أي خطوة ملموسة لتحرير حوض الخليج من التوترات والأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ولم تظهر حتى الآن مبادرات على مستوى قادة الخليج للخروج من عنق الزجاجة، بل يكاد يوصف موقفها بالسلبي والمتردد أمام صفقة "التهديد والحماية" التي أتقنت الولايات المتحدة تداولها بإحكام.
إن العلاقة الخاصة التي تربط الولايات المتحدة بدول المنطقة أصبحت محل تساؤل ومثار استفهام عريضين، وأصبح من السذاجة تسليم قرارات ومصير المنطقة بيد الجنرال الأميركي مهما بدا ودودا في هذه المرحلة، فأفضل السيناريوهات المتوقعة جمالا في ظل الوجود الأميركي لا ترقى إلى درجة توقع مستقبل مشرق، بل أقصى ما يمكن توقعه هو استمرار حالة الاحتقان في المنطقة واستمرار استنزاف ثرواتها، فلن يقدّم الأميركيون وغيرهم بادرة لبناء الخليج ومستقبله.
ومن المنتظر أن تتحرك دول الخليج للبحث عن أفكار جديدة حول أسلوب التعايش في المنطقة، وكيفية المحافظة وتدعيم دورها الاستراتيجي في المنطقة، فدول المجلس معنية باستعادة ثقتها بنفسها والمشاركة في بناء المستقبل، إن الشكوى المتكررة من مخاطر الصراع الأميركي الإيراني حول مصادر الطاقة أو حول إدارة العراق، أو التبرم من تمادي النفوذ الأميركي وتدخله في قضايا شديدة الخصوصية، لن يكفي لإحداث تغيير حاسم في المنطقة، ولن يفك ارتهان دول الخليج للقوى الكبرى، ولن يصنع مستقبلا آخر غير الذي رسمه غيرنا للمنطقة.
الخطوة المطلوبة إذاً تتم عبر تقديم دول الخليج تصورها الخاص عن مستقبل المنطقة، تصور ينبع من احتياجاتها وأولوياتها، وأن تبادر لعقد تحالفاتها المدروسة بدقة مع القوى والدول المؤثرة وفق استراتيجية شاملة بناءة، غايتها الوصول إلى إبداء الرأي في مستقبل حوض الخليج بدلا من استمرار سياسة الاستسلام للأمر الواقع، واستقبال التغيرات بروح سلبية متفاجئة بمجرى الأحداث.
ويبقى سؤال: من أين تبدأ حركة إصلاح دور ومكانة دول الخليج ودخولها في رسم مستقبل المنطقة ؟ هذا له مقال آخر. أحمد شهاب
كاتب كويتي alshehab4@yahoo.com