بين الإباحة والرقابة على الإنترنت

بقلم: السيد نجم
تقنين الجلوس أما م الشبكة

سرعان ما يتصايح المطلعون على عنوان مثل "النشر بين الإباحة والرقابة على الإنترنت" ويصبون جام غضبهم على تلك الكلمة سيئة السمعة "الرقابة"، وقد لا يتابعون قراءة المقال.
ماذا لو توقفنا قليلا مطالبين بـ "الرقابة" على شبكة الإنترنت؟
لقد أتاحت التقنية الرقمية وشبكة الإنترنت ميزات هائلة القيمة، مما روج للإعلام والإعلان، وأعاد ترتيب المفاهيم الثقافية والاقتصادية، مثلما تفاعل مع المناخ السياسي في البلدان المختلفة.
ربما تنظر الجهات الحكومية من جهة إلى مثل تلك الإمكانات برؤية لا تخلو من الريبة والتشكك للحرص والحيطة على القيم والمفاهيم والضوابط العامة التي ترعاها، أيا ما تكون (لسنا بصدد تقييمها).
فيما تلاحظ للمرء العادي ظواهر لم تخل من منغصات سلبية.
لعل الرقمية أتاحت العديد من الميزات لم تكن من المتاحة قبلا، ومنها:
"الانتشار الواسع بين الناس دون استثناء. الانتقال الواسع والسريع للمحتوى، إن لم يكن آنيا ويختصر الزمن ولا يعترف بحدود المكان. حرية التفكير والتعبير تتعدد وتختلف فيه وجهات النظر وغير خاضع لقيود أو رقابة عليا. سهولة إرسال وتلقي المعلومات والاتصال من مختلف أنحاء العالم. التفاعلية ما بين الراسل (المستخدم) ووسيلة الإعلام سواء (صحيفة – موقع – مدونة – جريدة – بوابة.. الخ) ومواقع القراء المختلفين. أرشفة وتوثيق المادة/المعلومة الرقمية مع سهولة استرجاعها.
التقنية الإلكترونية أسهمت في خلق بيئة إعلامية مستقلة أساسها تحرر العقل والروح، ويحق للإنسان أن يعبر عن آرائه الذاتية دونما قيود ولا يخضع لتوجهات معينة ولا ينتظر تمويلا من جهة ما، فيبدو العمل غير مكلف. سرعة الحصول على المعلومات من مصادرها وغالباً ما يتم ذلك عن طريق الاشتراك في خدمة الرسائل العاجلة... وغيرها.
في المقابل تداهمنا من السلبيات ما يجعلنا نتوقف لنتساءل، أو لنقل من الواجب علينا أن نتوقف لنرى، حتى أننا من فرط سرعة الأحداث والمتغيرات من حولنا فقدنا ميزة التوقف وإعادة النظر فيما نراه من نافذة القطار السريع!
دعنا نتابع بعض الحالات على مستوى الفرد، ثم الجماعة أو المجتمع بعامة.
فإذا كانت من ميزات التقنية الرقمية و"الشاشة" ميزة المحو والإضافة، التسجيل والحفظ، ثم التشظى وإعادة النقل ثم بناء نص جديد، وكلها متاحة وأكثر منها، فقد أساء البعض استخدام تلك الميزة، وحولها إلى تلصص وسطو مع إباحة بلا حقوق لصاحب الموضوع أو المادة الأصلية.
كأن قدر الكتاب والمبدعين أن يترصدهم البعض فتتحول الأفكار والأعمال إلى مشاع مباح ومتاح لغيرهم عن غير وجه حق. إن كانت الظاهرة قديمة, إلا أنها مع شبكة "الإنترنت" أصبحت المواد الإبداعية وغيرها على المشاع. هذا على الرغم من تلك المقولة الرائجة "حقوق الملكية الفكرية"!
تحضرني طرفة عرفت عن (سرفانتس) صاحب الطواحين الهوائية، فقد كان الرجل ضابطا بالجيش وأحيل إلى التقاعد بعد أن نالت منه إصابة أعجزته, ونمت على أثرها موهبة الإبداعية, وأطاح خياله بكل الحواجز، وبدأ تجربة الكتابة القصصية.
