مهرجان دبي السينمائي يقتبس جديده من مهرجان أبوظبي

كتب ـ المحرر الفني
نسخة مكررة

تلعب المهرجانات الدولية دورا هاما فى التقريب بين دول العالم وتقوية أواصر العلاقة فيما بينهم وتساعد على مد جسور التعاون والصداقة بين الشعوب والإيمان بوحدة المصير المشترك بين البشرية جمعاء، وخاصة المهرجانات الفنية التى تحظى بجماهيرية كبيرة وشعبية خاصة لضيوفها ونجومها من شتى أنحاء العالم.
وقد نجحت السينما فى تحقيق الكثير مما لم تنجح فيه السياسة فى إحداث هذا التقارب من خلال التواجد الجماهيرى والمشاركة الجماعية فى متعة مشاهدة العمل السينمائي.
ويحفل العالم العربي بالعديد من المهرجانات الفنية الدولية الهامة مثل مهرجان القاهرة، ومهرجان مراكش، دمشق، الرباط، وتطوان، بالإضافة لمهرجانات عربية دولية من نوع خاص مثل مهرجان الفيلم العربي بروتردام، وبينالى السينما العربية بباريس.
ومنذ سنوات قليلة دخلت دولة الإمارات العربية المتحدة هذا المحفل الدولي الفني الساحر، وبدأت في إقامة المهرجانات الدولية من خلال تنظيم مهرجان دبي السينمائي الدولي والذى يقام خلال شهر ديسمبر/كانون الأول من كل عام، وبالأمس القريب وتحديداً في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي كانت الإمارات العربية ومنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط على موعد مع حدث فني مهرجانى دولى كبير شهدته الإمارات لأول مرة تتويجاً لمسيرة من العمل الدؤوب في خدمة الثقافة والإرتقاء بالفن العربي، وهو مهرجان الشرق الأوسط السينمائى الدولي الأول الذى احتضنته مدينة أبوظبي وشهدت نجاحه الكبير بشهادة كل الحضور والضيوف الكبار الذين وفدوا من جميع أنحاء العالم لمشاركة أبوظبى احتفالاتها بهذا الحدث الفريد من نوعه في دورته الأولى والذى تضمن العديد من الفعاليات والمسابقات بالإضافة لمؤتمر تمويل الفيلم والذي كان من أهم مستحدثات مهرجان أبوظبي التى تُحسب له مبادرته بإقامته.
لقد وضع مهرجان أبوظبي فكراً جديداً بخطوات عملية أثبتت كفاءتها على أرض الواقع وأحدثت ردود فعل إيجابية لدى كل المهتمين بصناعة السينما في منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع.
والواقع أننا نتذكر هذه الجهود الحثيثة التي بذلها مهرجان أبوظبى وكتب من خلالها لنفسه روح المبادرة بكل ما تضمنه المهرجان من فعاليات غير مسبوقة، وهو مايتأكد لنا اليوم ونحن نتابع الإعلان عن تفاصيل البرنامج الخاص لمهرجان دبي السينمائى في دورته الرابعة، حيث فاجأنا القائمون على مهرجان دبي باستحداث العديد من الفعاليات والأقسام والمسابقات ضمن برنامجه وهذا ليس شيئاً غريباً فالتطوير مطلوب في كل الأوقات لمسايرة المتغيرات التي تحدث كل فترة، ولكن المثير للدهشة في الأمر والملفت للنظر أن تلك المستحدثات لم تكن إلا تقليداً ونقلاً لما قام به من قبل مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي الذي عُقدت دورته الأولى في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
فعلى الرغم من أن مهرجان دبي السينمائى بدأ قبل مهرجان أبوظبي بسنوات، إلا أن تلك المستحدثات الجديدة في البرنامج الخاص لفعالياته لم تحدث إلا مع دورته الرابعة هذا العام وتحديداً بعد المبادرة التى قدمها مهرجان أبوظبى بتقديم كل الأفكار الجديدة والأساليب المبتكرة غير المسبوقة في النهوض بالسينما وفتح الآفاق أمام المواهب الفنية الجديدة والأخذ بأيديهم وتشجيعهم وتخصيص قسم للسينما الخليجية، بالإضافة لاستثمار هذا التجمع الفني العالمي الكبير لمناقشة هموم السينما وإيجاد حلول لمشكلة تمويل الأفلام وهو ما تم تخصيص مؤتمر إقتصادي له لأول مرة على هامش مهرجان فني في ترجمة حقيقية وعملية للأهداف التي قام من أجلها مهرجان أبوظبي وتأكيداً على المبادرة بهذه الفكرة الجديدة والتي يرجع إليه الفضل فيها وأصبح الآخرون من بعده يقلدونه.
