تحليل: ما هي سياسة أميركا في دارفور

واشنطن - من خالد عبد الحميد
الجنجويد.. يهاجمون المدنيين ويحرجون الحكومة السودانية

حظيت قضية إقليم دارفور باهتمام بالغ من قبل الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي تلعب، ولاشك، دوراً مهماً وحيوياً في هذه القضية، حتى أنها باتت إحدى القضايا المهمة على أجندة السياسة الخارجية الأميركية،وعلي ضوء ذلك حرصت مراكز البحوث والدراسات الأميركية على إعطاء اهتمام متزايد لتلك القضية في محاولة لطرح مزيد من البدائل أمام صانع القرار الأميركي، وفي هذا الصدد نشر معهد بروكنجز على موقعه على شبكة الإنترنت دراسة بعنوان "الإبادة الجماعية في دارفور".
أعدت الدراسة سوزان رايس أستاذة وزميلة برامج دِراساتِ السياسة الخارجيةَ والإقتصادَ الدولي والتنمية بمعهد بروكنجز، ومساعدة وزير الخارجية للشئونِ الأفريقيةِ أثناء إدارة الرئيس كلينتون، والمساعد الخاص لرئيسِ ومديرِ الشئونِ الأفريقيةِ في مجلس الأمن القومي في الفترة من عام 1995 الى 1997.
انقسمت الدراسة الى ستة أجزاء حرصت خلالها الكاتبة على تقييم السياسة الأميركية تجاه دارفور ورصد التطورات الحديثة في الأزمة مع طرح خطة تحرك أمام إدارة الرئيس بوش تكونت من مجموعة بنود جمعت ما بين الوسائل الدبلوماسية والعقوبات الدولية وإنشاء منطقة حظر طيران وحتي العمل العسكري. نمط السياسة الأميركية في أحد أقسام الدراسة تشير الكاتبة الى أن نمط السياسة الأميركية خلال ثلاث سنوات قد انحصر في التحدث بشدة ثم بعد ذلك عمل القليل الذي لا يزيد عن تقديم مساعدة انسانية ضخمة.. فالإدارة تطلق تصريحات عاصفة ثم تتراجع في ظل العناد السوداني أو الوعود الفارغة.
فعندما بدأ المتمردون القتال في دارفور في عام 2003 اختارت الإدارة أولاً أن تتجاهل العنف.. وبالرغم من تصاعد الأعمال الانتقامية من قبل الجنجويد والانتقاميين، فقد كان التحرك بطيئاً وذلك وفقاً لحسابات مفادها أن الضغط على الحكومة السودانية سيأتي ضد المصلحة الأميركية بعد أحداث سبتمبر فيما يتعلق بتأمين تعاون الخرطوم في مواجهة الإرهاب، وربما يُعرّضُ جهود الولايات المتحدة لدفع الخرطوم للتوقيع على اتفاقية السلام مع الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان للخطر.
وبحلول عام 2004، وتصاعد عدد الخسائر البشرية قام وزير الخارجية كولين باول بزيارة دارفور وحصل على وعود من الرئيس عمر البشير بأن حكومته سوف تنزع سلاح الجنجويد، وستسمحْ بالإتصالات الانسانية الغير مقيدة كما ستأذن لقوة أفريقية بالإنتشار..ورغم ذلك وبشكل متوقع، فقد استمر القتل .
وبالرغم من بعض الخطوات الإيجابية – حسبما ترى الكاتبة – مثل قيام وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بزيارة دارفور في عام 2005 ونجاح نائب الوزيرة روبرت زوليك (الذي يرأس البنك الدولي الآن) في مايو 2006 بالتوصل الى اتفاق سلام دارفور بين الحكومة وبعض جماعات التمرد – بالرغم من ذلك فقد عادت السياسة الأميركية الى التخبط بعد أن غادر زوليك وزارة الخارجية.
ومع أن الإدارة حصلت على تفويض من الأُمم المتّحدةِ يستند الى الفصل السابع من الميثاق بانتداب قوة حفظ سلام تتكون من 22 ألف جندي لحماية المدنيين في دارفور، ثم تأكيد الرئيس بوش ووزيرة خارجيته رايس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر2006 بأن السودان سيواجه عواقب قاسية اذا لم يقبل انتداب قوة الأمم المتحدة طبقاً لقرار مجلس الأمن رقم 1706، فإنها سرعان ما تخلت عن ذلك كله ووافقت في نوفمبر 2006 على تبني قوة صغيرة وضعيفة تشارك فيها الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي، وفق اتفاق أبرم بين الدول الأوربية والأفريقية وبمشاركة الولايات المتحدة في أديس أبابا. تهديدات خاوية ودبلوماسية عاجزة تنتقل الكاتبة الى قسم آخر من الدراسة تؤكد فيه على تأخر الإدارة لمدة ستة أشهر في طرح ما يعرف بـ " الخطة B" لمواجهة الابادة الجماعية، على الرغم من أنها كانت جاهزة وصدق عليها الرئيس بوش في شهر فبراير 2007، وقد ظهرت ملامح هذه الخطة عندما أعلن المبعوث الرئاسي الخاصّ أندرو ناتسيوس في 20 نوفمبر 2006 بأن السودان سيواجه عواقب قاسية إذا فشل في تلبية شرطين بحلول الأول من يناير 2007: الأول؛ قبول الخرطوم وبشكل صريح الانتشار الكامل للقوة الأفريقية الأممية المختلطة، والثاني؛ التوقف عن قتل المدنيين الأبرياء، غير أن إعلان ناتسيوس قد أُفرغ من مضمونه مع استبعاد وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أثناء شهادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخِ العمل العسكري رداً علس تصريح رئيس اللجنة السناتور جوزيف بيدن الذي قال فيه "أعتقد أننا ينبغي أن نستخدم القوة الآن".
