الأزمة المذهبية في السعودية (1): خصوصية العلاقة الشيعية السنية

بقلم: محمد الشيوخ

تتسم العلاقة الشيعية السنية في اغلب الأقطار الإسلامية بالنفور وفي أحسن أحوالها بالفتور أو كلتيهما. أما في السعودية فوضع العلاقات البينية وحراك التكوينات المذهبية فله طابع آخر، نظرا لطبيعة الظروف الخاصة والفريدة التي تتحكم إلى حد كبير في عملية حراك هذه المكونات والعلاقات المتبادلة فيما بينها. والسؤال الرئيس:على ماذا يمكننا أن نراهن حين حاجتنا إلى عملية إنعاش العلاقة الشيعية السنية في الداخل السعودي، وكيف نتمكن من تجسير وتطوير العلاقة البينية بين التكوينات المذهبية المتعددة، ووفق أي رؤية، وعبر أي برنامج يمكننا تحقيق ذلك الحلم؟
أجمالا العلاقة الشيعية السنية "هشة" إلى حد يمكن لأي طرف خارجي أو داخلي وبسهولة أيضا استغلال سوء العلاقة هذه وضعفها لإحداث الفتن وخلق المشاكل وافتعال الأزمات بين هذين المكونين الإسلاميين الكبيرين، وفي أي لحظة شاء، والتاريخ البعيد والقريب مليء بالكثير من الوقائع والشواهد والعبر الدالة على ذلك، ولا داعي لعرض المزيد.
وأن فتور العلاقة أو هشاشتها راجع إلى أسباب متشابكة منها التاريخي والثقافي والاجتماعي والمذهبي والسياسي، ولكن أبرزها – بحسب ظننا – سببان جوهريان الأول،غياب الدبلوماسية الفاعلة بين الأطراف المؤثرة من كلا الفريقين، وثاني الأسباب هو تدني مستويات الحوار بين المكونين وضيقها وتقليديتها والمنصبة غالبا في الجدل التاريخي والمذهبي دون أن تتعداهما، وهو الفعل الذي يكرس حالة الشك ويعزز بقاء الهواجس المتبادلة ويضعف من العلاقة ولا يفرز برامج عمل متبادلة من شأنها إحداث نقلة نوعية في العلاقة المتبادلة، خصوصا إذا جانبت تلك الحوارات الضوابط الدينية والعلمية والأخلاقية،وتحولت إلى سجالات أي ما يشبه صراع الديكة. هذان السببان لو توافرا سيجهضان أثر ومفاعيل العوامل السياسية وهي الأقوى أثرا في الإخلال بالعلاقة الشيعية السنية.
غياب الدبلوماسية وانحباس الحوار في أطره الضيقة يعني أن العلاقة الشيعية السنية مرشحة للمزيد من التقهقر، وإذا لم يتم تجاوز الإشكالين السابقين فالعلاقة بين الطرفين لن تتقدم مليمتر واحد.هذا إذا لم تنتكص أو تصاب بالشلل التام بفعل متواليات الإحداث المتسارعة التي تحدث هنا وهناك، وهي أحداث في أغلبها ذات صلة وتأثير مباشر على العلاقة بين هذين المكونين.
إذا ما حاولنا توصيف العلاقة الشيعية/السنية في السعودية، وبشكل موضوعي ودقيق أيضا يمكن القول بأن العلاقة بين المكونين هشة وتكاد أن تكون في الثلاثة العقود الماضية على الأقل مقطوعة ولا وجود أي أثر يذكر لها حتى عهد قريب.وهذا لا يعني أن العلاقة الشيعية السنية تاريخيا هي على هذا النحو!
وجود صلات فردية طبيعية بين أتباع المكونات المذهبية تفرضها الحياة اليومية والجغرافيا أو الوضع الديموغرافي لا تدل على أن العلاقة بين أتباع هذه المكونات في هذا الإقليم علاقة طيبة وطبيعية ومتينة أو قائمة.معيار وجود العلاقة ومتانتها يتضح من خلال المشاركة الفاعلة في مناشط ثقافية واجتماعية مشتركة ووجود تعاون حقيقي لتحقيق الآمال والتطلعات الوطنية المصيرية المشتركة مضافا للصلات الواسعة والمستمرة بين هذه المكونات وعلى أوسع نطاق ممكن هذا فضلا عن وجود قدر كافي من الثقة المتبادلة الكفيل بإزالة كل الرواسب الماضية والهواجس المحتملة.
إذا كانت هذه الحقبة الزمنية تشهد بعض المحاولات الجادة لإعادة ترميم هذه العلاقة وإنعاشها فالفضل يعود إلى نخبة محدودة من بعض المكونات المذهبية في السعودية شعرت بخطورة بقاء هذه العلاقة بشكلها الحالي، وكذلك خطورة بقاء المعادلة القائمة على التغييب والتهميش ألعمدي لهذه التكوينات على وضعها، خصوصا في ظل التجاذبات الحادة والمحمومة التي تشهدها المنطقة برمتها ،والتي استفزت كل المكونات المذهبية في المنطقة وكادت أن تخلق أزمة.
مضافا إلى الأسباب العامة المشتركة المؤدية إلى هشاشة العلاقة الشيعية السنية بشكل عام، ففي الداخل السعودي توجد أسباب خاصة جعلت من العلاقة بين هذين المكونين في حال أسوء وأشد مما هي عليه. وأحد من أهم هذه الأسباب إصرار المؤسسة الدينية الرسمية في البلاد على تغييب وإلغاء كل التكوينات المذهبية المغايرة للمذهب الحنبلي، والذي لم يؤثر على العلاقة بين أتباع هذين المكونين وحدهما فحسب، وإنما أثر على مجمل العلاقة الداخلية بين المكونات المذهبية داخل المدرسة الواحدة، ولا يختلف الحال كثيرا بالنسبة للمكونات الاجتماعية والفكرية والسياسية وبعضها البعض.
ذات العامل أثر بصورة مباشرة أيضا على حالة الحراك لدى هذه المكونات التي لم تسنح لها الفرصة للتعبير الحر والتلقائي عن وجودها ما أدى إلى شطبها وتغيبها وكأن الساحة السعودية الداخلية خالية من التعدد المذهبي والفكري وإنما محكومة بالأحادية في كل شيء. والانكى من ذلك كله أنه لا توجد أي أطر رسمية وقانونية أو تشريعية تتيح الفرصة لهذه المكونات للبروز والتعبير عن وجوداتها بشكل رسمي.
أذن بحسب هذه المعادلة غير العادلة، فان جميع المواطنين من أتباع المذاهب الإسلامية في المملكة عدا أتباع المذهب الحنبلي الرسمي يعانون من "أزمة" شديدة الحساسية وبالغة التعقيد أيضا. محمد الشيوخ
باحث سعودي M_shayook@hotmail.com
ملاحظة: ألقي ملخص هذا البحث في حلقة نقاشية حول كتاب "الحوار المذهبي في المملكة العربية السعودية " الصادر عن مركز آفاق للأبحاث والدراسات.