الوضع الامني في العراق: هل ثمة تحسن أمني وما الموقف منه؟

بقلم: صباح علي الشاهر

لست بصدد الإجابة على سؤال: هل ثمة تحسن أمني في الوضع العراقي أم لا؟ يبدو أنه من المبكر، والمبكر جداً تأكيد أمر هذا التحسن من عدمه، أو النظر إلى الحالة التي يشهدها العراق الآن على أنها حالة مُتحققة وثابته، لعدة أسباب أهمها طبيعة المعالجة التي إنتهجها الإحتلال والتي تعتمد بالدرجة الأساسية على شراء ولاء رؤساء العشائر بالمال، وهي وسيلة غير مضمونة وينتهي تأثيرها بإنتهاء تأثير المال المدفوع، إضافة إلى أن الإعتماد على العشيرة، ونفخ دورها، يعيدنا إلى زمن إنقضى وولى، وهو نكوص وتراجع في مسألة التطور الطبيعي، ويحتوي من ضمن ما يحتوي عليه على مخاطر لا يمكن تقدير مداها، ليس أقلها تهميش مفهوم الوطن الواحد المُوحد، وتشظي مرجعية المواطنة الواحدة إلى مرجعيات متناثرة، ومتسعة باستمرار، وإدامة الإحتراب ليس الطائفي هذه المرّة، ولا الأثني، وإنما ما هو أخطر وأكثر إتساعاً ألا وهو الصراع العشائري. الصراعات العشائرية في بلد ذي بيئة عشائرية كالعراق من أكثر الصراعات خطورة وأكثرها دموية، ولا عقلانية، مثل هكذا صراع لا يقتصر على ثلاث مناطق أو ثلاثة اقاليم، ولا على 19 محافظة، ولا على المحافظة الواحدة، وإنما إذا إندلع لا سامح الله، فأنه سيشمل كل مدينة وزقاق وحارة، والمحتل يؤسس لمثل هكذا صراع، سيستثمره عند مقتضى الحال والأحوال. بدايات هكذا صراع ظهرت للعيان في الأنبار وديالى، ومدن الجنوب والفرات الأوسط، في الديوانية وكربلاء والبصرة، بعض العشائر الكبيرة منذ الآن تريد حصتها من النفط، وبعضها تريد أجور مرور أنابيب النفط عبر مضاربها، وقد أصبح من الطبيعي في بعض المحافظات أن يكون المحافظ أو أعضاء مجلس المحافظة من أبناء هذه العشيرة أو تلك. ما نريد قوله أنه يُخطيء كثيراً من يستهين بخطورة إحياء العشائرية نظاماً لا إنتساباً.
المثقفون والنخب السياسية ملزمون بدق ناقوس الخطر، والوقوف بوجه هذا العبث بحاضر ومستقبل البلد. لقد فشل المحتل في إشعال وإدامة الحرب الطائفية رغم كل ما فعله على الأرض، رغم تدمير الدولة والبنى التحتية، وتسخيف فكرة المواطنة والإستعاضة عنها بالأثنية والطائفية، وها هو الآن يتحوّل بالعراق إلى مجتمعات ما قبل الدولة، ما قبل التمدن. لقد عمل السياسيون العراقيون، وخلال قرن أو ما يزيد، وعبر تضحيات لا تحصى على الحد من ظاهرة العشائرية، التي كانت وما زالت واحدة من عوامل التأخر، وبجهد ونضال الوطنيين العراقيين من شتى الإتجاهات، تم وضع العشائرية في موضعها وإطارها الصحيح، وإبعاد تأثيراتها الضارة عن حركة الدولة والمجتمع، أو حصرها في أضيق نطاق، لا يتعدى النسب، هذا النسب الذي يُزيد شعور المواطنة قوّة ويُعمق ويجّذر إنتماء المواطنين من خلال تأصيل هذا الإنتماء في أحشاء التأريخ والماضي السحيق، وكان إلغاء قانون دعاوي العشائر في عام 1958 