وبعد نحو ستة أشهر عاد التشدد الأميركي وتصاعدت لغة الخطاب عندما أعلن الرئيس بوش في 29 مايو 2007 أن الولايات المتحدة ستطبق عقوبات تتضمن: تشديد العقوبات الاقتصادية الموجودة ضد السودان ليدخل في نطاقها 31 شركة إضافية وثلاثة أشخاص مستهدفين، ومطالبة الأمم المتحدة بفرض عقوبات جديدة تتضمن فرض حظر تسلح موسّع ومن المحتمل منطقة حظر طيران. تفسيرات غير كافية عمدت الكاتبة الى تحليل الأسباب التي كانت وراء هذا التأخير مشيرة الى ثلاثة أسباب هي:
وجود حالة من الإرتباك داخل الادارة حول اذا ما كانت الابادة الجماعية ما زالت تحدث في دارفور، فقد فشل الرئيس بوش في استخدام مصطلح "إبادة جماعية" عند إشارته الى دارفور في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه في 23 يناير 2007.
قبول الإدارة موقف الخرطوم بأن ما يحدث في الخرطوم هو صراع أهلي معقد ويتطلب من ثم حلاً سياسياً أولياً.
أن الإدارة ليس لديها سياسة متماسكة أو استراتيجية شاملة تجاه دارفور ومن ثم فإنها غير قادرة على إبقاء الضوء مركزاً على حاجات الإقليم. التطورات الحديثة تناولت الكاتبة في هذا القسم التطورات الحديثة في القضية فأشارت الى تبني مجلس الأمن الدولي القرار 1769 في 31 يوليو 2007 والذي خوّل تأسيس قوة مختلطة من قوات أفريقية وأممية لفترة أولية تبلغ 12 شهراً وتتكون من 20 ألف من العسكريين بالإضافة الى 6آلاف من قوات الشرطة، وسوف يكون تمويل القوة وقيادتها بواسطة الأمم المتحدة لكن الاتحاد الأفريقي يحتفظ بعمليات التحكم اليومية.
وبالرغم من هذا الجهد الأممي فقد سعت الكاتبة الى التأكيد على اهمية الدور الأميركي في تنفيذ قرار مجلس الأمن فتشير الى الشك الذي ينتاب الجماعة الدولية في نوايا الخرطوم في متابعة الإتفاق، خاصة وانه منذ تمرير القرار 1769 راوغت الحكومة السودانية بشأن كيفية تركيب القوة المختلطة والإصرار من لوقت لآخر على أن القوة بالدرجة الأولى أفريقية، وبالإضافة الى التأخر في تَزويد القوةِ الدوليةِ بالحقوقِ على الأرضِ.
ومرة اخرى كان التأكيد على دور أميركا القيادي في القوة ..فتقول الكاتبة: أنه حتى مع التعاون التام من قبل الحكومة السودانية فإنه يبقي من غير الواضح اذا ما كانت الجماعة الدولية ستكون قادرة على ترجمة القرار 1769 الى حماية فعالة للأبرياء في دارفور من دون قيادة قوية من قبل الولايات المتحدة.. فمع منتصف شهر أكتوبر 2007، لم تستطع الأمم المتحدة الحصول على وسائل النقل المُتَخَصّصة والقدرات الجوية المطلوبة من أجل قوة مؤثرة كما ان العداد التي تعهدت بها الدول الأفريقية المساهمة اقل من الاحتياجات المطلوبة لتنفيذ المهمة. الطريق للأمام في هذا القسم تطرح الكاتبة استراتيجية تحرك أمام إدارة الرئيس بوش تضمنت خمس خطوات على النحو التالي:
فرضُ عقوباتُ قاسية ثنائيةُ ومتعددة الأطرافُ وذلك من خلال ثلاث طرق، الأولي:منع كل تعاملات النفط السودانية المحددة بالدولار، واستخدام الطرق الدبلوماسية للتأكد من منع الأوربيين كل تعاملات النفط السودانية المحددة باليورو أو الجنيه، الثانية: توسّيعْ قائمة الأشخاص المستهدفين بالعقوبات كي تشمل المسؤولين الكبار في الحكومة السودانية بما يشمل الرئيس البشير نفسه، والطريقة الثالثة هي مزاوجة العقوبات الأحادية بدفعة قوية للعقوبات المقترحة في الأمم المتحدة وينبغي أن توقف الولايات المتحدة السماح بإمكانية استخدام الفيتو لتعليق المشاورات.
