أبوعيطة.. 'شاعر المظاهرات' ولسان حال المصريين

القاهرة ـ من محمد ج. عرفة

لولا "أبو عيطة" ما سمع أحد عن موظفي "الضرائب العقارية المصريين" الـ10 آلاف الذين حشدتهم هتافات أبو عيطة الشهيرة بحيث أصبحت عنوانا للمظاهرات، وأحد عناصر القوة في أي مظاهرة.
وكمال أبو عيطة هو أشهر "هتيف" مصري في المظاهرات تجده دائما محمولا على الأعناق وفي يده ميكروفون يعمل بالحجارة، ويلبس طاقية (غطاء رأس) شهير به يشبه ذلك الغطاء البسيط الذي يضعه البحارة وهواة صيد السمك على رؤوسهم، ويشعل المظاهرات بهتافات مبتكرة يرددها خلفه المتظاهرون.

"أبو عيطة" الهتيف الناصري الشهير المتوسط العمر والذي كان يشغل موقع الرئيس السابق لنقابة العاملين بالضرائب العقارية في الجيزة، اشتهر بأن له قدرة غريبة على تأليف الهتافات، بحيث تجمع ما بين اللغة العامية فيسهل للجماهير ترديدها، والبساطة في التعبير و"السجع" في اللغة، والولوج إلى الهدف من وراء الهتاف الذي غالبا ما يترجم مطالب المتظاهرين.

ومع أن أبو عيطة هتيف قديم منذ مظاهرات الثمانينات وسبق اعتقاله عدة مرات، فقد زادت شهرته أكثر على سلالم نقابة الصحفيين، فهو لم يغب عن أي مظاهرة تقريبا للصحفيين أو العمال أو المحامين، وبات مشهده بالميكروفون هو الصورة الرئيسية في الفضائيات وأغلفة المجلات والصحف، وكان لسان حال حركة "كفاية" المناهضة للتوريث في مصر.
ولأنه مدير عام بمصلحة موظفي الضرائب العقارية الذين يطالبون بزيادة رواتبهم، فقد كان على رأس المتظاهرين والمتحدث الرسمي باسمهم مع الجهات الحكومية.

شعارات لكل مرحلة ومناسبة

والطريف في هتافات أبو عيطة أنها غزيرة ومتنوعة وتأخذ أشكالا مختلفة وفقا لكل مرحلة أو مظاهرة أو حتى خطوة تفاوضية.
فعندما بدأت مظاهرات موظفي الضرائب العقارية وأحاطت بهم قوات الأمن، كانت هتافاته تدور حول تحسين أحوال الموظفين مثل "مش عارفين نعيش زهقنا من السلف"، و"مش هنخاف.. مش هنخاف .. مش لاقيين العيش الحاف"، ومنها أيضا شعارات قديمة أعيد إنتاجها مثل: "أربط أجري بالأسعار.. أصل العيشة مرة مرار"، و"الإضراب مشروع مشروع.. ضد الفقر وضد الجوع".

وضمن مطالبهم بعزل مسؤولي المصلحة الحكومية التي يعملون بها لعدم وقوفهم مع مطالب الموظفين ومنهم مسؤول يدعى إسماعيل، ردد الموظفون مع أبو عيطة شعارات كان يهتف بها الوطنيون المصريون في مواجهة الحكم الملكي السابق من أسرة "محمد علي" وسلالته مثل الخديوي إسماعيل (1830–1895) الذي حكم مصر منتصف القرن التاسع عشر، منها: "يا إسماعيل يا وش النملة.. مين قال لك تعمل دي العملة"، و"يسقط.. يسقط إسماعيل عبد الرسول" و"بالروح بالدم.. رزق عيالنا أهم".

أيضا خطب منسق مظاهرة موظفي العقارية كمال أبو عيطة، في الحاضرين بالاستمرار بالاعتصام, رافعا شعار: "يا تسوونا بالمصلحة (أي مساواة رواتب موظفي العقارية بموظفي المالية)، يا تودونا على المشرحة".

وعندما تجاهلهم وزير المالية يوسف بطرس غالي ردد المعتصمون وراء أبو عيطة هتافات غاضبة ضده، منها: "قولوا ليوسف بطرس غالي .. انزل من برجك العالي .. ويا نظيف يا نظيف (رئيس الوزراء أحمد نظيف).. الطوفان مستنيك" و"واحد اثنين وزير المالية فين"، و"معتصمين مش ماشيين".