كل آماله أن تستمع له جماعة الأصدقاء والجيران, نجح واستمعوا له وأنصتوا, ثم عبروا عن سعادتهم, وهو أقصى ما كان يحلم به. إلا أن أحد "الشطار" كعادة الشطار دائما, نجح في تسجيل كل ما يقال, ويسافر إلى المدينة القريبة, لينشر تلك الحكايات مسلسلة!
راجت الحكايات, وذاع صيتها, حتى وصل الخبر إلى سرفانتس, الذي ذهب إلى المدينة وقابل صاحب المطبعة ليعرف الحقيقة كاملة. ومنذ ذاك اليوم بدأت تصدر "دونكيشوت" باسم مؤلفها الحقيقي.
لعل سرفانتس أكثر حظا عن مبدعي وكتاب اليوم, فشبكة الإنترنت ثرية بالمواد المختلفة, ولا ضابط لاقتباسها أو النيل منها, بلا حقوق أدبية أو مالية، سواء للموقع الناشر, أو للمبدع. فلا أكثر من أن تكتب اسمك في الباحث الإلكتروني, حتى تصدمك المفاجأة ولا من مغيث!
ولا يستثنى من ذلك الصحف والمجلات الكبرى أو الصغرى, كما تلاحظ أنه في بعض الصحف والمجلات (الصفراء)، أي تلك التي بلا هوية حقيقية، تلك الدوريات التي لا يوجد بها سوى محرر صحفي واحد, اكتفت بمندوبي الدعاية والإعلان لتمويل المشروع المربح. وكل هم رئيس التحرير أن يفتح الشبكة ويصطاد ما شاء. المؤسف أن تلك الأعمال يعاد نشرها بلا اسم صاحبها, ولا الإشارة إلى الموقع الذي نقلت عنه!
ليس أمامنا الآن سوى الصراخ لاستنفار الذمم والضمير الأدبي لكل من يعمل في حرفة الكتابة والنشر. انتبهوا أيها السادة, حقوق المؤلف في خطر!
وإن علمنا بأن "اتفاقية الجات" وضعت الضوابط والعقوبات التي قد تبدو من صرامتها أن تقرر احتلال بلد الجهة التي اختلست عملا ما من هنا أو هناك. ومع ذلك حتى الآن على الأقل ليس لها التأثير الواضح, بل شاعت الظاهرة وراجت أكثر كثيرا عما قبل.
* ما سبق جانب أو جزء من الصورة. على جانب آخر، الجانب العالمي، حيث يعمل مايك سميث، وهو استرالي الجنسية في منصب رئيس الإدارة التنفيذية لمكافحة الإرهاب بالأمم المتحدة في نيويورك، قال "الإنترنت تسبب قلقا حقيقيا ولا اعتقد أننا توصلنا إلى حل حتى الآن."
وقال سميث "في الماضي كان يتعين على الإرهابيين إن يعبروا الحدود ليعدوا خططا ويهاجموا مواقع (...) وهذه الأيام يمكن عمل جزء كبير من هذه الأشياء على الإنترنت. يمكنهم إعطاء تعليمات ويمكنهم التنسيق ويمكنهم تجنيد أفراد من خلال المواقع على الشبكة."
وقال "الناس تحتاج إلى توعية والمجتمعات تحتاج إلى توعية والأشخاص الذين يديرون مقاهي الإنترنت وجماعات الشباب وهكذا. إنهم يحتاجون إلى اتخاذ بعض الإجراءات أو توخي الحذر والاستعداد للتحدث إلى السلطات عندما يرون شيئا ما يحدث يشعرون بالقلق إزائه."
وأضاف "اعتقد إن أردنا حلا بشأن الإنترنت مثلما هو في كثير من الأشياء سيكون سلسلة من الاستراتيجيات التي تتداخل وتقدم نوعا من الدفاع الخارجي."
وقد أنشأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذا المنصب المتعلق بمتابعة الإرهاب على شبكة الإنترنت، بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول عام 2001 على الولايات المتحدة واندلاع حرب العراق. وان واجه روبيريث أول رئيس لمكافحة الإرهاب بالأمم المتحدة في حينه عاصفة اتهامات من جانب بعض الدول بأن الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق وتأييد واشنطن لإسرائيل في الصراع الفلسطيني أذكى التطرف (عن موقع ميدل إيست أون لاين).