وإذا كان ليس عيباً أن نتعلم من بعضنا البعض، فلابد أن يٌنسب الفضل لأهله ويعرف الجميع أن تلك الجوائز التى استحدثها مهرجان دبي هذا العام وتلك المسابقات الجديدة قد سبقه فيها مهرجان أبوظبى السينمائى الدولي الذي كانت له ردود فعل قوية رغم أنها مازالت أول دورة له وليس رابع دورة مثل مهرجان دبي.
فمن يتتبع الدورات السابقة لمهرجان دبي الدولي السينمائي سيكتشف هذه الحقيقة، لأنه عندما بدأ عام 2004 بدأ بمجرد عرض مجموعة من الأفلام العالمية الكلاسيكية والمعاصرة بالإضافة إلى نخبة من الأفلام العربية المعبرة عن واقع المنطقة، وقد تم عرض 76 فيلما من 27 دولة، وفي الدورة التالية زادت عدد الأفلام المعروضة إلى 98 فيلما من 46 دولة، وفي الدورة الماضية سيطرت الأفلام الأميركية والعروض العربية على برنامج المهرجان.
وقد تعرض مهرجان دبي في الدورات السابقة لبعض الانتقادات لعدة أسباب منها أنه كان يجري بلا مسابقة، وأنه مجرد فرصة للإستمتاع بعروض الأفلام.
ومن أكثر الإنتقادات التي وجهت إلى مهرجان دبي في دوراته السابقة أيضا وقوعه في خطأ تكرار دعوة نفس نجوم السينما العالميين في أكثر من دورة مثلما حدث مع النجم الأميركى مورجان فريدمان، وهو ما جعل البعض يتساءل عن غياب التجديد في ضيوف المهرجان، إضافة إلى انتقادات أخرى تتعلق بالنواحي التنظيمية.
أما هذا العام، وفي دورته الرابعة يبدو الفارق واضحاً والاختلاف كبيراً عن الدورات السابقة سواء من حيث البرنامج أو الضيوف أو المسابقات التي يتضمنها البرنامج لأول مرة، حيث استحدث أو اقتبس أو نقل مهرجان دبي ستة جوائز لم تكن موجودة من قبل، وهي جائزة أفضل ممثل عربي وأفضل ممثلة عربية وأفضل سيناريو وأفضل موسيقى وأفضل مونتاج وأفضل تصوير.
كما تم تخصيص جائزة لأفضل فيلم إماراتي وأفضل مخرجة إماراتية كنوع من التشجيع للمواهب الفنية الشابة بالإمارات. وابتكار ما يسمى بجائزة "المهر الذهبي" للسينما العربية بفئاتها الثلاثة الروائية والطويلة والوثائقية.
كما يخصص المهرجان أيضا فئة خاصة لسينما بوليوود الهندية وأخرى لأفلام القارة الآسيوية عامة اللذين احتفل بهما مهرجان أبوظبي، والتركيز على الصين من خلال خمسة أفلام بالإضافة لفئة أخرى للأفلام الأفريقية، كما يقيم ضمن فعاليات الجسر الثقافي وسينما العالم والليالي العربية، ندوة حول التواصل الحضاري.
كما يستضيف مجموعة جديدة من الضيوف لأول مرة منهم الكاتب البرازيلي باولو كويلهو والكاتبة الجنوب أفريقية رايدا جايكويز والممثل الأمريكي داني جلوفر.
استحدث المهرجان أيضاً قسماً للسينما الخليجية وقسما لتمويل الأفلام تماماً مثلما فعل مهرجان أبوظبي، وكأنه يُعيد نفسه.
وعندما نتأمل هذه الفعاليات الجديدة لمهرجان دبي نكتشف حجم التقليد والإقتباس من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الأول بأبوظبي الذي كان صاحب المبادرة الأولى، وإن فعاليات مهرجان دبي جاءت تقليداً لما جاء فيه وهذا يبدو واضحاً بقراءة بسيطة لبرنامج فعاليات مهرجان أبوظبى الذي انفرد بها لأول مرة فى الخليج، وفى منطقة الشرق الاوسط.