وعندما أهملت الحكومة الرد على المتظاهرين وهدد المعتصمون بنقل المظاهرات لرئاسة الجمهورية، خرج أبو عيطة يهتف ويردد خلفه الموظفون "يا أبو علاء (الرئيس حسني مبارك).. بص للعيال"، و"يا رئيس الجمهورية .. نظرة عطف للعقارية"، و"يا مبارك مستنيينك.. انصف حق موظفينك".

ابوعيطة: سنلجأ إلى الأمم المتحدة

والغريب أن أبو عيطة الذي لم يتأخر عن أي مظاهرة، برر خروج موظفي الضرائب العقارية للتظاهر للمرة الثانية منذ آذار/مارس 1999 وهو منهم، بأن زوجاتهم طلبت منهم ذلك، حيث قال لإذاعة "حريتنا" المصرية على الإنترنت أن الذي نظم وفكر في الاعتصام هم العاملون والذي دفعهم لذلك زوجاتهم، وقال وهو يبتسم "هذا بلاغ للجهات الأمنية عشان (من أجل) تحاسب زوجات 55 ألف موظف هن من ضغطن على أزواجهن للاعتصام".

وأشار إلى أن هناك عددا كبيرا من السيدات على قارعة الطريق يطالبون بحقوقهن و"أزواجهم على اتصال دائم بهن ويؤيدونهن في كل خطواتهم".

وانتقد تقاعس الحكومة عن التجاوب مع مطالبهم رغم الاعتصام في الشارع ونصب الخيام في مقر رئاسة الوزراء قائلا "إنها (الحكومة) خارج نطاق الخدمة، ولا يوجد أي تمثيل لها سوى في عساكر الأمن المركزي، أما الأطراف المعنية بالأزمة فهي لم تكلف نفسها الاستماع إلينا وبحث مطالبنا".

وأضاف المتحدث باسم الموظفين المضربين عن العمل "إحنا بننصب الخيام وكل بلد جايبه أكلها معها وبقروشنا البسيطة نقدر نساعد بعضنا وبنقضي حاجتنا في الحمامات أو في القهاوي أو في الشارع.. أكيد تعبنا ولكننا نعرف أن الحصول على الحق يلزمه تعب وجهد وتضحيات.. إحنا بنتعذب من 33 سنة ونفسنا كان طويل جدا عشان نأخذ حقوقنا، وواثقين إن شاء الله أننا سنحصل عليها".

وتابع "إحنا مش عارفين نلتقي بوزير المالية يوسف بطرس غالى فهو دائم السفر. وعندما يعود يكون دائم الاجتماعات مع الوفود الأجنبية، أما رئيس الوزراء أحمد نظيف فبقالنا يومين قدام مكتبه، وخطوتنا القادمة ستكون المطالبة بلقاء الرئيس مبارك وإذا فشلنا في ذلك فسنلجأ إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لنطالب بحقنا مادام المسؤولون المصريون رفضوا الاستماع لوجهة نظرنا".

الهتيفة الجدد.. أبناء موظفين

والملفت للنظر أن مظاهرات العمال والموظفين الأخيرة أظهرت وجود خلفاء لكمال أبو عيطة في صورة شبان صغار من أبناء العاملين، وقد لفتت صورة طفل صغير (9 سنوات) حمله أحد المعتصمين وهو يهتف عبر الميكروفون "واحد اتنين.. رئيس الوزراء فين" و"لا بنخاف ولا بنطاطي ولا بنحب الصوت الواطي"، وفي الليلة الثانية للاعتصام، لفت الطفل أنظار العديد من الصحفيين، فقد كان يرقد في الشارع إلى جوار أحد الأشخاص، واتضح بعد ذلك أنه والده، ويدعى عبد الناصر سيد وهو موظف في هيئة ضرائب بني سويف جنوب مصر.