* على جانب آخر من الصورة، أعلن أحد المراكز البحثية، أن 70% من مواقع الشبكة تشغله المواقع الإباحية وغير الأخلاقية! حتى أن قاضيا فيدراليا أميركيا أقر مؤخرا قانوناً يهدف إلى حماية الأطفال والفتيان تحت سن 18 عاماً، ومنعهم من الوصول إلى مواقع الإنترنت الإباحية. ويفرض هذا القانون غرامة على هذه المواقع تصل إلى خمسين ألف دولار مع عقوبة الحبس لمدة ستة أشهر لأصحابها، في حال ثبوت وصول الأطفال إليها.
وإن تلاحظ للقاضي أن القانون كان عديم الجدوى وغير قابل للتطبيق، وأن البرامج التي تراقب المواقع Filtering Software أكثر فاعلية، إذا أحسن الآباء استخدامها.
كما تلاحظ أيضا أن جماعات كثيرة للدفاع عن الديمقراطية والحريات، قد اعتبرت أن هذا القانون يتناقض مع حرية الفرد، وفي المقابل، أيدته الكثير من منظمات المجتمع المدني. هل الموضوع هو مسألة حريات شخصية فقط؟ لقد أصبحت تلك المواقع وغيرها قطاعا لصناعة تدر سنويا ما بين 10 إلى 15 مليار دولار في الولايات المتحدة فقط، وتقف وراءها شركات كبرى حول العالم، ولها معارض ترويجية ومراكز أبحاث. وهذه الشركات لن تدع قانوناً يمر ببساطة ويعطل أعمالها، وربما ما يدهش أن أصحاب تلك الصناعة وراء تطوير التقنية ويلعبون دورهم في هذا الاتجاه، تطور تقنيات البث الرقمي على الإنترنت Streaming، هو تمكين الأفراد، من إمكانية مشاهدة المقاطع الإباحية، ولم يكن الهدف من هذه التقنيات هو التعليم الإلكتروني وبث المحاضرات!
أما الجدل الأخير حول مواصفات أقراص "دي في دي" فقد كانت وراءه الشركات التي تنتج الأفلام الإباحية والشركات التي تنتج ألعاب الكومبيوتر. ما الذي نستطيع أن نفعله؟ لعله من المناسب الآن الاستغناء عن تعبير "الرقابة" واستبداله بما يعنى ما يجب اتخاذه من إجراءات من أجل الحماية، بداية من حماية "الملكية الفكرية"، وحماية الصغار من المواقع الإباحية وغير الملائمة لقيمنا وعقائدنا. أما ما يخص موضوع "الإرهاب" فندعه مؤقتا حتى نتفق أولا على معنى "الإرهاب".
من تلك الإجراءات الآتي:
أولا، ما يتعلق بالطفل: القدوة الحسنة أمام الطفل، من الوالدين أساسا. تقنين الجلوس أمام شبكة الإنترنت وفي وجود أحد الكبار للمتابعة غير المباشرة. عدم استخدام الجلوس أمام الشاشة وسيلة ترغيب أو تهديد، حتى لا يسعى الصغير إلى متابعتها في غير وجود رقيب (غير مباشر). عدم وضع جهاز الكمبيوتر في مكان مغلق أو غرف الصغار، بل يوضع في مكان متاح لأفراد الأسرة كلهم. عدم فرض أذواق الأباء والأمهات على الصغير. تشجيع الصغار على ممارسة الأعمال اليدوية، وأيضا القراءة من الكتب الرقمية.
ثانيا، ما يتعلق بالكبار: ضرورة متابعة إجراءات الحماية القانونية للمادة الرقمية، وأيضا الحماية التقنية التي تكفل حفظ المادة وعدم سهولة السطو عليها. التوسع في دراسات أخلاقيات استخدام الإنترنت بين المستخدم ونفسه، وأيضا بين المستخدم وغيره. تزكية وتشجيع النقد الرقمي وإبراز دور الناقد الرقمي، لما للناقد من دور هام في الإجراءات التحكيمية وفى الفصل بين الآراء الفنية أو التقنية. إبراز الجوانب السلبية للإنترنت مثل عقبة "التكنو اجتماعي"، وهى المتعلقة بأمراض التقنيات المختلفة، مثل الإدمان مع شبكة الإنترنت، وأيضا سلبيات الواقع الافتراضي. السيد نجم abnegm@gmail.com