لقد تضمن مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الأول بأبوظبى عشرة أقسام وهي: عروض خاصة، ويشمل 6 أفلام من أهم أفلام السينما العالمية هذا العام، ومن بينها فيلم الافتتاح والختام، ومسابقة الأفلام الطويلة، ومسابقة الأفلام القصيرة، وأضواء على الشرق الأوسط، ومخرجات من العالم العربي، وأفلام دول مجلس التعاون الخليجي، ومسابقة حياة للفيلم القصير لطلبة وطالبات الإمارت، وسينما بوليوود، وتحية إلى فنان السينما الإسباني كارلوس ساورا بمناسبة اليوبيل الماسي لميلاده (75سنة)، وتحية إلى اسم فنان السينما السنغالي عثمان سمبين الذي توفي في يونيو/حزيران الماضي، وكان مخرج أول فيلم روائي طويل.
كما شهد المهرجان على هامشه المؤتمر الأول لتمويل الإنتاج السينمائي، وهو أول مؤتمر من نوعه يقام في العالم العربي، وجمع نخبة من خبراء صناعة السينما من مختلف دول العالم، ونجوم السينما الإقليميين والدوليين، وتنافس خلاله صناع الفيلم للحصول على العديد من الجوائز الراقية إضافة إلى حصول الفائزين على جائزة اللؤلؤة السوداء بغرض تعزيز مفهوم التمويل السينمائي، كما قدمت إدارة المهرجات للفائزين بالجوائز الكبري منحة تمويلية لأعمالهم السينمائية المقبلة.
وكانت له المبادرة أيضاً فى دعوة عدد كبير من الضيوف والحضور من شتى أنحاء العالم، وعُرض أكثر من 100 فيلم من 38 دولة وهي: مصر وسوريا والسعودية والكويت والبحرين وعمان والعراق وقطر والإمارات وفلسطين وتونس والمغرب ولبنان من العالم العربي، واليابان والهند وفيتنام وكمبوديا وتركيا من آسيا، وجنوب أفريقيا والسنغال وكينيا من أفريقيا، وفرنسا والسويد وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وبلجيكا والدنمارك والنرويج والنمسا وسويسرا من أوروبا، إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك والبرازيل والأرجنتين وكولومبيا وأستراليا.
كما شهد مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي بأبوظبى أكبر تجمع للمخرجات العربيات في مهرجان دولي واحد، حيث تم توجيه الدعوة إلى المخرجات الـ 13 المشتركات داخل وخارج المسابقة من مصر وسوريا ولبنان والمغرب وتونس وفلسطين. ونُظمت ندوة خاصة عن المخرجات في العالم العربي ركزت على تجاربهن وخاصة في هذه الدول العربية الست.
وعلى سبيل المثال لا الحصر في مسابقة الأفلام الطويلة اشتركت اللبنانية نادين لبكي بفيلمها الروائي "سكر بنات" الذي عرض في برنامج نصف شهر المخرجين في مهرجان كان 2007، وحقق نجاحاً كبيراً.
وفي مسابقة الأفلام القصيرة اشتركت السعودية رنا قزاز. وفي برنامج أضواء على الشرق الأوسط اشتركت من مصر ماجي مرجان، وأيتن أمين، ومن المغرب فريدة بورقية.
وفي برنامج مخرجات من العالم العربي، شاركت المغربية فريدة بن اليزيد والسورية واحة الراهب والتونسية سلمى بكار وأربع مخرجات من فلسطين: روان الفقيه، وناهد عواد، وغادة الطيراوي، وعلياء أرصغلي.
وعلى هامش المهرجان أُفتتح برنامج مخرجات من العالم العربي بفيلم "ليلى البدوية" إخراج بهيجة حافظ عام 1937 بمناسبة مئوية السينما المصرية.
كما يٌحسب لمهرجان أبوظبى مبادرته الفريدة بالاهتمام بالسينما الخليجية حيث شهدت دورته الاولى حضوراً قوياً ومشاركة خليجية فعالة وُعرض لأول مرة 17 فيلماً من جميع دول مجلس التعاون الخليجي، منها ثلاثة أفلام في قائمة "تاريخ السينما"، و14 من إنتاج عامي 2006 و2007، من مختلف الأطوال والأنواع (روائية وتسجيلية وتحريك).
ولاشك أن هذه المشاركة المحلية والخليجية الواسعة، جنباً إلى جنب مع العديد من أهم المشاركات العربية والدولية من مختلف قارات العالم، تنعكس بالتأكيد على التفاعل مع أهم صناع الفن السابع في العالم بمختلف مدارسه ونجومه، وذلك عبر اكتساب الخبرات والمهارات والتقنيات التي ستسهم في تطوير صناعة السينما المحلية والخليجية وهو الهدف الكامن وراء هذه المبادرة الفريدة لمهرجان أبوظبى، والذى اقتبسها مهرجان دبي هذا العام.