إثر ثورة الرابع عشر من تموز الوطنية إنتصاراً للنضال الشاق المُضمخ بالدم، وكان من المؤمل أن يكون هذا إيذاناً بتدشين عهد جديد يؤكد فيه المواطن العراقي وفي ظل الجمهورية والقانون الواحد والسلطة الواحدة والولاء الواحد مواطنته العراقية من دونما رتوش ولواحق. إلا أن المؤمل والمُرتجى لم يتحقق، فمع ضعف السلطة في بغداد على إثر دخول الكويت وخسارة الحرب مع حلف الراغبين عام 1991 إضطرت السلطة في بغداد إلى إحياء العشائرية والإتكاء عليها، وإيكال ما لا تستطيع القيام به لرؤساء العشائر. لقد أغدق النظام الأموال على رؤساء العشائر، ومن لم يتم كسبه يتم إبعاده وإستبداله بغيره ، وأصبح في البلد عملياً (نظامان وقانونان)، هما نظام السلطة، ونظام العشائر، قانون السلطة الذي هو قانون العقوبات البغدادي، وقانون العشائر. كانت الخيام تنصب في الشوارع والساحات ويتم التقاضي وفق القانون والعرف العشائري في كل شيء تقريباً من السرقة حتى القتل والإغتصاب، وكانت هذه واحدة من أكبر أخطاء النظام السابق، لأنها مست وعلى نحو مريع شروط المواطنة الواحده والولاء الواحد، والقانون الواحد الذي يتساوى أمامه جميع المواطنيين . لقد لجأ النظام السابق في لحظة ضعفه وعدم تمكنه من السيطرة على العراق إلى هذا الإجراء الذي لم يكن مجدياً، لأن نفس رؤساء العشائر الذين إعتمد عليهم النظام السابق وأغدق عليهم الأموال، قلبوا للنظام ظهر المجن وتجندوا لحماية المحتل الذي فعل لهم ومعهم نفس ما فعله النظام السابق، لا بل زاد، فإن كان النظام السابق يدفع بالعملة المحلية، فالأميركان يدفعون بالدولار، وإن كان النظام السابق لا يُسلح بأكثر من مسدس أو بندقية أو كلاشنكوف، فإن الأميركان يسلحون بأحدث الأسلحة.
الأميركان ونتيجة ضعفهم الفاضح وعدم قدرتهم السيطرة على جغرافية العراق الشديدة التعقيد والتنوع، يلجأون إلى ما لجأ إليه عدوهم السابق، والسؤال هل سيفلحون؟ .
الغريب أن الأميركان وهم يسعون بإلحاح وبعنف لتجريد المليشيات من الأسلحة، يقومون بتلسيح وتدريب مليشيات أخرى بمسميات الصحوة والإنقاذ. تُرى هل هو تخبط، أم سياسة مدروسة ؟
ستتكاثر مليشيات العشائر والبطون والأفخاذ، وستمتد من شمال العراق حتى جنوبه، وسيتم إضعاف مليشيات الأحزاب والتنظيمات، ولكن ستنبثق مليشيات لا عد ولا حصر لها، تستوقف المواطن لتفتيشه ومساءلته عند كل منعطف، ولدى إنتقاله من قرية إلى أخرى . سيضيفون بحجة توطيد الأمن إعباء أخرى إضافيه للإعباء التي تحملها ويتحملها المواطن العراقي، وسنسمع عن تجاوزات أخرى أين منها تجاوزات مليشيات الأحزاب والتنظيمات القائمة ، وسيقسمون البلد لا لأربعة أقاليم أو خمسة، وإنما بعدد العشائر والأفخاذ والبطون، لكنهم لن يتوصلوا للأمن الذي ينشدون، طالما تجاهلوا السبب الأساسي في عدم تحققه ألا وهو وجود المحتل في بلد تأبى أرضه وسماه ، تأريخه وحاضره، أن تدنسه أقدام الغزاة. صباح علي الشاهر