وذكر هذا الطفل لصحيفة "المصري اليوم" أنه حضر مع والده للقاهرة للتظاهر لأنه هو وأخواته يأخذون دروسا خصوصية في الحساب والعربي والإنكليزي وأن راتب والده الأساسي 250 جنيه (أقل من 50 دولارا) لا يكفي لذلك، وأنه ترك دراسته بالصف الثالث الابتدائي للمشاركة في المظاهرة مع والده ولم يشعر بالخوف وقال "أنا حَ روّح لما يخلص الاعتصام وناخد حقنا".

أما الأب فنفى أن يكون قد راوده الخوف على طفله أثناء قدومه معه للاعتصام، مبررا ذلك بقوله "إحنا كده ميتين وكده ميتين.. أعمل إيه عندما أجد نفسي عاجزاً عن شراء اللحمة لهم، حتى المرة التي يتناولونها فيها (عيد الأضحى) بتبقي شكك (استدانة) وبابقى مضطر ليها حتى لا أتركهم ينظرون لأولاد الجيران".

"مؤذن الثورة" و"مسحراتي العرب"

وسبق أن لفتت هتافات كمال أبو عيطة نظر صحيفة "العربي" الناصرية المصرية المعارضة فجمعت في عدد سابق خاص عن المظاهرات عددا من هتافاته منذ عهد الرئيس السادات وحتى الآن حسب المواقف المختلفة، وأطلقت عليه لقب "مؤذن الثورة" و"مسحراتي العرب".

ففي مظاهرات رفض التطبيع بعد كامب ديفيد عام 1979 كان يهتف "أنور (السادات) لما كان بيبيع .. جت نهايته في التطبيع"، و"أكتب على حيطة الزنزانة.. التطبيع عار وخيانة".

وعندما وصل أول سفير إسرائيلي لمصر، لحن عيطة هتافا شهيرا لطرد سفير إسرائيل "يا سفيرهم اطلع بره.. مصر الثورة هتفضل حرة .. أطلع بره يا ابن الكلب .. مصر بلدنا هاتفضل حرة".

وعندما بدأت عمليات فدائية نفذتها فتيات فلسطينيات، هتف يقول "يا حكامنا يا جبناء.. خدوا الدرس من وفاء"، إشارة إلى الفلسطينية وفاء إدريس (26 عاما)، والتي نفذت عملية فدائية في القدس في 27 كانون ثاني/يناير 2002، أوقعت نحو سبعين إسرائيليا بين قتيل وجريح.

وعقب مظاهرات البحرين ضد أميركا 2001، هتف "لا ملامة لا ملامة.. حيوا إخوانكم في المنامة"، أما عندما وصل ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي وأنطوني زيني قائد القوات الأميركية في العراق سابقا إلى القاهرة، قال أبو عيطة "لا تلاقيني ولا تغديني.. مش عايزين زيني وتشيني"، وعندما حضر تشيني وزيني ووزير الخارجية كولن باول للمنطقة العربية، هتف مع المتظاهرين "لا ترشيني لا ترشيني.. ملعون باول على تشيني".

وعندما كانت المظاهرات تنطلق من الجامع الأزهر ويضع بعض الشبان على جباههم ربطات مكتوبا عليها عبارة (استشهادي) كانت المظاهرات ترفع شعار (استشهادي.. استشهادي).

وهناك هتافات في المظاهرات الشعبية ألفها عيطة كانت أكثر طرافة وتعبر عن عمق تفهم المصريين لما يدور حولهم ووعيهم بالقضية التي يتظاهرون بشأنها، وكان أشهرها في المظاهرة التي دعت إليها القوى الشعبية والسياسية المصرية عقب غزو العراق ووقوف كوريا الشمالية في مواجهة ضغوط أميركا لنزع سلاحها النووي، حيث كان هتاف ابوعيطة الأشهر هو: "عاشت كوريا حرة عربية.. وأنتم (الحكام العرب) جتكم خيبة قوية".

أيضا حينما اتخذت بلجيكا مواقف ضد إسرائيل بعكس الدول العربية، وهددت بوقف صادرات المستوطنات وقطع علاقاتها مع إسرائيل عقب قرار بناء الجدار العازل، لحن أبو عيطة هتافا لتحية بلجيكا يقول فيه "عاشت بلجيكا حرة عربية.. وأنتم جتكم خيبة قوية"، ويقصد بالمقطع الثاني الدول العربية. (قدس برس)