وقد ضمت قائمة أفلام تاريخ السينما: "بس يا بحر" إخراج خالد الصديق عام 1972، وهو أول فيلم روائي خليجي طويل أنتج في الكويت، و"الحاجز" إخراج بسام الذوادي عام 1990، وهو أول فيلم روائي طويل أنتج في البحرين، والفيلم التسجيلي القصير "خيوط تحت الرمال" إخراج خليفة المريخي من إنتاج قطر عام 2003.

كما كان لمهرجان أبوظبى السبق في الاهتمام بالمواهب الفنية الشابة عندما نظم في دورته الأولى مسابقة "حياة" للفيلم القصير بالإشتراك مع كلية أبوظبي للطالبات، ومجموعة "ماك" الإمارات، وهى مسابقة تهدف إلى تنمية روح الإبداع عن طريق توظيف التكنولوجيا الحديثة عند صُناع الأفلام في دولة الإمارات العربية المتحدة والشرق الأوسط.
وقد تسلم الفائزون في كل فئة مجموعة من الجوائز التقديرية والمالية، بالإضافة إلى تأهل جميع المشاركين لجائزة الجمهور عن طريق التصويت لأفلامهم المفضلة عبر الإنترنت خلال المهرجان، نفس الجائزة التي ضمها مهرجان دبي لبقية فعالياته دون أية إبتكار أو إضافة.
كما حظيت جوائز مهرجان أبوظبى بمنافسة كبرى تنافس عليها 18 فيلماً على مستوى عالِ للحصول على جوائز مسابقة الأفلام الطويلة من بينهم الفيلم الأمريكي "الليلة السعيدة"، إخراج جاك بالترو وبطولة ثلاثة من كبار نجوم السينما العالمية وهم بينيلوب كروز وجينيث بالترو وداني دي فيتو.
كما حصل المهرجان على مجموعة من أفلام القمة لعام 2007، فإلى جانب فيلم "صور مطموسة" إخراج بريان دي بالما الذي فاز بجائزة أحسن إخراج في مهرجان فينيسيا، و"أنا لست هناك" إخراج تود هاينس الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في نفس المهرجان، وكلاهما عرض في برنامج "عروض خاصة"، شهدت المسابقة الفيلم الفرنسي "عاصمة الفرس" إخراج مارجاني سترابي وفينسنت بارانو الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان، والفيلم الأسباني "المنطقة" إخراج رودريجو بلا الذي مارجاني سترابي وفينسنت بارانو الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان، والفيلم الأسباني "المنطقة" إخراج رودريجو بلا الذي فاز بجائزة دي لورينتس في مهرجان فينيسيا، ثم فاز بجائزة الاتحاد الدولي للنقاد في مهرجان تورنتو. وأيضا الفيلم الأسترالي "أميال الحظ" إخراج ميشيل جيمس رولاند الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كارلو فيفاري.
ومن الأفلام المشاركة في المسابقة أيضاً الفيلمان الأميركيان "البومة والعصفور" إخراج ستيفاني جايوجير الفائز بجائزة أحسن فيلم في مهرجان سان فرانسيسكو، و"مولودة العام الجديد" إخراج سوشيتا بويف الفائز بجائزة أحسن فيلم في مهرجان أمستردام، والفيلم البريطاني "نحن معاً" إخراج بول تايلور الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان ترايبكا في نيويورك، والفيلم البلجيكي "بن إكس" إخراج نك بالتازار الفائز بالجائزة الكبرى للأميركتين في مهرجان مونتريال.
وأمام كل تلك الوقائع والمطابقة بين المهرجانين يتضح أن مهرجان دبي هذا العام جاء تكراراً لفاعليات مهرجان أبوظبي صاحب فضل السبق والمبادرة التى تُحسب له رغم كونه مهرجانا وليدا، لكن كل ما يحدث الأن يؤكد أنه وُلد عملاقاً.
ومن المتوقع أن ينافس في سنواته القليلة القادمة كبرى المهرجانات السينمائية العالمية، لكن يبقى السؤال هل سيُطالب مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي بأبوظبي بحقوق الملكية الفكرية من مهرجان دبي السينمائي الدولي؟