الضوضاء تتلاعب بالمزاج العاطفي

بقلم: محسن الذهبي
المشكلة تكمن في طريقة استماعنا للاصوات لا بما نستمع اليه

ان الاصوات التي تحاصرنا في بيئتنا الحاضرة كثيرة ومتنوعة بتنوع المصادر التي تولدها فكلما تقدمنا يوما في الحياة زاد من حولنا الضجيج والصخب وبدانا نفتقد الهدوء والسكون لنستمتع بالحياة بشكل مقبول، وخاصة في المدن الحديثة.
ومن طائرات تخترق حاجز الصوت و قطارات مسرعة تزمجر على حديد السكك الى صراخ الباعة وهدير محركات السيارات والشاحنات و ضجيج الالات في المعامل الى موسيقى صاخبة تجبر على سماعها وربما طلقات نارية من تنازع الحروب او فرح بمناسبة خاصة.
والادهى ان الضوضاء دخلت بيوتنا فصوت التلفاز او المذياع يمكن التحكم به نوعا ما ولكن هناك الخلاط وغسالة الملابس وجرس الباب وزعيق الصغار بل حتى الهاتف الجوال، كل هذا ونحن نعي اننا كلما تقدمنا يوما في العمر نفقد من قوة سمعنا شيئا، فاذا تعرض احدنا ولو لوقت قصير لاصوات صاخبة وحادة يمكن ان تتأذى البنى الحساسة في الاذن الداخلية وغالبا ما يكون تردي السمع من التأثير التراكمي للنشاطات التي تولًد ضجيجا شديدا.
ولمعرفة متى يكون الصوت عاليا ومؤذيا للسمع لابد من معرفة ثلاث امور هي: المدة، وهي طول الوقت الذي يسمع فيه الصوت والتردد، ويقاس بعدد الدورات في الثانية الواحدة وهو طبقة الصوت ويسمى الهرتز ويتراوح التردد المسموع في الحالة الطبيعية بين 20 الى 20 الف دورة في الثانية.
اما الامر الثالث فهو سعة الصوت وشدته ويحسب بالديسبل وتبلغ قوة الصوت الاعتيادية في التخاطب بحدود 60 دسيبل تقريبا. ويحدد العلماء ان التعرض لصوت اعلى من 85 دسيبل لفترة اطول تزيد نسبة التعرض الى الضرر وكلما اشتد الصوت كذلك زادت الاضرار بشكل اسرع، وتؤكد التقاريرالاختبارية ان الصوت يصير مؤلما عندما يتخطى 120 دسيبل، فبالإمكان تحمل اذاننا صوت الخلاط المنزلي (90 دسيبل) لساعة من الزمن لكنها لن تتحمل جهاز الاستريو الذي ينتج صوت يزيد على 140 دسيبل لمدة نصف ساعة.وكل زيادة بمقدار10 دسيبل تعني ان الصوت يتضاعف 10 مرات.

ولكي نفهم كيف يمكن للاصوات العالية ان تضر باسماعنا، يوضح ذلك احد تقارير السلامة المهنية اذ يشبه الاغشية الشعرية في الاذن الداخلية بزرع منتصب في حقل والصوت الذي يدخل الاذن بالريح.
وكلما زادت سرعة الصوت زاد الضغط والامر مماثل مع الضجيج فالخلايا الشعرية الدقيقة والحساسة يمكن لاي صوت مفاجئ او عنيف ان يمزق الاغشية ويترك ندوبا تسبب ضعفا في السمع كما ان التعرض لوقت طويل لمستويات خطرة من الضجيج يسبب ضررا يتعذر شفاؤه، وقد ينجم عن ذلك ما يسمى الطنين وهو صوت هدير او صفير او رنين في الاذنين والراس.
ومع ان سمعنا قد يضعف لاسباب وراثية او التعرض لحادث ما، لكننا لا بد لنا من اتخاذ التدابير الواقية لحماية حاسة السمع الغالية وابقائها جيدة طوال الوقت لذلك يحسن بنا ان نعرف مسبقا الاخطار التي تهددنا ونبتعد عنها. فغالبا ما تكون المشكلة في طريقة استماعنا للاصوات لا بما نستمع اليه.
وقد حذرت منظمة الصحة العالمية الحكومات والمنظمات المختصة بالبيئة الى ان البيئة السمعية في العالم اخذه في التدهور مما يتسبب بمشاكل لا حصر لها منها ان اكثر من 120 مليون انسان في العالم يعانون من ضعف خطير في السمع، وان نحو 75 في المئة منهم ليست الشيخوخة السبب لتردي حاسة السمع لديهم بل الاصوات التي يتعرضون لها طوال حياتهم، هذا في الجانب السمعي فقط ناهيك عن ارتفاع ملحوظ في معدلات الصداع والصداع النصفي المستديم.
ولو نظرنا ابعد قليلا لوجدنا ان الكثير من المشاكل الاجتماعية يقف وراءها الضجيج والصراخ، فلا نفاجأ بان المزاج العام لسكان المدن في تدهور خطير وخير دليل على ذلك ارتفاع نسبة الكابة وما يصاحبها من امراض نفسية واجتماعية بفعل ضمور المشاعر والأحاسيس الودية.
وتؤثر الضوضاء سلبا في عملية التجاذب بين الرجل والمرأة، فقد وجد ان الرجال يقل تجاذبهم مع النساء اذا ارتفعت شدة الصوت اكثر من 84 دسيبل. واكدت احدى الدراسات الى ان التعرض لاصوات عالية يؤدي الى التوتر حتما، والتوتر عامل مهم في الاضطرابات النفسية كالتقزز والقلق والغثيان وحب الجدل حتى لأتفه الاسباب.
وكذلك وجد انه السبب في كثير من حالات الفشل الجنسي وتغيرات المزاج العاطفي مما يؤدي الى فقدان التحكم الحسي واللامبالاة، وتلك الفورانات العنيفة التي تحدثها الموسيقى الصاخبة في مجاميع من الشباب فتحولهم الى قطيع منفلت يحطم كل شيء بلا وعي او في شباب يقودون سياراتهم بطرق جنونية.
وتحت وطاة ضجيج موسيقي يفلت العقل من التحكم بالارادة ويخرجها الى درجة اقرب ما تكون الى الجنون، ولا استغراب من ان التعرض لاصوات مرعبة او قوية قد يؤدي الى الجنون فعلا كل ذلك يرجع لافتقاد الهدوء.
ان بتهوفن لم يفقد سمعه بسبب الموسيقى بل جاءنا بارقى المشاعر الانسانية وهو اصم لكن احفاده الان يوجدون الصمم لنا بالموسيقى الصاخبة .
لذا ينصح باستعمال سدادت الاذن وغيرها من الادوات التي تحمي السمع من الضجيج كلما وجدنا حاجة لذلك، ويحسن بالوالدين ان ينتبهوا من الخطر المحتمل الذي تشكله الالعاب الصاخبة وسماعات الراس الموصولة باجهزة التسجيل الصوتي فالاحدات اكثر عرضة لمشاكل في السمع بسبب الاستماع الى موسيقى صاخبة ولوقت طويل.
فالاذن عضو سمعي صغير وحساس جدا واكثر من رائع فهو هبة الخالق وبه نسمع كل شيء من حولنا، فلا شك ان هذه الهبة تستحق العناية والاهتمام .

محسن الذهبي
كاتب عربي مقيم في بريطانيا