زيادة الدعم لتسوية قابلة للإستمرار من خلال التفاوض وتشديد الجهود بالمشاركة مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لتوحيد جماعات التمرد والتفاوض حول وقف إطلاق نار ثابت ومتين واتفاق سياسي لإنهاء الصراع في دارفور.
دعم الانتشار السريع والمؤثر للقوة الأفريقية الأممية بواسطة توفير التدريب والمعدات والنَقْل الجوي وتقديم ناقلات أفراد متخصصة وقدرات لوجستية ودعم في القيادة والاتصال والاستخبارات لبعثة الأمم المتحدة فضلاً عن توفير المروحيات ومعدات الرؤية الليلية من أجل رفع كفاءة القوة وتشجيع المشاركة فيها من قبل دول اخرى قادرة، الى جانب الحصول على موافقة الناتو على نشر سريع لجزء من قوة الرد لتوفير قوات في الأمد القصير لتغطية الفترة التي تستغرقها نشر القوة الأفريقية الأممية ولحماية المدنيين في دارفور وتعزيز القوة الأفريقية.
أخذ العمل العسكري في الإعتبار، إذ ينبغي على الولايات المتحدة والناتو فرض منطقة حظر طيران فوق دارفور بما يتطلبه ذلك من ضرب أي طائرات تنطلق من المنطقة مما يعني إغلاق المجالات الجوية السودانية في وبالقرب من الإقليم أمام الجميع ما عدا المرور الإنساني، كذلك ينبغي على الإدارة أن تؤكد جاهزيتها لضرب الجيش السوداني وأصوله الاستخبارية بما في ذلك الطائرات والمطارات إذا استمرت الحكومة السودانية في مهاجمة المدنيين قبل أو أثناء أو بعد انتشار القوة الأفريقية الأممية أو في حالة مقاومة انتشار عمليات القوة ونكث الخرطوم تعهداتها.
سن تشريع جديد تجاه دارفور، يشمل تفويض الرئيس لإيقاف الإبادة الجماعية في دارفور بما يتضمن فرض منطقة حظر طيران،وتقديم التمويل لتحديث مطار اباشة في تشاد من أجل دعم عمليات الناتو الجوية المحتملة وتسهيل انتشار بعثة الأمم المتحدة في تشاد ودارفور وللأغراض الإنسانية، وفرضْ عقوباتَ على الشركاتِ التي تستثمر في السودان، وتجميد أصول الحكومة السودانيةِ والجيش السوداني، وزعماء الجنجويد وعائلاتهم، ومْنعُ سفرَهم إلى الولايات المتّحدةِ، ومطالبة الإدارة بتقديم تقرير الى الكونجرس كل 30 يوم يتضمن الخطوات المالية والعسكرية وكذلك الخطوات السرية التي يتم تجهيزها لإرغام الحكومة السودانية على قبول، وبلا شروط، القوة الأممية وإيقاف الهجمات على المدنيين. في النهاية تختم الكاتبة الدراسة بالتأكيد على أهمية العمل العسكري وفندت الحجج التي يسوقها البعض في هذا الصدد، فأشارت أن تهديد السودان بأن القاعدة سوف تهاجم القوات غير الأفريقية في دارفور رغم مصداقيته، بالنظر الى استضافة السودان الطويلة لأسامة بن لادن وأعماله، لا ينبغي أن يردع التحرك الأميركي لأن ذلك سوف يضع سابقة خطيرة.
كذلك أكدت الكاتبة رداً على المطالبين بضرورة موافقةِ الأُمم المتحدةِ بأن مجلس الأمن في عام 2006 شرّع معياراً دولياً جديداً يقرر "مسؤولية الحماية".. وقد أحال المبدأ أعضاء الأمم المتحدة الى القيام بعمل حاسم بما في ذلك الإجبارعندما تفشل الإجراءات السلمية في إيقاف الإبادة الجماعية أو في حالة الجرائم ضد الإنسانية.
وفي مواجهة القلق الذي عبرت عنه المنظمات الإنسانية من أن تؤدي منطقة حظر الطيران أو الضربات الجوية الى عرقلْة العمليات الإنسانية أو تدفع الحكومة السودانية لتكثيف الهجمات الأرضية ضد المدنيين في المعسكرات أكدت الكاتبة أن هناك طرق لتقليص، لكن ليس إزالة، هذه المخاطر.. وتتمثل في اختيار الأهداف بدقة لتجنب المجالات الجوية المستخدمة بواسطة عمليات الوكالات الإنسانية في دارفور، واتخاذ موضعاً بالقرب من تشاد يتيح لدول مثل أميركا وفرنسا رد فعل سريع لردع والرد على أي هجمات متزايدة من قبل النظام ضد المعسكرات. تقرير واشنطن- خالد عبد الحميد